عرض مشاركة واحدة
قديم 14-07-2011, 08:53 AM   #[3]
سامى عبدالحليم
:: كــاتب جديـــد ::
 
افتراضي

ثانياً: إدارة التنوع الديني



هناك مرحلتان في تاريخ تضمين المؤشرات الدينية في الدستور السوداني :

(1) المرحلة التي خلت من تلك المؤشرات: إن فكرة تحديد الدين الرسمي السودانية، أو جعل الدين مصدر أساسياً للتشريع، لم ترد في دستور الحكم الذاتي لسنة 1953 أو دستور السودان المؤقت 1956، و لا في دستور السودان المؤقت لسنة 1964 ( الذي تمت صياغته على هدى دستور سنة 1953 مع تعديلات غير أساسية) كما لم تأتي أي أشارة، في تلك الدساتير إلى أن أن غالبية سكانه مسلمون ولا الى مصدر للتشريع. وظل الحال على ذلك حتى إجازة دستور السودان الدائم لسنة 1973.
من الواضح أن غياب مثل ذلك النص أو النصوص عن الدستور، في الفترة الأولي، لم يؤثر في طبيعة إلإعتقاد الديني للمسلمين أو غيرهم، ولم يولد أية حالة من التنافر أو التنازع القائم على أساس الدين بين مكونات المجتمع.

(2) المرحلة التي ظهرت فيها النصوص القانونية المحددة لدين الدولة: إن هذه المرحلة لم تدخل إلى الحيز التشريعي من العدم، بل سبقتها جهود تشريعية و محاولات حزبية، وصلت مراحل متقدمة في النقاش، لا سيما في لجان الدستور الدائم في البرلمان المنتخب بعد ثورة إكتوبر 1964. و كان دستور السودان الدائم لسنة 1973 و كل الدساتير التي تلته (دستور 1985 الإنتقالي و دستور 1998 و دستور 2005) ، جاءت متضمنة بالنص على موضوع الدين الإسلامي كدين رسمي للدولة، و أن الشريعة الإسلامية هي مصدر من مصادر التشريع.

إلا إن حالة غياب النصوص الدستورية المحددة للدين الرسمي للدولة، و مصدر التشريع، و تحديد ديانة أغلب المواطنين، لم ترضي بعض النواب في الهيئة التشريعية و السياسيين و المفكريين اليمينيين في السودان، فقد شهدت تلك الفترة منذ إستقلال السودان و حتى مطلع السبعينات محاولات و مقترحات لتضمين نصوص دستورية تحدد الدين الإسلامي كدين رسمي للدولة السودانية، و تحدد الشريعة الإسلامية كمصدر (أساسي أو أحد مصادر) التشريع في الدولة . فيما يلي نشير إلى بعض تلك المقترحات و المحاولات الموثقة، بالإضافة للإعتراضات التي تصدت للفكرة:

1. تقدم الأستاذ المحامي ميرغني النصري، للجنة الدستور في أول جمعية تأسيسية بعد الإستقلال، بمقترح أن يكون دين الدولة هو الإسلام، وأن الشريعة هي مصدر من المصادر الأساسية للتشريع ، وعارضه في ذلك عدد من الشماليين وكل الأعضاء الجنوبيين وعلى رأسهم الأب ساترنينو والسيد تسلادس بايزاما. وبالرغم من معارضة عدد كبير من أعضاء اللجنة إلا أنه عند عرضه للتصويت، أَيد الإقتراح 17 عضواً ولم يعترض عليه أحد ونصه: "الإسلام هو دين الدولة" و "الشريعة الإسلامية هي أصل أساسي من أصول التشريع في جمهورية السودان". تلك المحاولة لم تلقى حظها في الإجازة، فقد أطاح إنقلاب 17 نوفمبر 1958(إنقلاب عبود) بجهود الجمعية التأسيسية الأولى في إجازة دستور دائم للسودان. وقد أسهمت محاولة تضمين نصوص في الدستور تحدد الدين الإسلامي كدين رسمي للدولة، و الشريعة كمصدر أساسي للتشريع، في أن تبدأ مظاهر الخلاف القائم على الدين، فقد غاب كل النواب الجنوبيون عن أغلب الجلسات بما فيها تلك التي جرى فيها التصويت، في تعبير سياسي صارخ عن عدم القبول.

2. بعد نجاح الثورة في إكتوبر 1964، إنشغلت الجمعية التأسيسية المنتخبة بموجب دستور 1964 المؤقت، بإجازة دستور دائم للبلاد، و من ضمن ما إنشغلت به لجان الدستور هو موضوع علمانية الدولة أو دين الدولة، و قد قاطع النواب الجنوبيين جلسات تلك اللجان إعتراضاً على الزج بالدين في شئون الدولة، و مخاطر تلك النقاشات على مستقبل وحدة السودان، فقد أبدى عضو اللجنة الفنية السيد ناتالي الواك تخوفه من أن تؤدي إسلامية الدستور الى إعاقة التقدم الإقتصادي، ليس ذلك فحسب بل إنها قد تهدد الوحدة الوطنية. في نهاية المطاف جاءت مسودة الدستور الدائم لسنة 1968 في المادة الثانية منه على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي واللغة العربية لغتها الرسمية"، وجاءت المادة 113 بالنص على أن :"الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة". إلا أن مشروع دستور 1968 الدائم لم يرى النور بفضل إنقلاب 25 مايو 1969 (إنقلاب جعفر محمد نميري).

3. في الفترة التالية لإجازة دستور السودان الدائم لسنة 1973، شهدت إمعاناً مركزاً في عدم إعتبار التنوع الديني في البلاد، فقادت البلاد إلى مرحلة من تصعيد و الإستقطاب الحاد القائم على أساس ديني، فأفضى ذلك عن أطول و أشرس حرب إهلية يشهدها السودان، في جنوب السودان، قائمة أساساً على عدم الإعتراف بحالة التنوع الديني و الثقافي.

إذا كانت الحالات إعلاه تمثل حالات الإعتراض السياسي و الفكري (السلمي) من قبل المجموعات غير المسلمة داخل البرلمانات المنتخبة في السودان، فحالات الإعتراض المسلح (غير السلمي) الرافضة لإقحام الدين في الدستور، شكلت صورة من أوضح صور غياب التعايش السلمي القائم على الإمعان في عدم الإعتراف بواقع التمايز الديني في السودان، و شهد السودان، في الأوقات التي كان فيها أصحاب فكر الإسلام السياسي على سدة الحكم (منذ مطلع الثمانينات من القرن السابق و حتى وقتنا الراهن)، أقسى صور التمزق و تصاعد حالات النزاع المسلح.

المخرج الدستوري لمعالجة التنوع الديني في السودان ، كانت على الدوام، في تبني دستور قومي يعبر عن كافة السودانين، دون أدنى تمييز أو إنحياز قائم على أساس الدين، من خلال نصوص دستورية تستوعب التنوع الديني و تضمن التعايش السلمي بين مكوناته. و لعل تجربة دساتير السودان في المرحلة من دستور الحكم الذاتي 1953 و دستور السودان 1956 و دستور السودان المؤقت 1964، تعد تجربة رائدة يستوجب إستلهامها حين يأتي الحديث عن دين الدولة و مصدر التشريعات.



سامى عبدالحليم غير متصل   رد مع اقتباس