عرض مشاركة واحدة
قديم 04-07-2011, 10:21 AM   #[11]
عبد الجليل سليمان
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد الجليل سليمان
 
افتراضي

مأوى الفئران .. ومنفى حافظ إبراهيم
الدمازين والرصيرص .. مدينتا الكلش والوازا
عبد الجليل سليمان
حط (الخواجه) رحاله شرق النهر العظيم وهو الاسم الذي يطلقه الأثيوبيون على النيل الأزرق (أباي)، في قرية صغيرة من أكواخ قش متناثرة على رؤوس كثبان متباعده، انها الروصيرص التي اختارها لاحقاً (خواجة) آخر في 1952م ، لتنفيذ سد على خانق صخري وشلالات عظيمة لبث ذلك الكائن السحري الذي يسمى (كهرباء) واكتمل هذا كله عام 1966 ، وحين كانت هنالك روصيرص لم تكن هنالك (دمازين)، لكنه الجسر، جسرالسد سهل عبور سكان الشرق إلى الغرب حيث تبدو المساحة أكثر انبساطاً وانضباطاً من تلال الروصيرص وكانت الأرض الواسعة تعج بالفئران و (الجقور) وهي ذات الأرض التي قامت عليها (الدمازين) حيث تتنوع الموارد الطبيعية وتتميز بإمكاناتها الضخمة فالتربة والمياه والغابات والحياة البرية والمعادن متوفرة بكثرة.
ودمازين دون تعريب وتعريف بالـ (ألف واللام)، جملة مكونة من مقطعين (دا – أمازينق) وتعني بلغة (الوطاويط) اقبض الفأر- بحسب السيد (صلاح الدين حسين ناصر)، وأضاف: اطلقها الخواجه الذي كان يعرف لغة أهل البلد على الأراضي الواقعة غرب الخزان والتي كان مرتع للفئران فأمر الناس بالقضاء عليها حتى لا تقضي على زراعتهم، إذاً دمازين تعني (أقبض الفأر)، وكنت عنما ذهبت إليها أنوي (على قول الإمام الصادق المهدي) إصطياد فأراً، لكنني أزعم انني قد اصطدت فيلاً، فمتعة التجوال في سوق أمبررو، والجلوس إلى أشهر بائعة طعام شعبي بالمدينة السيدة (دقو رجال)، و الحوار مع أمهر الحرفيين (عبد الله يابان)، و رقص الكلش على انغام الوازا، وزيارة منفى شاعر النيل حافظ ابراهيم، تعتبر صيداً بحجم فيل، أليس كذلك؟
الطريق إلى الروصيرص:
لا بأس أن أبدأ الحكاية من منتصفها، فأمسك بخصرها ونتهادى سوياً على جسر الخزان عابرين شرقاً إلى الروصيرص التي هي (دمازين) القديمة ذاتها، حتى أن السينما التي تقع في الغرب كانت تعلق لافتة على مدخلها إلى وقت قريب مكتوب عليها بعبارات واضحة (سينما الروصيرص) قبل أن يقرر أحدهم انزالها و وضع أخرى تحمل اسم (سينما الدمازين)، ويا لهول الإدارات المدنيه.
وانت تجتاز (الجسر) تحفك غابات و حدائق وتحلق فوقك طيور، وتجري تحتك أرانب وسناجب ، والوصف لا يسعه حيز صفحة في جريدة يومية.
ومدخل المدينة الرصيرص، يُشهر أمامك مبانيها القديمه القائمة على رؤوس التلال المتناثره، ويباغتك بمنزل آيل للسقوط يقول أهل المدينة ان شاعر النيل حافظ ابراهيم كان يقيم فيه، ثم تنظر يمنة ويسرى فينهض أمامك حي الربيع و النهضة.. و النصر و قنيص شرق و قنيص غرب والسوق شعبي الشهير بسوق ابو صونو (تنطق النون بطريقة خاصه) كتلك التي في (نيالا)، والقرود ما زالت هناك تحوم (على كيفها). لكنه الوقت يمضي وبينما يمضي تنسرب من بين أصابعي تفاصيل كثيرة، تفاصيل بحجم فيل تخرج من سم الخياط، فأعبر مجدداً إلى أرض الفئران (دا مازينق).

الحكواتي.. غياب الدقه .. حضور الكلش والوازا:
والرجل العجوز يحكي، والحكاية تحتاج جنيهان لزوم (الدقه)، وانغام أبواق الوازا والرقصة المجنونة تجعلك أكثر اتزاناً فتغني في سرك (يا مسافر قوم سيب الخرطوم)، وتنسج نسجك هناك.
يقول (الحكواتي العجوز): وليس بالضرورة أن تفهموا شيئاً مما يقول، يقول: الوازا تتألف من عشر قطع وأبواق هي ، دوالا، و، لوقندو، وازالو، أوقندو، وازومشونق، أقمبور، ديل ديل، إناَ أنقاتيتيه، إنا أنشورو، بلووم ، والأخير هو القرن أما البقيه فمعظمهم أبواق متفاوته الأطوال والأحجام تصنع من القرع، إلى جانب (كشاكيش) من القرع ايضاً، وانغام الوازا تصاحبها رقصات مجنونه فترتفع أصوات الأبواق بوتيرة متصاعده حتى تبلغ ذروتها فتصيب الجميع بما يشبه (لبشة الزار)، وعازفو الوازا وراقصاتها يشكلون مجموعة منسجمة للغاية بقيادة (مايسترو) يشير بعصا صغيره ويتقدم الفرقه.
قبعات السعف على رؤوس الصبايا اليانعات، وخصورهن (مكروبة) بأطراف الثياب، يحملن أطباقاُ ويقرعن على القرع ويكشكن به و ( درير كخزروف الوليد أمره .. تتابع كفيه بخيط موصل)، ومن لم يتذكر هذا وهو يتابع رقصة (الكلش) يكون خارج (الشبكة) وخارج السياق، فالصبايا وخلفهم الشباب وعلى جنباتهم يتحركون بتناغم ودقة وبغير حساب على أرجلهم وباجسادهم فيشكلون زوايا حاده، وأقواس، تنداح لتؤول خطوطاً مستقيمه ما تلبث أن تلتئم سيرتها الاولى مرة أخرى إثر تغير الإيقاعات أو انتقال صوت المغني باللغة المحلية إلى طبقة أخرى فيصعدن على حباله الصوتية ويهبطن على ايقاعات الكشكوش والقرع، انها (الكلش) رقصة السحر والجنون.

السحر والطعام ..
وبعد أن يستبد بك الطرب وتخور من الرقص، لن تذهب لتنام، امتطي أي دابة و إلى سوق أمبررو، وأمبررو يفعلون ولا يتحدثون فالـ( سواي ما حداث)، وهذا أمر آخر سيأتي حينه وإلى ذلك تبدو الحكاية عن سوقهم شيقة لأنك لا تستطيع البيع هنالك مالم تعرف لغتهم وهنا يصبح تحريف الحكمة حكمةً أخرى ( من عرف لغة قوم باع لهم) أو اشتروا منه، ونسوة أمبررو بائعات الروب واللبن والسمن ربما الحقن بك مكروه فيما لو ضبطت (زووم) كاميرتك أو صوبت فلاشاتك نحوهن فارعوي واحذر.
وهنا تبهرك الالوان الصاخبه، ألوان كأنغام الوازا و انثناءات الخصور في رقصة الكلش، ألم أقل ان كل شئ متناغم في الدمازين، فحتي طعام السيدة (دقو رجال) صاخب وحاذق ومحط رحال.
ومذاق عصيرالتبلدي (قونقليس) ليس كالذي هنا في الخرطوم، هذا غاية في التزوير ومن يشرب قونقليس الدمازين سيعلن الحرب على تبلدي العاصمه، لأن لذاك طعم صاخب كنفخات أبواق الوازا. وكل شئ هنا متناغم. ربما النشاز الوحيد أن تندلع الحرب لأن كل من قابلتهم هناك ليس لديهم رغبة في خوضها كرة اخرى، كلهم دون استثناء إلا أن هدير بعض صحف المركز. والروصيرصيون بشقيهم شرقا وغرباً قوم مسالمون وهادئون يحبون الحياة لأنهم يمتلكونها، فقط فلننهض للتنميه لأنها كلمة السر و (افتح ياسمسم).



التعديل الأخير تم بواسطة عبد الجليل سليمان ; 04-07-2011 الساعة 10:46 AM.
التوقيع: [frame="3 80"]
لا تسير خلفي، فقد لا أكون مرشداً لك.

ولا تسير أمامي، فقد لا أتقبل أن أكون تابعاً لك.

بل سر بجانبي، كيما أراك، ونكون متساويين أيضاً.

( حكمة الهنود الحمر)
[/frame]
عبد الجليل سليمان غير متصل   رد مع اقتباس