الأمر كما أصوّره هو كأن تأتي لشخص وتقول له: "إنك لستَ ابن أبيك زيد" فيغضب ويثور ويعتقد بأنك تتهمه في شرفه وشرف أمه. وكلّما حاولتَ أن تقول شيئًا عن هذا الأب فإنه يغضب (وهو غضب مشروع طبعًا لأنه يعتقد بأن هذا الرجل هو أبوه فعلًا) ولكنه في الوقت ذاته لا يعطي لنفسه فرصة أن يذهب ويبحث ويتأكد من هذا الادعاء، فربما كان هذا الشخص صادقًا فيما يقوله. بالتأكيد أن هذا الشخص لديه أب، ولكن لماذا بالضرورة يجب أن يكون هو زيد وليس عمرو مثلًا؟ هل لأن هنالك شبهًا كبيرًا بينه وبين من يعتقد أنه أبوه؟ كُلنا يعرف أن الشبه لا يُمكن أن يكون حجة رغم أنه فعلًا قد يبدو كذلك، ولكن كم من أشخاص لا علاقة لهم ببعضهم البعض، ويكون الشبه بينهما كبيرًا لدرجة أننا قد نعتقد أنهما أخوان أو أقارب، وهنالك شبه قريب جدًا لدرجة يُستغل فيها هذا الشبه في بعض الأغراض، ونعرف حيلة الشبيه التي استخدمها صدام حسين مثلًا وبعض الرموز الأخرى. إذن فحجة الشبه أو حتى حجة التشابه في الطباع وبعض العادات قد لا يُمكن اعتباره دليلًا دامغًا على صحّة الأبوة والنسب. قديمًا لم يكن هنالك وسيلة يُمكننا بها التعرف على صحة مثل هذا الإدعاء، ولكن اليوم بإمكاننا استخدام أسلوب "علمي" لا يُمكن تكذيبه أو الطعن فيه، ببساطة أجر فحصًا للحمض النووي واكتشف النتيجة بنفسك، وبعضنا أجرى هذا الفحص، ولكنه لا يمتلك الجرأة على الاعتراف بنتيجة هذا الفحص، لماذا؟ لأنه ارتبط عاطفيًا ووجدانيًا بهذا الرجل منذ طفولته، وهذا الارتباط قد أسهم على مدار سنوات حياته في تشكيل وعيه وشخصيته، فيكون الاعتراف بصحة هذا الادعاء كأن من هويته وتاريخه، وهو أمر غاية في الصعوبة والتقبّل، فهو في كل مرّة يظل مأسورًا إلى هذه العاطفة العمياء، والإحساس بالامتنان لهذا الرجل، وهذه العاطفة تجعله يغمض عينيه عن الحقيقة، ويطعن حتى في نتيجة هذا الفحص العلمي: ربما كان هنالك خطأ ما، ربما أخطأ عمّال المختبر وتقنيوه، ربما وربما وربما وربما، أو حتى أنه قد يقول: حتى وإن كان هذا الشخص ليس أبي، فماذا تفيدني هذه المعرفة الآن؟ هو الذي رباني، وهو الذي علمني، وهو الذي صرف علي حتى تخرجت من الجامعة، فحتى وإن لم يكن أبي فأنا ممتن له. وهذا هو خياره الشخصي طبعًا
التعديل الأخير تم بواسطة هشام آدم ; 25-12-2012 الساعة 04:49 AM.
|