01-12-2005, 11:32 AM
|
#[6]
|
|
:: كــاتب نشــط::
|
[align=center] كي لا يستيقظ النمل - رواية -الأستاذ على الرفاعي
(1)[/align]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
(1)
أَصْوَاتُ الكُعُوْبِ العَالِيَةِ فِى مَطَارِ (هِيثْرُو) : كَعْ .. طَقْ .. طَرَقْ .. كَعْ ؛ وكَأَنَّهَا تَقُوْلُ لَهُ إِنَّكَ غَرِيْبٌ ؛ وَإنَّ صَاحِبَاتِ هَذِهِ الكُعُوْبِ لايَشْعُرْنَ بِوُجُوْدِكَ ؛ لأَنَّكَ لاتُؤَثِّرُ فِى مَسِيْرَةِ الكَوْنِ .. تَمَاماً كَمَا لاتُغَيِّرُ قِطْعَةُ قُمَاشٍ مُتَّسِخَةً مَصِيْرَ الكَوْنِ ؛ حَتَّى وَإِنْ صَارَتْ نَظِيْفَةً) . وَلَكِنَّ القُمَاشَ فِى حَدِّ ذَاتِهِ كَانَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِى حَيَاةِ النَّاسِ ؛ وَلَوِ انْعَدَمَ القُمَاشُ الآنَ لَتَغَيَّرَتْ مَعَالِمُ الكَوْنِ . لَكِنَّهُ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَكُنْ يَأْبَهُ بِالكَوْنِ وَلابِمَصِيْرِهِ ؛ وَهُوَ الَّذِى يَكْرَهُ الزِّحَامَ وَيَقُوْلُ لأَصْدِقَائِهِ أَنَا لاأَخَافُ مِنْ أَعْمَالِى الدُّنْيَوِيَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ ـ وإِنَّ ذُنُوْبِى فِى الدُّنْيَا لَكَثِيْرَةٌ خَطِيْرَةٌ ـ بِقَدْرِ مَا أَخْشَى الزِّحَامَ الَّذِى يَكُوْنُ فِى ذَاْكَ اليَوْمِ ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنِى عَائِبٌ أَمَامَ اللَّهِ ؛ إِذْ أَعْلَمُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ؛ وَأَنَا جُزْءٌ مِنْ شَىْءٍ) . لَكِنَّهُ السَّفَرُ الَّذِى يُعَلِّمُ الإِنْسَانَ كُلَّ شَىْءٍ ؛ حَتَّى عَدَمَ الخَوْفِ مِنَ الأَمَاكِنِ المُزْدَحِمَةِ . فَهَاهُوَ الَّذِى وُلِدَ فِى الشِّتَاءِ ؛ وَأَهْلُ (قُوْزْ قُرَافِى)(1) يَقُوْلُوْنَ إِنَّ الَّذِى يُوْلَدُ والرِّيْحُ تَهُبُّ مِنَ الشِّمَالِ ؛ يَنْشَأُ كَثِيْرَ الأَسْفَارِ مُحِبّاً لَهَا ؛ هَاهُوَ قَدْ بَلَغَ أَقْصَى الشِّمَالِ فِى زَعْمِ ـــــــــــــ
(1) تُنْطَقُ القَافُ جِيْماً مِصْرِيَّةً ؛ كَنُطْقِ الحَرْفِ G فِى كَلِمَةِ Goat الإِنْجِلِيْزِيَّة . (المُؤَلِّف)
أَهْلِ (قُوْزْ قُرَافِى) ؛ حَيْثُ لِلكَعْبِ العَالِى أَعْلَى مَقَامٍ . أَكَانَتْ (كَاترِيْن دِى موتيشى) عِنْدَمَا اخْتَرَعَتِ الكَعْبَ العَالِى ؛ تَرْمِى إِلَى غَايَةٍ أَسْمَى مِنْ صَوْتِهِ؟ أَتُرَاهَا كَانَتْ تَرْمِى إِلَى المَعَانِى الَّتِى تُوَدِِّيْهَا كَلِمَاتٌ عَالِيَةٌ تُحْدِثُ ذَاْكَ الصَّوْتَ؟ بِالطَّبْعِ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُنَا يُفَكِّرُ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا القَبِيْلِ ؛ حِيْنَ قَدَّمَ أَوْرَاقَ سَفَرِهِ إِلَى مُوَظَّفَةِ الجَوَازَاتِ .وَلَمَّا رَآهَا امْرَأَةً طَوِيْلَهً كَانْطِلاقَةِ صَوْتِ صَفَّارَةِ (1) الإِنْذَارِ ؛ أَدْرَكَ أَنَّ حَيَاتَهُ العَزِيْزَة فِى خَطَر . لَكِنَّهَا حِيْنَ تَحَدَّثَتِ الإِنْجِلِيْزِيَّةَ بِطَرِيْقَةٍ تُرَطِّبُ الأَعْصَابَ المُجْهَدَةَ ؛ قَالَ فِى نَفْسِهِ : "لُغَتُنَا لُغَةٌ لَعَّانَةٌ .. لُغَتُنَا تَلْعَنُ أَبْنَاءَهَا النَّاطِقِيْنَ بَغَيْرِهَا ؛ وتَلْعَنُ النَّاطِقِيْنَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَبْنَائِهَا . لَقَدْ فَرَّقْتَ العَرَبَ يَاأَيُّهَا الظَّرِبَانُ ؛ لأَنَّكَ حَيَوَانٌ عَرَبِى .. اللَّهُ مِنْ بِلادِ غُرْبَةٍ لايُوْجَدُ فِيْهَا ظَرِبَانٌ وَاحِدٌ .. آهـ .. المَأْسَاةُ فِى الوَطَنِ العَرَبِىِّ أَكْبَرُ مِنَ الإِنْسَانِ العَرَبِى .. آهـ .. مَا هَذَا التَّنَاقُضُ فِى حَيَاةِ المُوَاطِنِ العَرَبِىِّ؟ فَالتِّرْحَالُ مَكْتُوْبٌ عَلَى جِبَاهِ العَرَبِ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ الحَيَاةَ ؛ وَالحَيَاةُ مَخْلُوْقَةٌ قَبْلَ التِّرْحَالِ!"
ـــــــــــ
(1) كَلِمَةُ (صَفَّارَة) بِفَتْحِ الصَّادِ والفَاءِ المَفْتُوْحَةِ المُشَدَّدَةِ ولَيْسَ صَافِرَة ؛ هِىَ الأَصْوَبُ ؛ خِلافاً لِمَا شَاعَ فِى هَذِهِ الأَيَّام . رَاجِعْ مَادَّةَ (صَفَر) بِالمُعْجَمِ الوَسِيْطِ والمُنْجِدِ فِى اللُّغَةِ والأَعْلام ؛ ومَادَّةَ (الصُّفْرَة) بِالقَامُوْسِ المُحِيْط . (المُؤَلِّف) .
يَاإِلَهِى! هَاهُنَا عَالَمٌ يُصَفِّقُ لِلجَمَالِ ؛ والأَشْيَاءُ الجَمِيْلَةُ لاتَصِيْرُ قَبِيْحَةً إِلاَّ إِذَا نُظِرَ إِلَى أَجْمَلَ مِنْهَا ؛ أَوْ تَمَكَّنَ القُبْحُ مِنْ نَفْسِ نَاظِرِهَا . هَلْ صَارَتْ حَقَائِبُ سَفَرِهِ قَبِيْحَةً؟ عِنْدَمَا نَظَرَ إِلَى حَقَائِبِ سَفَرِهِ ؛ خُيِّلَ إِلِيْهِ أَنَّهَا تَفْغَرُ أَفْوَاهَهَا بِبَلَهٍ ، بَلْ بِسُخْرِيَّة ؛ وَكَأَنَّهَا فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَسْخَرُ مِنْ كُلِّ مَطَارَاتِ الأَرْضِ ... كَأَنَّهَا تَسْخَرُ مِنَ السَّفَرِ ، بَلْ تَسْخَرُ مِنْهُ ؛ فَقَدْ أَصْبَحَ هُوَ نَفْسُهُ جُزْءاً مِنَ السَّفَرِ ؛ أَوْ كَمَا خُيِّلَ إِلَيْهِ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ ؛ أَصْبَحَ السَّفَرُ جُزْءاً مِنْهُ ... كَأَنَّ كِلَيْهِمَا قَدْ أَصْبَحَ جُزْءاً مِنَ الآخَرِ ... كَأَنَّ السَّفَرَ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَسْتَغِيْثُ بِكُلِّ أَجْدَادِهِ ـ الصَّالِحِيْنَ مِنْهُمْ وَالطَّالِحِيْنَ ـ لِيُمَنْطِقَ وُجُوْدَهُ فِى مَطَارِ (هِيثْرُو) ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ طِيْبَةِ أَهْلِهِ فِى قُوْزْ قُرَافِى . آهـ .. لِمَاذَا تَذَكَّرَ قُوْزْ قُرَافِى فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ ؛ وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِىٍّ وَثِيْرٍ بِصَالَةِ المَطَارِ؟ وَلِمَاذَا تَذَكَّرَ عَمَّهُ (تَبيْقَ)(1) بِالتَّحْدِيْدِ سَاعَةَ وَدَاعِهِ لَهُ ، عِنْدَ سَفَرِهِ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى؟ لَقَدْ كَانَ عَمُّهُ (تَبيْقُ) يَضَعُ فِى تِلْكَ السَّاعَةِ عَلَى عَيْنَيْهِ نَظَّارَةً سَوْدَاءَ ؛ وفِى كُرْسِيِّهِ الوَثِيْرِ بِصَالَةِ مَطَارِ هِيثْرُو قَالَ صَاحِبُنَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :"لَعَلَّ عَمِّى تَبيْقَ قَدْ أَرادَ بِذَلِكَ أَنْ يُخْفِىَ العَيْنَ ـ وهِىَ السَّلِيْمَة ـ الَّتِى رَأَتْ فِى الدُّنْيَا وَمِنْ أَهْلِهَا ؛ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ .. لَعَلَّهُ قَدْ أَشْفَقَ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا أَنْ يَنْظُرُوا فِيْهَا قَرْناً وَزِيَادَةً مِنَ الحَوَادِثِ . أَوْ رُبَّمَا ـــــــــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1) .
قَدْ أَرَادَ أَنْ يُقْنِعَ هَذِهِ العَيْنَ بِأَنَّهَا قَدْ رَأَتْ مَايَكْفِى ؛ ولاتَحْتَاجُ إِلَى مَزِيْدٍ؛ وَأَنَّ فِى الدُّنْيَا أَعْيُناً سِوَاهَا تُرِيْدُ أَنْ تَرَى بَعْضَ مَارَأَتْ . آهـ .. رُبَّمَا أَرَادَ عَمِّى تَبيْقُ أَنْ يَقُوْلَ لِلنَّاسِ ؛ إِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُوْجَدُ فِى الدُّنْيَا مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَى" . مَرَّةً أُخْرَى ؛ لِمَاذَا تَذَكَّرَ صَاحِبُنَا ـ وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِىٍّ وَثِيْرٍ بِصَالَةِ مَطَارِ هِيثْرُو ـ قُوْزْ قُرَافِى فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ؟ لعَلَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الحِكَايَةِ الَّتِى حَكَاهَا لَهُ المَنُوْفَلِى ؛ فَقَدْ كَانَ ـ كَمَا ذَكَرَ لَهُ ـ يَسْتَلْطِفُ الخَوَاجَةَ (بَاتْرِيْك) الَّذِى جَاءَ لِيَقِفَ عَلَى سِرِّ مَقَابِرِ قُوْزْ قُرَافِى (جَبَّانَة تُوْر القُوْز)(1) ؛ بَعْدَ المَعْرَكَةِ الَّتِى دَارَتْ بَيْنَ قَبْرِ(عَوَض وَدْ كُرَاع الفَرْوَة) وَبَعْضِ المَقَابِرِ وَسُلطَاتِ (مَرَوِىْ) . لَقَدْ كَانَ (بَاتْرِيْك) عَالِماً فِى الآثَارِ؛ وَكَانَا يَشْرَبَانِ مَعاً (المَرِيْسَةَ) ؛ ذَاْكَ المَشْرُوْبَ المُسْكِرَ المُتَّخَذَ مِنَ التَّمْر . وَفِى لَيْلَةٍ مُتْرَعَةٍ بِالقَمَرِ جَلَسَا مَعاً عَلَى الرِّمَالِ النَّاصَعَةِ وَبَيْنَهُمَا جَرَّةٌ كَبِيْرَةٌ مِنَ الفَخَّارِ لَهَا كَرْشٌ كَبِيْرَةٌ وَفَمٌ وَاسِعٌ ؛ تَفْخَرُ بِِمَا فِى دَاخِلِهَا مِنَ (المَرِيْسَة) ؛ وَقَدْ خَطَرَ النَّسِيْمُ تِيْهاً . فَمَا كَانَ مِنْ بَاتْرِيْك إِلاَّ أَنْ أَحْضَرَ غِطَاءَ جُمْجُمَةٍ بَشَرِيَّةٍ يُشْبِهُ قَرْعَةً صَغِيْرَةً ؛ قَالَ إِنَّ عُمُرَهُ يَزِيْدُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلافِ عَامٍ ؛ وَأَخَذَا يَشْرَبَانِ بِهِ المَرِيْسَةَ وَيَضَعَانَهُ لِيَعُوْمَ عَلَى سَطْحِهَا ؛ ثُمَّ ذهَبَا ـ وَهُمَا يَتَرَنَّحَانِ مِنَ السُّكْرِ ـ وَبَالا بِإِسْهَابٍ وَمُتْعَةٍ عَلَى بَعْضِ مَقَابِرِ جَبَّانَةِ (تُورْ القُوْز) . وَفِى ـــــــــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1)
نَفْسِهِ قَالَ صَاحِبُنَا حِيْنَ حَكَى لَهُ المَنُوْفَلِى الحِكَايَةَ: "لَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَكَ يَاالمَنُوْفَلِى" ؛ لَكِنَّ العَبْرَةَ خَنَقَتْهُ فِى مَطَارِ هِيثْرُو ؛ وَوَجَدَ نَفْسَهُ يََقُوْلُ بِصَوْتٍ مَسْمُوْعٍ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى وَلِلمَنُوْفَلِى ؛ فَكُلُّنَا ذُنُوْبٌ يَخْجَلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ .. تُرَى أَيْنَ هُوَ بَاتْرِيْك ذَاْكَ الآن؟ .. آهـ .. أَسَفِى عَلِيْكَ يَاحَسُّوْن وَدّ النُّعْمَان ؛ فَلا أَحَدَ يَعْرِفُ هَؤُلاءِ القَوْمَ أَكْثَرَ مِنْكَ ؛ وَلاشَىْءَ يَعْرِفُ الوَرَقَ مِثْلُ الحِبْرِ" .
لَقَدْ جَاءَ حَسُّوْنٌ إِلَى (لنْدنَ) قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيْلَةٍ ؛ أَصْبَحَتْ ضَبَاباً مِثْلَ ضَبَابِ (لنْدن) ... جَاءَهَا حِيْنَ كَانَ يَافِعاً كَشَجَرَةِ لَيْمُوْنٍ شَابَّةٍ عَلَى جُرْفِ النِّيْلِ ؛ وَثِمَارُ اللَّيْمُوْنِ أَبَداً مُرَّة .. إِنَّهَا مَرَارَةٌ تَسْكُنُ وِجْدَانَهُ .. مَرَارَةٌ يُحِسُّهَا هُوَ وَلايَلْحَظُهَا الآخَرُوْنَ . وَلَعَلَّهُ ـ حَسُّوْن ـ وَهُوَ السَّاخِرُ مِثْلُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ قَدْ تَسَاءَلَ مَرَّةً :"هَلْ ذَاقَتْ شَجَرَةُ اللَّيْمُوْنِ يَوْماً ثِمَارَهَا؟" وَلَعَلَّهُ أَجَابَ نَفْسَهُ :"لَوْ فَعَلَتْ شَجَرَةُ اللَّيْمُوْنِ ذَلِكَ ؛ لَشَمِتَتْ بِالنَّاسِ ، وَلأَكْثَرَتْ مِنْ ثِمَارِهَا" . حَسُّوْنٌ حَكَى لِصَاحِبِنَا هَذَا عَنْ أَوَّلِ سَفَرٍ لَهُ إِلَى لنْدن ؛ فَقَالَ لَهُ :
ـ (حِيْنَ وَقَفْتُ أَمَامَ مُوَظَّفِ الجَمَارِكِ سَأَلَنِى عَمَّا بِدَاخِلِ حَقَائِبِى ؛ فَقُلْتُ لَهُ : ـ (حَقَائِبُنَا يَاضَابِطَ الجَمَارِكِ لَيْسَتْ فِيْهَا مَمْنُوْعَات .. المَمْنُوْعَاتُ الوَحِيْدَةُ ـ بِالنِّسْبَةِ لَكُمْ ـ هِىَ المُصْحَفُ ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ الحُسْنَى؛ الَّتِى لَيْسَ مِنْ بَيْنِهَا ـ كَمَا حَفَّظُوْنَا فِى المَدَارِسِ ـ اسْمُ المُنْعِمِ) .
نَظَرَ إِلَىَّ مُوَظَّفُ الجَمَارِكِ مَلِيّاً ؛ ثُمَّ خَاطَبَنِى بِخُبْثٍ :
ـ (يَبْدُو أَنَّكَ عَبْدٌ فَصِيْح ) .
ضَحِكْتُ ؛ وَقُلْتُ لَهُ :
ـ (لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِيْمَا مَضَى . لَقَدْ كُنْتُ عَبْداً ؛ لأَنَّنِى لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مَعْنَى السِّيَادَة ) .
فَنَظَرَ فِى وَجْهِى بِحَذَقٍ ؛ وَسَأَلَنِى :
ـ (أَتَقْصِدُ أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ مَعْنَى العُبُوْدِيَّةِ ؛ بَعْدَ أَنْ ذُقْتَ وَيْلَهَا؟)
فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِسُرْعَةٍ :
ـ (بَلْ أَقْصِدُ المَعْنَيَيْنِ مَعاً) .
وَفِى سِرِّى قُلْتُ لَهُ : " لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الوَاقِفِ أَمَامكَ يَعْتَبِرُوْنَ فِئَةً مِنْ مُوَاطِنِيْهِمْ عَبِيْداً لَهُمْ ؛ بَلْ يَزْعَمُوْنَ مِلْكِيَّتَهُمْ لَهُمْ ؛ لَعِشْتَ الشِّقَّ الآخَرَ مِنْ مَأْسَاتِى ؛ وَلَصِرْتَ سَاخِراً مِثْلِى" .
كُنْتُ أَقُوْلُ ذَلِكَ فِى سِرِّى ؛ وَفَجْأَةً وَجَدْتُ نَفْسِى أَقُوْلُ لَهُ بِصْوَتٍ وَاثِقٍ : ـ (يَا سَيِّدِى : كُلُّ شَىْءٍ ـ حَتَّى العُبُوْدِيَّة ـ نِسْبِىٌّ ) .
وَكَأَنَّ المَلْعُوْنَ قَدْ حَدَسَ مَاكُنْتُ أُفَكِّرُ فِيْهِ ؛ فَضَحِكَ وهُوَ يَضَعُ العَلامَاتِ عَلَى حَقَائِبِى ؛ دُوْنَ أَنْ يُفَتِّشَ مَابِدَاخِلِهَا . لَقَدْ كَانَ أَظْرَفَ أَبْيَضَ قَابَلْتُهُ ؛ وَلاشَكَّ أَنَّهُمْ يَضَعُوْنَ أَمْثَالَهُ فِى نِقَاطِ الدُّخُوْلِ لِيُعْطُوا الانْطِبَاعَ لِمَا بِالدَّاخِلِ . وَحِيْنَ أَوْلَيْتُهُ حُفْرَةَ قَفَائِى ؛ سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ لِزَمِيْلٍ لَهٍ :
ـ (يَاإِلَهِى! أَيُمْكِنُ أَنْ يَمْلِكَ هَذَا العَبْدُ كُلَّ هَذَا القَدْرِ مِنَ الذَّكَاءِ؟)
فَيَرُدَّ عَلَيْهِ زَمِيْلُهُ :
ـ (لَوْ كَانَ كُلُّ العَبِيْدِ فِى ذَكَاءِ هَذَا العَبْدِ ؛ لَكَانُوا اسْتَعْمَرُوا بِرِيْطَانيَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَعْمِرَهُمْ ) .
فَحَمِدْتُ اللَّهَ فِى سِرِّى عَلَى أَنَّنِى قَدْ أَرْغَمْتُهُمَا عَلَى الاعْتِرَافِ بِأَنَّ العَبْدَ قَدْ يَمْلِكُ شَيْئاً ثَمِيْناً كَالذَّكَاءِ . ثُمَّ أَرْدَفَ حَسُّوْن وَدّ النُّعْمَان :
ـ(لَقَدْ بَكَيْتُ عِنْدَمَا فَارَقْتُ قُوْزْ قُرَافِى ؛ وَعِنْدَمَا وَصَلْتُ لنْدن لَمْ أَفْرَحْ . بَيْنَ لنْدَن وَقُوْزْ قُرَافِى تَعِيْشُ خَلائِقُ أَكْثَرُ فَقْراً فِى عُقُوْلِهَا وَفِى عَوَاطِفِهَا مَنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ إِلاَّ أَنَّنِى لَمْ أَرَ فِى حَيَاتِى أَفْقَرَ مِنْ إِنْسَانِ لنْدن ؛ فَجُمْجُمَتُهُ أَفْرَغُ مِنْ جَيْبِ أَفْقَرِ إِنْسَانٍ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى .. مَزَارِعٌ بَسِيْط ٌ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى يَسْتَوْعِبُ الحَيَاةَ ؛ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَوْعِبُهَا عَالِمٌ فِى لنْدنَ مُنْقَطِعٌ فِى مَعْمَلِهِ) . هَكَذاجَاءَ حَسُّوْن وَدّ النُّعْمَان إِلَى لنْدنَ ؛ وَبَعْدهُ بِسَنَوَاتٍ جَاءَ عِبيْد وَدّ النُّوْر إِلَى مَطَارِ هِيثْرُو . لَقَدْ سَافَرَ عِبيْدٌ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى فِى زَمَنِ الشِّتَاءِ .. فِى الفَصْلِ الَّذِى يَضَعُ فِيْهِ الوِزُّ فِى قُوْزْ قُرَافِى بَيْضَهُ
|
|
|
|
|