الموضوع: ليس ثمة شيء..!!
عرض مشاركة واحدة
قديم 09-10-2011, 09:02 AM   #[257]
بله محمد الفاضل
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية بله محمد الفاضل
 
افتراضي

هستريا المدينة



توطئة:

ضُرِب بيتي الذي لا أملكه أو أستأجره،
وماتْ أخي الذي لم التقه أو أعرفه،
فترّملتْ جارتي التي لم أقطنْ بجوارِها،
وتشردّ أبناءُ أبي الذي لم ألده...



هستريا:

1/
أما أنا،
فمثلي..
أشهقُ بالكآبةِ التي تسللتْ ضُحىً،
إلى ليلِ المدينةِ المُقيمِ..
وشقتِ الطريقَ إلى صدرِ اليمامةِ،
فأيقظتها من سكونٍ سقيم..
أشهقُ بالذين اغتالوا ميتاً مُلقى بجثتِهِ بقاعِ الغُبنِ،
وألقوا جُثثاً بجُثثٍ،
واجتثوا صبرَ الذين لم يحتملْ الصبرُ صبرَ صدورِهم الهشيم..

2/
وأنا أحدُّ الذين،
وكيف لا؟
وقد كُنتُ بيومٍ أحدّنا،
أغتسلُ بالتقوقعِ،
وألهو بالطنطنةِ،
أنبهرُ بالتحديقِ إلى رتمِ الأُغنياتِ الهباءِ،
وأرسمُ خُطواتي المُتهالِكةَ بشارِعِ البُكاءِ،
ولا أحتمي ببهوِ الشمسِ،
أو بمساراتي داخِل أزِقةِ المدينة المستقيمة في اعوجاجٍ صادِحٍ،
فأيقظتُ المدينةَ على: صوتي،
وأعني: صورتي،
وتحديداً: أنفاس ضحكتي الخرقاء،
حينما عبرتْ إلى بيتٍ خربٍ،
بأطرافِ المدينةِ،
والمدينةُ كما تركتُها..
قِبلتُها إلى الابتهاجِ قليلاً،
وتصلي كما تأمرُ الآلهةُ،
تارةً إلى الجُنونِ،
وأخرى بميلٍ إلى الإشفاقِ أو الهرّبِ،
وفي الغالِبِ..
لا تُصلي،
لكنها تُيمم بحليبِها المسكوبِ بالفناءِ شطرَ السُّكوتِ،
وتتغزلُ بعُزلةٍ لا تفوت،
ناهيكَ عن احتمالاتٍ بالخوضِ في الغِبارِ،
والنعيقِ بالمسارِ،
والالتفاتِ للرقصِ في قميصِ الاحتقارِ،
وأنا وحدي معي،
كلما انتدبني الانتظارُ،
أبوحُ بلعنتي على وقتٍ لم يتوخى الدِّقةِ في الاختيارِ،
فلاقاه القرارُ،
وماتْ برابعةِ النَّهارِ البهيم..
3/
وأنا
–ولا أتعوذُ من وساوسي لأنها تعرفُني-
حين اضطجعتُ في بؤسي،
ما ضرني قُلتُ،
فالحالُ سيشدُّ الرِّحالَ إلى الجحيمِ،
بأيِّ حالٍ،
وأنا حين اضطجعتُ
–وأتعوذُ من وساوِسٍ تخصُني-
كُنتُ ألوكُ أسئلتي المُّرةَ،
وألوي نشيدَ العلمِ،
لأميلُ،
فأميلُ..
ويميلُ الوطءُ جهةَ الشمالِ،
والوطنُ يخنقُني في اللحظةِ الأولى،
والخامسةِ،
والثالثةِ...
ولا أتدخلُ لأُصلحَ بينهما،
فيهزمُني،
ولا يلقى دماً بذاكِرةِ العُروقِ..
4/
سيان..
وأنا أتغطى الليلةَ بالسوءِ المُنحدرِ كُلّه،
أو بالسوءِ المُحتمِ،
أو بالسوءِ المحمومِ،
يتمطى العرقُ حتى يبلغَ مروحةَ الجسرِ،
واكتفي بالنواحِ،
على أيِّ حالٍ..
5/
موجوعٌ ومفجوعٌ،
وأذكرُ أني مِتُ،
فأفيقُ،
لأعدو إلى الموتِ،
فيضيقُ،
وأذكرُ بأن الإنسان،
والإنسانُ جاري،
هرولَ تحدوهُ نجدتي،
حين داهمتني بقيلولةٍ أتجرعُها:
هواجِسُ الموتى،
ولم أصرخْ،
فرّبتَ على كتفِ جارتِنا: بُثينةَ،
واحتوى ضحكتي التي كانت كناموسيةٍ بالحي،
تطردُ تململَ النُّعاسِ بالمخيلةِ،
وكانت تعجبني ذاكرتَهُ،
ويهدّهُ نزقي،
يمضي للصلاةِ والدُّعاءِ للميتِ المُقيمِ بجسدي،
فيما أحملُ فُرشاتي لألونَ الأرضَ بخطرفاتي الملتئمةِ،
ولم يكنْ الضوءُ يبتسمُ لنا،
لأننا كُنا حين يتجرأُ،
نطفئهُ من المذياعِ بنفخةٍ من فؤادِ: إسحق،
وهو للعلم كان يُدعى: إسحاق،
ولم يكنْ جارنا،
لكنه كان يقطنَ دارنا،
وواريناه بالتُّرابِ،
وكتبنا على شاهِدٍ بجوارِهِ:
كان ينزفَ من بينِهِ،
ومن فوقهِ:
طيبة..
فآثرنا له الرُّقادَ،
وانطلقَ منذه الرَّمادُ،
ليُغطي غِلظةَ المدينةِ: بالتحجرِ والتحسرِ النابِعِ من خارِطةِ الاختصار..
6/
وأنا لا أمضي خطوتين إلى جِواري،
لكن ظِلي يظلُّ بصحوِهِ المُريبِ،
يتبخترُ في الحائطِ القريبِ،
وحبيبتي..
لأنها لم تعدّ تآلفَ وجهي مثقوبَ المعنى،
بعثتْ إلى صفائي المُرتعِشِ،
بجُندٍ يُسفلِتونَ خرائبي،
ولأني لم أكنْ حينها بالجوارِ،
فألفتني بطي التوهانِ الأخيرِ بخاطِري،
فاصطففنا،
ولأن الصلاةَ لم تُجزْ بعدّ،
من لجنةِ المُصنفاتِ،
بمئذنةِ الضبابِ،
ارتوينا من نشيدٍ كان يتسكعَ بدمِ واحِدةٍ من المارةِ،
اللائي يُخلفنَ بالجُرحِ: وردتين،
فسكرتْ مِنا أحشاءٌ كانت تُطبطبُ على رأسِ الأحمقِ،
الذي كان يعتلي سُّدةَ أنفاسِنا،
فانتوينا حينها أن ننهرَهُ،
ونقتلعُ جذورَهُ الشريرةِ من جسدِ المدينةِ الداكِنِ،
وما انتهينا من صلاتنا،
لأننا توضينا بالتسويفِ،
وإلهنا كان يقرأ صحيفةَ أضواءِِ العبثِ،
ويحكُّ لحيتَهُ،
ويهتزُّ كرشهُ بكركرةٍ ثقيلةٍ،
على كاريكاتيرٍ يعبثُ بوجهِ الزاحِفِ،
ليدّك ليلَ المدينةِ،
ويشيعُ الغمام..
7/
لا أعني شيئاً حين أعنيه،
لأني أغطُ بموتي،
والمدينةُ سِرِّي الذي طوته جيوبُ الحكمةِ،
في أشباحي المُتسللة إلى حقيبةٍ تجثمُ بمحطاتٍ لن أرتادها..
ولأني انكسرتُ حتى الاعتدالِ فيّ،
فجاءتْ جِلستي خاطِفةً على كُرسي التهريج..
8/
القارِعةُ بابَ الفجيعةِ في ساعةٍ متأخِرةٍ من الانتباهِ،
تمضي إلى وِحدةٍ خفيةٍ في شِرعةِ الفواتِ،
تسعى للنّيلِ من سُباتِنا الأكيدِّ بنافِذةِ الخُروجِ من العتمةِ المُتناثِرةِ بمآتمِ الشمس..

9/
والأوراقُ التي عبث بعُذريتِها المِدادُ الغارِقُ في التلّونِ،
اشتبكتْ وبصيرةَ الغُبنِ الفاحِصةِ لارتداداتِ الضوءِ في المسامِ الكسيحةِ،
حتى الأصابِعُ استلقتْ بجفوةٍ بليدةٍ في بوتقةِ الرِّيحِ،
والمرايا أيدتْ شكلاً بلا شكلٍ يتخللهُ،
فانطلقتْ من سهوِ الاستعدالِ:
نفسٌ خفيضةٌ تداعبُ تفتق الزهرِ في شجرِ المدينة..
10/
لا أحسدني على حالٍ أحولٍ،
فعلى كُلِّ حالٍ حلّ الحالُ في المآلِ،
وابتدرتُ صاحبتي بأنفاسٍ خشبيةٍ خادِشةٍ،
حتى استندتْ إلى جُثتي المُلقاةِ في قميصِ الجِلدِ المُقددِ بالعاطِفةِ الرَّعناءِ،
ووزعنا على مدى زمنٍ يشحطُّ في دولابٍ يتغذى من الكُربونِ:
ابتساماتِنا المحشوةِ بالنعي والجُنون..
11/
لوَنتْ ابتسامتُكِ الخفيضةُ سِربَ جنوحي،
فتداعتْ أشتاتي للنّيلِ من شجرٍ يابِسٍ تفشى عطنُهُ الباهِتُ بفكري،
وما كُنا،
ولن نكُون...
12/
رميتُ جُثتي بأم درمانِ،
فتدفقتِ التفاصيلُ تترى،
فما نفعُ الصدى،
والمدى،
والبكاء..



توطئة مضافة:

((هل هكذا تنهالُ فوق هوائنا الممزوجِ،
أتراحٌ تصفدنا..
دمنا لا ليزيدّ صلابةِ الإسفلتِ،
أو يحمي ظِلَّ بلاطِكِ المحمومِ والمسمومِ يا ورطة..
فها قد قُدتم المغبونَ للحتفِ،
وما زلتم على حيفٍ،
إلى حيفٍ،
تمدون...



وتبقى أم درمانُ لوحةُ العذوبةِ، شريانُ الحياةِ، نبضُ الضحكةِ السمراءِ، شمسُ الرُّوح..

15/5/2008م



التوقيع: [align=center]الراجِلُ في غمامةٍ هارِبةْ[/align]
بله محمد الفاضل غير متصل   رد مع اقتباس