عرض مشاركة واحدة
قديم 10-12-2011, 10:59 AM   #[29]
عبد الجليل سليمان
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية عبد الجليل سليمان
 
افتراضي

بقلم: عبد الصمد الديالمي
المحددات


يستمر احتقار الأسود لأن أسود اليوم ما هو إلا ولد أو حفيد عبد الأمس. إنه العبد المعتوق (الحرطاني) الذي استفاد من عمل خيري، من حسنة قام بها مالكه. وسواء انحدرت حرية العبد من آلية العتق الفردية (الإسلامية)، الانتقائية، أو من المنع الإداري للرق أثناء الاستعمار، يظل الأسود حرطانيا في الذهنية المغربية السائدة، أي مواطنا من الدرجة الثانية، موضوع ازدراء واحتقار عليه أن يظل زبونا وخادما لأسياده البيض، وذلك طيلة حياته. فقبل المنع الإداري للرق من طرف الفرنسيين في العشرينيات من القرن الماضي، بل وبعده، يستمر العبد المعتوق، الحرطاني"، في القيام بدور العبد وبمهامه التقليدية. فتحريره لم يعن أبدا تحقيق استقلال اقتصادي، ومن ثم استمرار التبعية للسيد المالك "القديم"، وذلك رغم مزاولة بعض المهن الدنيئة مثل التسول والحمالة والحدادة… فالحرطانية ليست فقط وضعا فرديا من جراء اللون الأسود بصفته عيبا بنيانيا في الشخص، إنها ولا تزال وضعا طبقيا دنيئا. قليلون جدا هم الطلبة السود، سواء في الماضي أو في الحاضر، وقليلون جدا هم السود الذين ارتقوا إلى الطبقات الوسطى وإلى بعض مناصب السلطة والجاه. إلى حدود اليوم، لا زال السود المحررين في جنوب المغرب يسمون "إيسوكين" (باللهجة الأمازيغية)، والكلمة فيها شتم وسب، وتعني أولئك الذين كانوا يباعون في السوق. لنذكر هنا أن القضاء على الرق في المغرب لم يأخذ أبدا صيغة قانونية، وإنما اندثر تدريجيا بحكم منع الحماية الفرنسية لممارسته، وهو المنع الذي لم يرق أبدا إلى مستوى النص القانوني. أبدا لم تأت المبادرة من المغاربة أو من المغرب لأن في ذلك مخالفة واضحة للشريعة الإسلامية.

لم يعرف المغاربة من السود إلا العبيد، ومن ثم ترادف اندماجي بين الأسود والعبد: كان كل أسود في المغرب عبدا، خصوصا بعد أن قل عدد العبيد البيض في المغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إن المجتمع المغربي الإسلامي حوَّل السود الأفارقة بقوة السلاح أو المال إلى عبيد بالفعل. وليس في هذا المسار استثناء مغربيا خاصا، بل سلك المغرب، مجتمعا ودولة، مسلك الإمبراطوريات القوية. وطبعا، كان المجتمع المغربي منتجا لتبريرات إيديولوجية تجعل من استرقاق السود أمرا "طبيعيا".

فاللون الأسود مرتبط بأهل النار في المرجعية الإسلامية، ومرتبط بالشر، كما أن الله لم يرسل أنبياء سود. وقد تأثر المخيال الإسلامي الشعبي بما جاء في التوراة من أن السود أبناء حام، وهو أحد أبناء نوح. حسب هذه الأسطورة التي تسربت إلى المعتقد الإسلامي الشعبي، كان حام أبيضا ثم أصبح أسودا بسبب لعنة والده. ذلك أن حام رأى عورة والده نوح فضحك منها ولم يستحيي فلعنه نوح وطلب من الله أن يحوله إلى عبد لأخويه سام ويافت، فأصبح أسودا. من هنا، تم الربط بين اللون الأسود والعبودية بمعنى أن البشرة السوداء تحتم على صاحبها مصيرا اجتماعيا لا مناص منه، وهو أن يكون عبدا للأبيض.وقد وظفت هذه الأسطورة في كتيب مدرسي سنة 1911 في الكونغو من طرف راهبات حيث جعلن من لعنة حام سبب استعباد المسلمين للكونغوليين قبل مجيء بلجيكا ("لتحريرهم").

من جانب آخر، تعمل الصحافة المغربية، المرئية منها على وجه الخصوص، على نشر صورة كارثية عن إفريقيا جنوب الصحراء، عن إفريقيا السوداء. صورة تقدم إفريقيا كحلبة لحروب إثنية وطائفية لا تتوقف، وكفضاء للأمراض المعدية والمجاعة والفقر. ولا تعمل الصحافة على تقديم تفسير لهذا الوضع الكارثي من خلال ربطه بالعبودية (كنظام اقتصادي) وبالاستعمار وبالتبعية وبغياب الديمقراطية. لذلك يستمر المغربي المتوسط في جهل المجتمعات والثقافات الإفريقية وفي تفسير الكارثة الإفريقية بسواد بشرة ساكنيها، الملعونين إلى الأبد، وعلامة اللعنة سواد البشرة بالضبط. إنه التفسير الذي يفسر السواد بالسواد، والذي يستمر في اعتبار كل ما هو أسود شرا وسوء. واليوم، يشكل الإيدز الشر الأكبر، وهو أكثر تفشيا في إفريقيا السوداء، وهو ما يدعم الطرح العنصري عند المغربي المتوسط الذي لا يتردد في اعتبار ذلك التفشي تجسيدا للعنة الأبدية وللشر باعتباره جوهر السواد. كل ذلك يؤدي إلى الخوف من الإفريقي وإلى رفضه. بالإضافة إلى هذه العوامل الثقافية، لا بد من الإشارة إلى عامل سياسي يكمن في عدم اعتراف أغلبية الدول الإفريقية بمغربية الصحراء، وفي انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 بسبب اعترافها واعتراف الكثير من الدول الإفريقية ب"الجمهورية الصحراوية".

ثم إن الأسود الأجنبي في المغرب، سواء كان لاجئا سياسيا أو طالب لجوء سياسي أو مهاجر (اقتصادي) غير شرعي، يدرك كمنافس للمغربي في سوق العمل. ومعلوم أن نسبة البطالة مرتفعة في صفوف المغاربة أنفسهم، وفي صفوف حملة الشهادات العليا بالخصوص. فالمغاربة لا يفكرون في تكليف المهاجرين السود بالمهن "الدنيئة" لأنهم أصبحوا أنفسهم مستعدين للقيام بها رغم بياضهم ورغم شهاداتهم العليا. والواقع أن هذا العامل ما هو إلا مبرر وهمي، لأن معظم السود الأجانب في وضع لا يسمح لهم بمنافسة المغاربة في سوق الشغل من حيث الكفاءات والتكوين، لكن هذا شيء يجهله المغربي المتوسط.

من أهم العوامل التي تفسر العنصرية تجاه السود في المغرب أن السود يشكلون أقلية في المغرب، أقلية بالمعنى الإحصائي والسياسي. لذا، يتميز السود ككل أقلية بحظوظ أقل لبلوغ الموارد الاقتصادية والرمزية بالنظر إلى نعتهم أقلية بالضبط. فالبشرة السوداء علامة تجعل من صاحبها صاحب عاهة فيتم تهميشه وإقصاءه من المنافسة على بلوغ الموارد والسلطة. إن البشرة السوداء تصبح عاهة في ذاتها بغض النظر عن كونها مجرد اختلاف بيولوجي بالمقارنة مع الأغلبية البيضاء. ومما يعطي واقعية أكبر للسواد كعاهة أن السود أنفسهم يتبنون هويتهم الدونية الناقصة ويتقبلون آليات الهيمنة والاستغلال الملازمة لها. لا بد من وعي سياسي لكي تتحول العلامة المعيقة إلى هوية إيجابية يعتمدها "حاملوها" من أجل المطالبة بنفس الحقوق، أي بمواطنة كاملة. من مزايا مفهوم "الأقلية" التنبيه إلى عدم الوقوع في تعريف جوهري يجعل من السود مجموعة دونية في ذاتها وبذاتها بالنظر للسواد في ذاته وبذاته. فالأقلية علاقة اجتماعية بالأساس، بمعنى أنها تصدر عن علاقات سلطوية تراتبية تفرضها الأغلبية انطلاقا من تقديح علامة معينة مثل سواد البشرة أو الاتجاه الجنسي المثلي أو استهلاك المخدرات… لكن الأقليات ليست دائما أقليات إحصائية كما يتبين ذلك من مثال مجموعة النساء، فهؤلاء لسن أقلية إحصائية ويشكلن رغم ذلك أقلية، بالمعنى العلائقي، أي بالنسبة للرجال كمجموعة شمولية، "عادية"، سائدة. من مزايا الطرح العلائقي أنه يبين نسبية مفهوم الأقلية، ويؤكد أن الأقلية إنتاج تاريخي واجتماعي يعكس علاقات قوة وهيمنة، ويعطي الأمل في إمكان تجاوز الأقلية كمجموعة مسودة في إطار ديمقراطي حقيقي.



التوقيع: [frame="3 80"]
لا تسير خلفي، فقد لا أكون مرشداً لك.

ولا تسير أمامي، فقد لا أتقبل أن أكون تابعاً لك.

بل سر بجانبي، كيما أراك، ونكون متساويين أيضاً.

( حكمة الهنود الحمر)
[/frame]
عبد الجليل سليمان غير متصل   رد مع اقتباس