ثالثاً: تنظيم حقوق الإنسان في إطار التنوع
لا شك أن حقوق الإنسان، هي عامل حاسم في مسألة إستدامة السلم و التعايش المشترك، و يكتسب الأمر خصوصية و أهمية ضافية في سياق مناقشة الحالة السودانية. فمن المهم الإنتباه لمسألة إدارة التنوع و التمايز في السودان بصورة سلمية، ومحفزة تجاه تأطير كل المجموعات السكانية في سياق وطني واحد معبر عنهم دونما أدنى تمييز، سواء كان على أساس ديني أو إجتماعي.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن خصوصية الأوضاع ، في المناطق المتأثرة بالنزاع المسلح، بما فيها دارفور و المناطق الثلاثة في أبيي و جنوب كردوفان و جنوب النيل الأزرق، تتطلب تحقيق حلول تشريعية إستثنائية و متميزة تستوعب إحتياجات المرحلة التاريخية التي يمر بها السودان. حيث أن النزاع المسلح في تلك المناطق قد أنشأ ظروفاً إستثنائية، لا سيما على صعيد الحقوق و الحريات، و التي قد لا تنطبق في إجمالها على كافة أنحاء السودان، ولكن الإقرار بتلك الحقوق و الحريات للخاضعين للظروف الأستثنائية في سياق النزاع المسلح، يضفي على مسالة حماية الحقوق و الحريات صفة الشمولية، باستيعاب التباينات و التمايزات بين فئات المجتمع، وفقاً للظروف التي تعيشها كل مجموعة، الأمر الذي يخلق أرضية مواتية لبناء الثقة و يدفع بإتجاه بناء السلام الإجتماعي في عموم القطر.
نسعى هنا الى التنبيه الى ضرورة إيجاد صيغة دستورية تعالج مسألة الحقوق و الحريات لتستوعب (خصوصية) المرحلة التاريخية التي يمر بها السودان، و في ذلك قد تكتسب بعض الحقوق أولوية قصوى دون غيرها من حقوق، و ذلك إستيعاباً لمقتضيات الفترة الإنتقالية التي تمر بها الدولة وهي تحاول الخروج من ويلات النزاعات المسلحة و الحروب الأهلية إلى فضاء التعايش السلمي و الديمقراطي، و بالتالي تعمل على إيجاد حلول ناجعة تخاطب بشكل مباشر العوامل التي تهدد السلم الإجتماعي و السياسي و تقعد مشاريع التنمية.
و في هذا الصعيد، و نحن نحاول ان لا نغفل المعايير الدولية المطلوبة في تطبيقات حقوق الإنسان، لا يمكننا بالضرورة أغفال خصوصية مجتمعاتنا التي مازالت تحاول الخروج من بيئة الحرب، و بناء المجتمع السلمي، فمن غير المتصور إنكار وجود تمايزات ثقافية بين شعبنا و بعض شعوب العالم، الأمر الذي يجعلها – و نحن نحاول إدماج تلك المعايير الدولية - تتمتع بخصوصيات ثقافية لا سبيل لتجاوزها، خصوصيات تجد تجلياتها في اللغة والأدب والدين والتراث الفكري ومختلف صور المعارف والقيم والمعتقدات التي تميز شعوب العالم عن بعضها وتطبعها بطابع ثقافي وحضاري خاص. هذا التمايز وتلك الخصوصيات الثقافية والحضارية قد تؤكد في النهاية وتدعم منظومة مبادئ حقوق الإنسان العالمية، و لا ضير إن جاءت تدابير حقوق الإنسان الداخلية - في بعض تجلياتها -متعارضة مع تلك المبادئ الدولية ومتناقضة معها لطالما كانت تستهدف إستدامة السلم و التعايش السلمي في المجتمعات الإنتقالية.
جاء دستور السودان الإنتقالي بالعديد من مبادئ حقوق الإنسان، و بالمقارنة، يصنف الدستوريون، دستور 2005 على أنه الأكثر مراعاةً لحقوق الإنسان وفقاً للمعايير الدولية، إلا إنه و بالرغم من ذلك فشل ذلك الدستور في إدارة علاقات التنوع في السودان (فيما بين المجموعات السكانية، و ما بين بعض المجموعات و الدولة). كما لم بقدر الدستور أولويات المرحلة الإنتقالية و مبادئ قيادة المجتمع على أسس جديدة.
|