مشهد أول:
الزبائن البجو بالدق ..
اشهر صانعة طعام بالدمازين .. طعام حريف ولقب مخيف
للدمازين (خمر) كما لها (أمر). والطريق الذي يقودك إلى ولاية (حرب) وضعت أوزراها قبيل سنوات هو ذات الطريق المعتق الذي يضعك تحت ظل راكوبة بائسة لأشهر صانعة وبائعة طعام (بلدي) بالمدينة.
وحواء اسماعيل بخيت التي بدد لقبها اسمها وذراه في فضاء النسيان، لا لشئ سوى بأس اللقب وشدته، ولقب مثل (دقو رجال) يجعل الناس يفرون من صاحبته فرارهم من مطر الدمازين الغزير، لكنه الطعام الحاذق والمسبوك جعل الرجال يسعون من اقاصي المدينة إلى حيث (تتنبر) دقو رجال بنبرها وسط راكوبة (شرقاني) طرف سوق المدينة و (تغرف من تلك، لتدلق في ذاك).
مش خالتي براها .. أنا ذاتي بدق:
الحديث معها لم يكن سهلاً، ليس لأنها ترفض مبدئياً الظهور في الإعلام، لكن لأن بعض من صورها وحاورها احجم عن النشر وهي تنتظر فلماذا تضيع وقتها في (كلام فارغ) كما قالت. رغم ذلك وعلى مذاق عصير التبلدي المختلف عما هو هنا في الخرطوم تحدثت إلى (دقو رجال)، وكان حديثها شهياً وحاذقاً كطعامها تماماً.
وانها سميت على خالتها (حواء) ولقبت عليها أيضاً، وأن خالتها لم تكتف بمنحها الاسم واللقب بل أجرت في جيناتها أيضاً النزوع إلى (دق الرجال) لو غلطوا.
تقول حواء، كانت خالتي مرا حاره، وما بترضى الحقاره وأي راجل يعمل (سيك ميك) كانت بتدقوا، وانا كمان بدق كان في زول غلط على، بآخد حقي بيدي وبعدين بمشي القانون نجيضه.
لكن (نجاضة) دقو رجال التي ابتدرت عملها في صنع وبيع الطعام طليعة العام 1987م، تظهر بجلاء أكبر في صنع الطعام، لأنها لا تعمد إلى (دق) الرجال أمثالنا إلا من (يمرق) عن الخط ويتعدى الحد زي الناس البياكلو وبزوغو ، وديل الله قال بي قولهم.
دقو ( مجتمع ذكوري):
بعد ضربة الكرمك ، الظروف بقت صعبه شديد عشان كدا أضطرينا نمرق ونشتغل، انا مطلقة وعندي ولدين بالإضافة لاولاد أختي المتوفي زوجها، وهم (7) قول ما شاء الله، كلهم ربيتهم وعلمتهم، ولدي الكبير خريج قانون وهسي بيتمحن في المعادله، التاني بيدرس دراسات مصرفيه. وبنات أختى كلهن بيدرسن، في واحده منهن بتدرس طب وقربت تتخرج.
كانت (دقو) هكذا يختصر أهل الدمازين لقبها فيبرزون صدره ويحجبون عجزه، حتى أن أحد المثقفين قال لي، دا أكبر دليل على سيادة قيم المجتمعات الذكوريه، فانصرفت عنه قبل أن يمضي في تحليله فيصرفني عن (دقو)، ربما بدا لي تحليله منطقي، لكني رجحت سبب الحذف لإختصار اللقب الطويل، كانت تبدو أكثر بهاءً ونضارة وهي تحكي عن نجاح ابنائها وبنات اختها، وكانت فخورة بعملها الذي لولاه لما كان في الأسرة طبيبةً أو محامي أو مصرفي.
حتى الخواجات يستسلمون:
إلى جانب العصيدة والكسرة والشرموط والويكة البيضاء والويكاب والرايب و ....و .....، تنشط (دقو رجال) في قلي وتحمير السمك، ولأن(يدها الطاعمه)، بلغت من الحرافة الحذاقة والإتقان أقصى ما يمكن فإن الخواجات (بتاعين المنظمات) يأتونها راكبين وراجلين لا يخشون (لا يوقاً) و لا يتأففون من (ويكاب).
تقول (دقو) عن زبائنها، كل البلد دي زبايني، والبجو من بره برضو زبايني، المواطنين، ناس المنظمات بخواجاتهم، ناس الأمن، الشرطة، النيابه، مديرا بنكي الخرطوم وأم درمان الوطني والموظفين، والصحفيين البجو من عندكم، وبعد دا بنودي أكل لناس مالك عقار ومحلية الكرمك ، تصمت قليلاُ كأنها (تسخن) الذاكرة لكلام جديد.
ثُم ..( دق الرجال):
مرة نويت لي واحد، كان بياكل وبزوغ، أول ما جاء طلب بقيت اراقبه، بعد ما ملأ بطنه قام بغسل يده وبتلفت زي العامل ليه عمله، وطوالي كب الزوغة بهناك (اشارت إلى رواكيب)، قمت ناديت ولدي ( العامل) وقلت ليهو الحق الراجل داك وسكاهو لحد الجزارات، اها لحسن حظه لقى عسكري قام كلموا بالحاصل، العسكري قلع من الراجل القروش وأداها لولدي، بس النسوان هنا قالن لي حرام عليك ما كنت ترسلي الولد وراهو هسي كان ضربوا بستفيدي شنو، قلت ليهم ما بقدر بضرب ود (دقو) وهو عارف دا. وانتهت الحكاية الأولى، لكن الضرب ما زال مستمراً (للبستحقوه) هكذا تؤكد (دقو رجال) دوماً وتبرر ضربها للرجال، قبل كدا برضو في راجل كدا بيجي يآكل ويزوغ، هو لو قال لي عندي ما بحميهو الأكل، لكنو عامل فيها حريف، فوتها ليهو مرتين تلاته، بعد داك حلفت ما أخلي، أول ما عسل يدينو و زاغ، جيت وراهو وحصلتو، وضربتو كفين حارت وقلعت منو قروش كل الطلبات الأكلها وزاغ، لمن ضربتو قال لي يا بتي ليه بتعملي كدا، إنت راجل كبير، هو ما كبير قدر كدا، قلت ليهو بعمل كدا لانك راجل محتال وتستاهل.
وبرضو قبل كدا في عسكري رسلوا القائد عشان يجيب أكل من عندي، لأنو القائد عنده ضيوف، وبعد ما خلاص الضيوف مشوا، قوم يا العسكري أُكل قروشي نص بالنص، القائد أداها ليهو كلها، أنا متأكده من دا، لكنه ضرب نصها قمت رميت النص التاني في وشو وقلت ليهو خليتها ليك (دين آخره)
وقبل:
رغم نزوعها إلى (دق) المحتالين من الرجال، إلا أن علاقة (حواء اسماعيل) مع زبائنها ليست متجذرة في لقبها المخيف (دقو رجال)، فهذه ليست القاعدة وانما استثناء طغى عليها، فالقاعدة هي ان علاقة (دقو) بزبائنها خرجت من السوق فهي وهم يتفقدون بعضهم ويتعاودون في المرض و (يجاملون) في الفرح والكره، ولأن (دقو) أضحت علم على رأسه نار ، و (طنجرة) تحتها نار فإن من يزور الدمازين ولا (يغشاها) يجب عليه ان (يصم خشمه) ويحفظ لسانه ويمسك عن الحكي، لأنك ما أن تقول : كنت في الدمازين حتى يسألك الجميع ... غشيت دقو؟؟