عزيزي أسامة الطيّب
تحيّاتي
أنا فيني ميزة طفولية جدًا، وهذا حق وإلهك الكريم، فإنني أغضب بسرعة وأثور وقابل للاستفزاز، وليس بيدي أن أتحكّم في هذه المسألة رغم محاولاتي المُستمية والجادة في السيطرة على هذه العاطفة، لاسيما في النقاشات الجادة والحسّاسة، وفي الوقت ذاته، فإن كلمة واحدة طيّبة، حتى وإن كانت مُستشعرة وليست مُدركة فإنها تزيل عني كل الغضب في لحظة. لقد أراحتني مُقدمتك التي بدأت بها مُداخلتك الأخيرة، ووهبتي روحًا جديدة، للنقاش والحوار معك.
أولًا: لو أن أحدًا قرأ مقالًا لي انتقد فيه فصاحة القرآن وبلاغته، ووجد في المقال أخطاءً إملائية ونحوية، فإن ذلك سوف يكون بالنسبة إليه مدعاةً إلى عدم التصديق بما أقول، فليس من المنطقي أن يقوم شخص غير مُتمكن من اللغة بنقد قرآن يظن بأنه أكثر الكُتب العربية فصاحة؛ هذا الأمر أظنه صحيحًا إلى حد كبير، ولكنه ليس مُبررًا، لأننا في النهاية بشر، والبشر قد يقعون في أخطاء كتابية سواء لجهل أو لتعجّل أو حتى أخطاء طباعية، كأن أضعط على حرف مكان حرف آخر.
ثانيًا: الكتابة ليست كالقراءة، فالكاتب قد يُخطئ وقد يسهو، ولكن القارئ، ولاسيما العارف أو المُلم ببعض وقواعد اللغة السليمة فإنه يكون حساسًا جدًا تجاه بعض الأخطاء التي تواجهه عند القراءة، أنا مثلًا، لدي حساسية شديدة تجاه الأخطاء الإملائية التي أجدها في بعض الروايات التي أقرأها، رغم أنني على علم بأنني أحيانًا كثيرة أقع في ذات الأخطاء أو بعض منها أثناء الكتابة.
ثالثًا: أخطاء التذكير والتأنيث، ربما تكون سهلة وتافهة بالنسبة لكلامنا نحن واستخداماتنا اليومية العادة، ودونك هذا البوست، فأنا عندما أمر عليه بقراءة سريعة أقف على أخطاء بشعة في مُداخلاتي، منها ما يتعلق برسم الكلمات، ومنها ما يتعلق بمسألة التأنيث والتذكير، ومنها ما يتعلق برسم الهمزات، ولكن لا يُمكن أن توجد هذه الأخطاء في كتاب إلهي أبدًا. وعلينا هنا أن نسأل أنفسنا: هل القرآن موحى به معنىً أم حرفًا، وهو السؤال الذي طرحته قبل عدد من الصفحات في هذا البوست، وكان بودي أن يُعيد عليّ أحدهم هذا السؤال، لأنه من الممكن فعلًا أن يكون الصحابة من كتبة الوحي قد أخطأوا في كتابة القرآن وإملائية، لأنهم في النهاية بشر، وقد يُخطئون، علمًا بأن هنالك مراجع تاريخية تُؤكد أن القرآن في أساسه، كُتب باللغة السريانية وليست العربية، ولكن هذه طريق وعرة لا أحب أن نخوض في مناقشته.
رابعًا: أنا لا أعتمد في نقدي لفكرة الإله الإسلامي فقط على مُجرد الأخطاء النحوية والصياغية، وصدقني أدلتي كثيرة جدًا، ولا تنس بأنني كنتُ مُسلمًا، ومن الصعب جدًا على المرء يا عزيزي أن يُغيّر عقيدته، وهو الأمر الذي أشار إليه أحد الأعضاء هنا، وربما كنتَ أنت من قال بذلك، فأنا لم أبن قناعتي بعدم صحة الديانة الإسلامية فقط على مُجرّد أخطاء متفرقة هنا وهناك، ولكن هل فعلًا يسمح لنا المجال هنا أن نناقش كل الأدلة والشواهد؟ لا طبعًا، وكذلك فإنني أعرف أن فكرة تقبل وجود أخطاء سواء لغوية أو تاريخية أو علمية أو حتى إملائية في القرآن هي فكرة صعبة لدرجة تبدو معها مُستحيلة، ولكن صدقني إن قرأت القرآن بتجرّد، مُحاولًا إقصاء فكرة القداسة عن ذهنك، فربما يتكشف لك الأمر. بالمُناسبة، هل كلمة (رحمة) تكتب بتاء مفتوحة أم تاء مربوطة؟ ففبعض الآيات كُتبت الكلمة بتاء مفتوحة.
خامسًا: فكرة أن أحدًا من العرب لم يعترض على القرآن وعلى لغته فكرة ليست دقيقة، ولقد كررتُ ذكر هذا الأمر أكثر من مرة في بعض مُداخلاتي، ولا أدري لماذا تتجاهل كلامي عنه في كل مرّة، وكأني لم أقل؟ فقط اسأل نفسك: لماذا كان الأعراب أشد اعتراضًا على دعوة الرسول رغم أنهم أكثر العرب كفاءة في الحُكم على فصاحة القرآن وبلاغته؟ هذا السؤال قد يكون مفتاحًا لأبواب كثيرة، في بحثك؛ إن أردت البحث. المشكلة التي أشعر بها في هذا النقاش، أن البعض هنا يتناقش معي بلا رغبة حقيقية للمعرفة، فهو يتناقش من موقع أنه يجلس بأردافه على الحقيقة، وينظر إلى محاوره بشفقة أو سخرية أو حتى استغراب، فطالما اعتقدتَ أنك تملك الحقيقة، فلن تواتيك الرغبة الحقيقة في البحث، وهذه مشكلة في حد ذاتها، فلماذا لا تقرر البحث، ربما يزداد يقينك بما تؤمن به.
سادسًا: أنا الآن بحوزتي آية قرآنية تذكر أن اسم والد إبراهيم (آزر) ولدي تفسير لابن عباس حبر الأُمة يُؤكد فيه بأن والد إبراهيم ليس آزر وإنما (تارح)، ومسألة لماذا لم يُنبه ابن عباس الرسول لذلك فهي مسألة لا علم لي بها، وأنت كمؤمن من يتوجب عليها البحث فيها، ولكن الواضح بالنسبة إليّ هو أن ابن عباس على حق، وذلك لأن ما هو مذكور في عند أهل الكتاب موافق لرأيه، وطالما ظل الاسم الخاطئ في القرآن، فإن الراجح عندي أن خطأ الاسم لم يكتشفه ابن عباس إلا بعد موت الرسول، هذا تعليلي، ولكن يظل الأمر مُناطًا بك أنت كمُسلم، فليس هذا واجبي على الإطلاق
سابعًا: فكرة أن يحتاج القرآن الإلهي البليغ الفصيح إلى تفسير مُفسرين بشريين هو في رأيي طعن واضح في فصاحة القرآن، وعدم تمكن المُفسرين على الاتفاق حول تفسير آية واحدة منه يزيد لديّ هذه القناعة، فالإله الخالق يجب أن يكون كلامه واضحًا ولا يحتاج إلى تفسير، وإن استعصى عليّ وعليك فهمه لأننا لا نملك من علوم اللغة ما يؤهلنا لذلك، فكان يجب ألا يستعصي على علماء اللغة، ولكن الواضح أنهم مختلفون دائمًا حول تفسير كل الآيات، أفلا يدلنا ذلك على شيء؟
ثامنًا: قلتُ إنني لا أعتمد في نقدي للإله الإسلامي فقط على مسألة التذكير والتأنيث، فما هذه إلا جزئية صغيرة جدًا في عنوان رئيسي واحد فقط (القرآن)، ومازالت أمامنا محاور أخرى (الحديث النبوي) و (السيرة النبوية)، فلا تستعجل الأمر. ولكن فقط قل لي: هل يجوز للمسلم غير العربي (غير الناطق بالعربية) أن يُصلي ويُؤدي شعائره الدينية الأخرى بلغته الأم؟ أن يقرأ القرآن بلغته الأم في صلاته مثلًا؟
|