فيما يلي بعض اهم الحقوق و الحريات، التي تستوعب إحتياجات إدارة التنوع الإجتماعي و السياسي و الديني في السودان، و التي يتطلب وجودها بشكل خاص في الدستور المرتقب بعد إنفصال جنوب السودان:
1. الحق في العدالة، إن حالة العدوان المركب (العدوان و العدوان المضاد) الذي خلفه النزاع بين القبائل و المجموعات السكانية والحكومة المركزية و الجماعات المسلحة، أنشأت العديد من الإحتقانات، التي كان مبعثها، في الأساس، غياب العدالة. إن إنشاء عدالة مستقلة و نزيهة تصون و ترد الإعتبارلضحايا النزاعات المسلحة، يجب أن يعتبر في سياق أي جهد يسعى للحل السلمي الديمقراطي للنزاعات المسلحة. إن العدالة و على الرغم من إتساع مضمونها، إلا إنها يجب أن تستهدف إيجاد الأمن و السلم و التعايش بين فئات المجتمع في الإقليم المعني، و تشمل العدالة في هذا السياق كل ما أرساه التطور الأنساني، و ما ينسجم ما طبيعة النزاع في السودان، في سبيل فض النزاعات بين المتحاربين، و بناء الثقة الأجتماعية، و إعادة الإعتبار، و تحقيق كرامة الشعوب وأمنها و سلمها وإستقلالها. و تعد العدالة والمصالحة هما عنصران أساسيان ومترابطان لتحقيق السلام الدائم في كل أرجاء السودان، وضروريان لتعزيز سيادة القانون. و من جانب آخر، اعتماد آليات العدالة الانتقالية من أجل الانتصاف، ومن أجل المساءلة القانونية لمرتكبي أعمال العنف المتصلة بالنزاعات المسلحة في السودان سيهدئ من الرغبة ف الثار و الإنتقام الشخصي، و يضفي على الإجراءات طابعها الرسمي و يعيد بالتالي الإعتبار للمجموعات التي يثبت أنها خضعت لمعاملة ظالمة.
2. حق الأطفال و النساء و الشيوخ في الحماية: بوصفهم أضعف الفئات البشرية في المجتمع، وبوصفهم أكثر الفئات المتضررة من غياب معايير حقوق الإنسان و غياب ديمومة السلم الإجتماعي، و بوصفهم عناصر غير منخرطة في الأعمال العدائية، يحتاجون في ظل النزاع المسلح الى حماية خاصة، تختلف عن تلك التي تنص عليها الدساتير في سياق الحياة الطبيعية السلمية، إذ أن تلك الفئة هي الأكثر إستهدافاً في سياق النزاع المسلح، و هي الأقل مقدرة في الدفاع عن نفسها. إن وضع المرأة في السياق المسلح، أمر في غاية الحساسية و التعقيد، إذ إن كل النزاعات المسلحة كانت تستعرض بشاعتها و لا إنسانيتها من خلال إستهداف لتلك الفئات الضعيفة في المجتمع، لا سيما المرأة، بوصفها موطن الكرامة والعزة و الإباء و الشرف لكل فئات المجتمع، لذا فاللذين يستهدفون تلك المجموعة من المجتمع إنما يستهدفون ضرب قيم المجتمع، فتلك القيم على الرغم من إقترانها بالمرأة، أو بالطفل إلا إنها حقوق جماعية للشعب، يجب حمايتها و رعايتها على نحو ينهي كل الأنتهاكات الجسيمة الراهنة و يؤسس لبناء سلام إجتماعي دائم.
3. حقوق المعاقين و المسنين و ذوي الإحتياجات الخاصة: الذين بسبب ظروفهم تلك ،يخضعون لظروف أكثر قسوة في سياق النزاع المسلح، لعدم تمكنهم من التعاطي مع الظروف السلبية المصاحبة للنزاع بالقدر الذي قد يعقد من ظروفهم تلك و كذلك يقلل من فرص حمايتهم و سلامتهم. و في زمن ما بعد الحرب فإنهم يواجهون ظروف الفقر و التمييز الإجتماعي و العطالة، فيكونوا بصورة من الصورة جانباً هشاً في المجتمع قد يسهم في إنهيار التعايش السلمي، بتبنيهم وسائل غير سلمية ضد المجتمع و مؤسساته بغرض خلق فرص عيش مناسبة لهم. إن حماية هذه الفئة بمراعاة ظروفها من قبل المتحاربين في زمن الحرب، و بواسطة قواعد تشريعية ملزمة و صارمة أمر لآزم في إطار بناء الثقة في النظام السياسي و دوافعه. و قد صادق السودان على الإتفاقية الخاصة بحقوق الأشخاص العاجزين في تاريخ 24 من شهر أبريل 2009.
4. حقوق النازحين واللآجئين و المشردين: هم الفئة الأكثر وضوحاً في مشهد ضحايا النزاعات المسلحة، فحالتي اللجؤ و النزوح، هما الأثر المباشر لإفتقار المواطنين للأمن و السلام، و الأعداد الكبيرة للآجئين و النازحين، تجعل للمسألة إلحاحاً خاصاً و يؤشر حجم الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطنين فقط بسبب وجودهم في الأقليم الذي يشهد التنازع المسلح. إن الأشخاص النازحين الذين تركوا منازلهم وأراضيهم قد يفتقرون إلى وسائل كسب العيش ، وربما كانوا معزولين أو يعيشون في مناطق غير آمنة، وقد يصبحون ضحايا العنف بتجنيدهم قسراً في القوات المقاتلة، أو بالتعرض للاغتصاب وحتى القتل، وقد ينفصل الأفراد عن عائلاتهم، فيما يمكن أن يجد أولئك الذين هربوا بدون أوراق تثبت أوضاعهم المدنية صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية أو في التحرك بحرية داخل البلاد. لهذا ينبغي وضع قواعد قانونية لتأمين بعض الأمور منها مثلاً الحفاظ على وحدة الأسرة أو إمكانية حصول النازحين على الوثائق اللازمة للتمتع بحقوقهم . إن العناية بهذا الفئة يجب أن تتخذ أشكالاً واضحة على الصعيد التشريعي و الإداري و السياسي. و قد عالجت المبادي الموجهة للنزوح الداخلي التي تبنتها الأمم المتحدة، الحقوق الخاصة بفئة النازحين بالمزيد من التفصيل.
5. حقوق المتضررين: إن العديد من المواطنين الذين ينتسبون الى قبائل أو عوائل أو مجموعات سكانية بعينها أو إقليم بعينه، أصابهم ضرر فقط بسبب أنتماءاتهم تلك، ففقدوا أمنهم وإستقرارهم وتعرضوا الى تمييز لا مبرر له قانوناً، و فقدوا وظائفهم أو مقاعدهم الدراسية أو ممتلكاتهم، أوشردوا داخل السودان أو خارجه، أو تعرضوا الى أي شكل من أشكال المعاملة التمييزية بسبب إنتماءاتهم تلك، برغم عدم ضلوعهم المباشر في أي عمليات عدوانية ضد أي من المجموعات. إن إيجاد آليه تشريعية و مؤسسية لدرء تلك الأضرار و تأهيل الضحايا بحيث ينخرطوا في المجتمع، هو حق لابد من تأسيسه للمتضررين من الحرب أو النزاع المسلح و العمل على عدم حدوثه بواسطة المنخرطين في الأعمال العدائية بما فيها المؤسسات الحكومية. و مثل هذا الحق – لعدالته - ظل حاضراً دائما في المفاضات الحكومية مع الفصائل الدارفورية المسلحة المناهضة للحكومة المركزية.
6. حماية البيئة الطبيعية: أصبحت مسألة حماية البيئة الطبيعية مسألة مثيرة للقلق على المستويين المحلي و الدولي ، فالأضرار الخطيرة التي أصابت البيئة الطبيعية في عدد كبير من النزاعات المسلحة في السودان ساهمت في زيادة حالة الاستضعاف لدى الذين عانوا أصلاً من القتال. إن البيئة ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها، ، و هي ضمانة لكسب الرزق كذلك، وتلعب دوراً حاسماً في ضمان حياة وبقاء الأجيال الحاضرة والقادمة.
غير أن حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، أو في وقت السلم، ظل أمراً غائباً تماماً في الدستورالسوداني، على الرغم من أنها قد وردت في إطار التنظيم القانوني العادي. و يجب في هذا الصدد يجب أن يتم تصحيح الوضع، وتقييد يد السلطات الرسمية و الجماعات المتنازعة من العبث بالبيئة، إنسجاماً مع القانون الدولي الذي يحتوي على بعض الأحكام ذات الصلة مثل واجب عدم مهاجمة البيئة الطبيعية ما لم يكن هناك هدف عسكري، أو حظر الهجمات التي من شأنها التسبب بأضرار عرضية غير متناسبة مع البيئة. أن حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يتطلب صياغة تفاصيل أوفى، تستوعب الهدف من حماية البيئة، و تحدد أشكال وصور الأنتهاكات الماسة بسلامة البيئة، بما ينسجم مع التعهدات الدولية ذات الصلة، حيث أن البيئة و مشاكلها أصبحت أمراً إنسانياً تتشارك فيه الانسانية جمعاء.
إن حرصنا على تضمين هذا الحق في دستور السودان، لمرحلة ما بعد الإنفصال، هو أن البيئة كانت على الدوام أحد الظروف المؤسسة للصراع المسلح بين المجموعات السكانية، لا سيما في مجتمعات الصحراء وشبه الصحراء و السافنا ، بسبب المراعي و الوديان. و يكتسب المر أهمية بعد إنتشار حقول البترول في تلك الإقاليم، فتجد بعض المجموعات السكانية، برغم عدم إستفادتها من مستخرجات البترول، تتعرض لضرر مباشر من خلال تدمير البيئة التي يعيشون في ظلها، فيكون سبباً لبدء أعمال غير سلمية تستهدف حماية بيئتهم من التخريب.
7. الثقافات و التراث المحلي، تعد مسالة التراث المحلي و الذاتية المحلية لبعض الجماعات، تعبير عن الشخصية ، والأقرار بذلك، يعني أقرار بالتمايز بين المجموعات السكانية، على الرغم من إشتراكهم في الوطنية و الثقافة الجماعية المشتركة. إن الإنكار تحت أي مبرر لحق أي مجموعة سكانية في التعبير عن خصوصيات تراثها / لهجتها / عاداتها ، تحت أي مبرر كان، يولد دون أدنى شك، الإحساس بعدم التكافؤ، و عدم الإعتراف، و التمييز ، و يقلص من الأحساس بالوطنية الجماعية ، وينمي الأنانية الإقليمية/ الجهوية/ العشائرية، كما يهدد بشكل صارخ السلم الإجتماعي الجماعي في البلاد. إن التمايز في السودان هو عمود الثراء الثقافي، وأن التمازج الحضاري و التاريخي في السودان الذي إستطاع إن يرسم ملامح التسامح الإجتماعي، و القبول بالتمازج و التبادل دونما أدنى تعقيدات، هذا التواصل يجب أن يترسخ بالإقرار بضرورته و أهميته، من خلال الأعتراف بالثقافات و بالتراث المحلي في إطار الوحدة الوطنية الجامعة.
8. الحق في التنمية: تعد التنمية عامل محوري و فعال في تحقيق السلام و التعايش السلمي و خلق أفضل الفرص للتطور السياسي السلمي، و هذا الحق بالنسبة للسودان يعد حجر الزاوية في بناء سلام دائم. تم إقرار الحق في التنمية في عام 1981 في المادة 22 من الإعلان الأفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب، كحق مقرر للأفراد و الجماعات. إن الفقرة (1) من المادة 22 نصت على أن لكل الشعوب الحق في التنمية الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ، و ذلك إستناداً لحقهم في الحرية و الكرامة ، و حقهم في المساواة في التمتع بالرفاه الإجتماعي.
9. ديمقراطية و سلمية تداول السلطة:
لا ريب أن الحياة السياسية في السودان، ظلت على مدى تاريخها تشوبها العديد من الحالات الغير سلمية، و ربما أن الحروب التي خاضتها الحكومة المركزية بعد الإستقلال، كانت كلها ضد مجموعات سياسية و إجتماعية سودانية. إن عدم إنتهاج السلطة المركزية لنظام حكم ديمقراطي، يكفل إنتقال السلطة بصورة سلمية وديمقراطية، و كذلك مصادرة حق التعبير و التنظيم ، الأمر الذي لم يترك باباً للتداول السلمي الديمقراطي للسلطة و إلا إغلقه، مما دفع اصحاب الرأي المخالف لإتباع الوسائل الغير السلمية تعبيراً عن رؤاهم السياسية و أفكارهم. إن إنكار حق المجموعات السياسية في العمل السياسي بشكل ديمقراطي ، و إتباع نظم و قوانين و آليات تكفل ديمومة بقاء الحاكم في السلطة لأطول فترة زمانية، كلها ظلت تؤسس لواقع عدم الإستقرار و لتلاشي الثقة في السلطة و قوانينها بوصفهما لا تعبران عن الكافة.
الخاتمة:
1. إن مسالة التعايش السلمي بين كافة مكونات النسيج الاجتماعي و السياسي في السودان، ظلت مسالة تؤرق الباحثين الدستوريين و السياسين و مؤسسات الدولة، منذ فجر الإستقلال و إلى وقتنا الراهن، و كانت دائمة الحلول الدستورية المتبناه من قبل الممسكين بمقاليد الحكم، تعبر عن رؤية أحادية غير مستوعبة للتنوع في السودان، و لا تعبر ايضاً عن المتطلبات المستقبلية لبناء تعايش سلمي في السودان.
2. إن أحد أهم الأسس التي يقوم عليها عدم عدم الأستقرار (السياسي، الإجتماعي، الإقتصادي ، الأمني.. ) هو عدم الإقرار بواقع التنوع والتمايز في المجتمع السوداني على المستوى الدستوري. ويأتي الحديث عن التنوع ليشمل كافة أنواع التنوع كما سبق افشارة في هذه الورقة. و قد أفضت سياسة إنكار الآخر إلى أن بدات بعض المجموعات الإجتماعية و السياسية في اللجؤ إلى وسائل غير سلمية أو غير قانونية للتعبير عن إحتياجاتهم ، وأدت تلك السياسة بالنتيجة إلى إنفصال جنوب السودان.
3. إن بنية المجتمع السوداني، ليست فريدة، من زاوية تنوعها، بالمقارنة بمعظم المجتمعات الإنسانية الأخرى، فكل المجتمعات الديمقراطية العتيقة في العالم، قائمة على اساس إعطاء تقدير خاص للتنوع و التمايز في المجتمع، تفادياً لخلق أي هشاشة في بنية السلام و الإستقرار في المجتمع. و الأمثلة في هذا تفوق قدرتنا في الحصر.
4. إن هذه الورقة لا تتبنى صيغة دستورية معينة لدستور مرحلة ما بعد إنفصال جنوب السودان، بقدر ما حاولت تأشير مبادئ دستورية جديرة بالإعتبار حين يكون الأمر متعلقاً بصياغة مبادئ للتعايش السلمي و الإستقرار السياسي و التنمية المستدامة و تحقيق مصالحة داخلية واقتسام منصف للثروة والسلطة علاجا للاثار الفادحة الناجمة عن الحروب و الديكتاتوريات منذ إستقلال السودان. واي دستور يغفل هذا النهج او ينتهك هذه المبادئ و الأسس لايسهم بأي حال من الأحوال في صياغة مشروع التعايش السلمي المنشود، إنما يهيئ السودان لمرحلة جديدة من عدم الإستقرار و إستمرار الاحتراب.
|