عرض مشاركة واحدة
قديم 14-12-2011, 07:57 AM   #[1]
قيس شحاتة
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي الدوش .. في ذكرى رحيله

ما مِن شاعر مثل الراحل عمر الطيّب الدوش، استطاع أن يجعل الشِّعرَ فارس القضية الذي يرمي سهامه فتُصيب، ويستنطق الأحرف والكلمات فتتداعى وتستجيب؛ سهلةً وبليغةً ونافذة، تصوِّر الفجيعة فتُحسن تصويرها، وترسم المأساة فتُجيد رسمها، وتمثّل الواقع؛ مسرح البؤس والشقاء والزيف والنفاق والتناقض، فكأنّما شخوصه ورموزه هي التي نراها بيننا بتفاعلاتها وصراعها اللا نهائي، في صورةٍ ليس للأصل بدونها اكتمال.. تصويراً لمشاهد ومواقف وتفاصيل مألوفة، بمفردات وتعابير غير مألوفة:
وانا جاي راجع منتهي
لاقتني هي
قالت تعال
كبرت كراعي من الفرح
نُص في الأرض
نص في النعال

...
وقد أعطى الحسُّ المسرحي الدافق، روحاً أخرى لقصائد الدوش، ومنحها هذه الحركة التي تضجُّ بها، وجعل في كل قصيدة منها مسرحاً مكتمل الأركان؛ تُلهب الخيالَ صوره، وتحكي تأويلاته ورمزية إشاراته عن عبقرية الإيحاء وعمق الفكرة وقوّة الإلهام.. لتمنح القلب ارتواءً من فيض التأمّل وتشغفه ظمأً بما تبثّه فيه من ألق وافتتان ودهشة وجمال...
تاجوج بتحلب من غيوم كسلا المطر
وتوزِّع القش والشدر
بتفرِّق الهم والكدر
حفيانه تجري ورا السراب
تاجوج بتكتب بالحراب
تاجوج بتكتب بالشمال
بترتِّق التوب والنعال
وتمرق الهم الموكَّر
في قلوب كل الرجال
تاجوج سؤال
تاجوج خيال

...
* فلئِن كانت (تاجوج) عند (المحلَّق) حبيبةً تهبَه من حسنها وحياً للغناء ومن فتنتها سحراً يسلب عقله وقلبه، فهي بـ(ريشة) الدوش، الفكرة العذراء التي تُلهم الناس السلوى واليقين والبهاء وبراءة الأحلام، وتبثُّ في الأفئدة والأرواح والضمائر، سرّ الحياة وقدسية الإلفة ورحابة الحب وقيم الخير، في رمزية بديعة وعبارات وديعة.
* ولأن الدوش كان مسكوناً بمعاني الإنسانية وفضائل الحق وأفكار الثورة والحرية، فقد كانت نبرة القصيد عندهُ ثائرةً في هتافها وصارخةً في بوْحِها، لا تهِن ولا تهدأ ولا تستكين، بل تظلُّ دوماً في تأهُّبٍ وعنادٍ وكبرياء.. تطارد حلمه ببلاده التي يتمناها، فتأتي كلماته أوجاعاً وشكوى وبكاءً على الوطن الحلم، ونقوشاً على جدار محنته المريرة ، وأبوابِ بيوته الفقيرة ، وتقاسيم أحزانه الكبيرة...
واسأل...
عن وطن رايح
وادّيكم خبر جارح
بأنُّو جميع جموع الناس
حيفضلوا لا كراع لا راس
ونشتري في الدكاكين يومي
مسابح من دموع الناس
مساحيق من هموم الناس
زهَج..
يتعبّا في الأكياس
ونعلن في المزاد علناً..
وترغي الجوقه والأجراس
نبيع الطفله والكراس
واصرخ...
يا وطن يا بيتنا..!
ليه ما تبقى لينا الساس؟!!

...
** أيها الدوش..!
إنه زمانٌ ليس للخيول فيه صهيل، وليس للأجنحة فيه تحليق، وليس للغيوم فيه هطول.. فقد أسكت (سوط) الفقر والانكسار، (صوت) الحياة ونداء الحرية وانطلاق الحق، في النفوس والرؤوس..
ومضت الأيام، ترفل في حريرها، غير عابئةٍ بأنّات الحيارى وجراح المُعذَّبين وأوجاع البؤساء.. وقد غرُبَت شمس الحقيقة إيذاناً بقدوم خفافيش الظلام.. وتساوَى في ناظِرَيْنا مشهد الفجر الوضِيء وملمح الليل الحالك.. إذ لم يعُد يصطخب في سكون الدواخل وهدأة المداخل، إلا الزعيق والنعيق والهُراء..!





قيس شحاتة غير متصل   رد مع اقتباس