هل تحولنا إلى شعبٍ غير مُبالٍ (.....)
لكم يحز في نفسي أن يطوف بذهني مثل هذا التفكير حتى..
أذكرُ استهجاني تلك الجلسات –التي لا أعيبها من حيث المبدأ على طرفٍ- في (رواكيبٍ) نُصبت بسوقِ مدينتنا الدوري..
نساءٌ تكحلن وتطيبن وأبرزن بعض مفاتِنٍ –قصدن ذلك أم لم- وطفقن يعرضن على السابلة المتقاطرين زرافات ووحدانا إلى السوق ما جادت به (جزاراته) (مُقلقلاً) على نارٍ وقادةٍ تسبقه وتليه فناجين القهوة وكؤوس الشاي التي برعن في (قرفنتها ونعنعتها) بحذقٍ وأد جهود الأمهات القابعات ببيوتهن في شكم أقدام الآباء عن التردد على تلك (الرواكيب) أو حتى إقعاد ألسنتهم عن ذكر محاسن قهوة (فلانة) وشاي (فلتكانة) والتندر عليهن بأنهن لا يفقهن شيئاً في (دنكلة) الأكل والكيف، ونحو ذلك...
استهجنتُ الأمر من زاوية أنه (كسر القداسة) التي كانت تلفنا حيال الآباء، إذ لم يكن بالإمكانِ –البتة- أن نكون في مكانٍ/مقامٍ أو حتى شارِعٍ يجمعنا على قدم المساواة معهم –وذا لا لخوفٍ يجندلنا وإنما احتراماً لا غبار يكتنفه- فالسوق عندنا عُرف منذ الأزل بأنه ملجأ الشباب يجتمعون في مقاهيه ويتكسبون فيه، وإنما الآباء وإن كان أحدهم يعمل به أو عابرا لغرض، لا تلمح إذ ذاك الزمان ظل ابتسامة يتصدق بها عليك، بل جدية تامة ومزاح مدروس ومراقبة لسلوكياتنا لا تنقطع، كانوا يسعون إلى غرس القيم والفضيلة في نفوسنا..
لكنما،
وكانت تلك أول طامة
-وجاءت لما ضُيق على الناس، فخرجن ربات الخدور يبحثن على عونٍ لعائلٍ ضاقت به السبل-
فقد تلاشت الحواجز بمجرد أن التقى الجمعان (الآباء والشباب) في أرضِ (الرواكيب) التي زحفت حتى غطت كل براح كان في السوق، فسال الحياء أنهاراً، والمحصلة صُلحاً تساوت فيه الأكتاف (أو كما يقولون)، ومن ثم فإنه يُعد/يُحسب على الآباء كالأبناء أنفسهم، نظراتهم المقصودة والشاردة، أحاديثهم الباسمة والجادة...الخ، حتى لم يعد من أثر لسطوة... أي أثر..
وهيهات لم ما أندلق من ماء...
ثم جاءت الأوجاع تترى،
(أو لم يتبدد الحياء)
هذه حبلت، وتلك هربت، وهذا اغتصب، وذا أُغتصب، وهلم جرا... ولا سبيل إلا بتغطية الجراح بقيحها، ويعلمون أن ذلك ليس بالحل الناجع، لكنما لا سبيل للبرء فالماء سال...
ولعل أسوأ ما يمكن حصوله عقب ذلك هو
الاعتياد
يبدأُ الأمر –أظنه- بصدمةٍ يكرس كل جهد لتجاوزها (لا مجابهتها)
الناس لم تفطر على التبلد
لكنهم يعتادونه
وأظننا الآن بلغنا مرحلة قصوى من التبلد
من اللامبالاة
وبذات القدر الذي حولنا من أقصى الجمال/القيم والفضيلة إلى أقصى القبح/الرزيلة
بذات الصدمة التي كرسنا كل إغماض في رغائب الذات القويمة لتجاوزها
فإننا يتوجب علينا تقبل الضد
اللا معقول واللا مقبول
عسى أن ننتفض من موتنا بالتبلد
من هذا الإطار والمنحى
علنا ننظر مباشرة إلى الفيل، إلى الأسباب
نقف على حقيقة التفريط الذي أتقناه
وحقيقة اللهاث وراء الزيف والزائل
حقيقة أننا تخلينا عن جوهر الإنسانية
أصبحنا نركض وراء المادة بشتى السبل
وبشتى السبل بتنا نبتعد وبذات القدر الذي نركض به وراء المادة
بتنا نبتعد عن القيم والفضيلة
وهي عمد الدين وعمد الإنسان وروحه
بتنا نبتعد عن الأسرة الواحدة التي تبالي كلها بكل تفاصيل أفرادها
نسينا أن الجارة هي أختي أو أبنتي أو خالتي...
بتنا نراها ... كيف يمكنني قول ذلك؟
بتنا نراها (صيداً) نتربص به الدوائر، نبذل كل دهاء لبلوغه...
لعل ما يتوجب بذله (حقيقة) هو مجابهة الأمر بنفسٍ حادِبةٍ على الخير، تنسى الماء المراق، وتنسى أنها تفنى لذاتها بذاتها، نفس تتجرد من ذاتها وتسعى إلى زرع القيم والفضيلة في حناياها ومن ثم في النفوس التي كلت أو عميت، فما لا يمكن إقناع المرء به أن الحرية في التفسخ والانحلال وما شابه، وإنما الحرية تكمن في القيم والفضيلة.
وأن نجئ في يومٍ ونرى أن كشط الجلد النابت على قيحٍ هو (خدش حياء عام) فإنه لعمري إما لرغبة بـ (الحياء العام المزعوم) في قتل ما تبقى بالنفوس/ببعض النفوس من نخوة، أو قلة اكتراثٍ لما يحدث بنا.
الأحرى بمن قيضه الليلُ (لا الله) على أمر الناس أن يحرص على أمنهم وأمانهم في نفوسهم وبيوتهم وأعراضهم وووو، والأحرى أن لا تأخذه رأفة في أمر لا تقبله نفسٌ سوية (ولا أقول في حد من حدود الله)..
لعلي الآن أتساءل: هل تحولنا –بفعل كل تلك التحولات التي ما عرفناها إلا بعهد الورطة/الإنقاذ- إلى شعبٍ لا مُبالٍ (........)؟
21/10/2009م
|