الموضوع
:
كي لا يستيقظ النمل - رواية - على الرفاعي
عرض مشاركة واحدة
01-12-2005, 11:44 AM
#[
23
]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
..فَصْلِ الخِصْبِ وَالتَّكَاثُرِ . لَقَدْ كَانَ عِبيْدٌ كَثِيْراً مَايُرَدِّدُ أَمَامَ أَصْدِقَائِهِ القَلِيْلِيْنَ أَصلاً : (فَصْلُ الشِّتَاءِ هُوَ الفَصْلُ الَّذِى يُوْلَدُ فِيْهِ العَبَاقِرَةُ ؛ وَلَكِنْ لِسُوْءِ حَظِّ البَشَرِيَّةِ فَقَدْ وُلِدْتُ فِى عِزِّ الصَّيْفِ .. فِى الشَّهْرِ الَّذِى قَتَلَ فِيْهِ السُّحَائِى جَدِّى) .
لَقَدْ مَاتَ حَسُّوْنٌ وَمَاتَ عِبيْدٌ ؛ وَفِى كُرْسِىٍّ وَثِيْرٍ بِصَالَةِ مَطَارِ هِيثْرُو ؛ مَاتَتْ فِى صَاحِبِنَا كُلُّ رَغْبَةٍ فِى اسْتِدْعَاءِ المَاضِى جَمِيْعِهِ ؛ فَنَظَرَ إِلَى الحَاضِرِ .. نَظَرَ إِلَى الخَوَاجَةِ الجَالِسِ فِى مُوَاجَهَتِهِ وَقَالَ مُخَاطِباً إِيَّاهُ ؛ وَلَكِنْ فِى سِرِّهِ :"آآآهـ ... مَأْسَاتِى أَكْبَرُ مِنْ مِسَاحَةِ أَفْرِيْقيَا .. مِحْنَتِى أَضْعَافُ حَجْمِ الوَطَنِ العَرَبِى .. آآهـ ... لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الخَوَاجَةُ ؛ لَكِنَّكَ كَتِمْثَالٍ مِنَ الشَّمْعِ مِثْلُ كُلِّ بَنِى جِلْدَتِكَ ...أَنْتَ مِثْلُهُمْ ؛ لاتَتَفَاعَلُ وَلاتُحِسُّ ولاتَنْفَعِل" . سَهَا صَاحِبُنَا بَعِيْداً صَارِفاً نَظَرَهُ عَنِ الخَوَاجَة ؛ وَتَثَاءَبَ حِيْنَ هَجَمَ عَلَيْهِ التَّثَاؤُبُ . وَحِيْنَ خَطَفَ نَظْرَةً إِلَى الخَوَاجَةِ المُوَاجِهِ لَهُ ؛ رَآهُ يَتَثَاءَبُ وَقَدْ غَارَتْ مِنَ التَّثَاؤُبِ عَيْنَاهُ فِى رَأْسِهِ .. لَقَدْ تَثَاءَبَ الخَوَاجَةُ حَتَّى بَانَتْ لَهَاتُهُ . حِيْنَذَاكَ ضَحِكَ صَاحِبُنَا حَتَّى تَشَقَّقَ وَجْهُهُ ؛ وَقَدْ أَدْرَكَ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ أَصْلَ الإِنْسَانِ وَاحِدٌ ؛ وَفِى نَفْسِهِ قَالَ :"يَاأَهْلَ لنْدن : دُعَاءٌ مِنْ أَهْلِى ؛ أَنْفَعُ لِى مِنْ حَجَّةٍ فِى دِيَارِكُمْ" . وَحِيْنَ أَطْرَقَ قَلِيْلاً إِلَى الأَرْضِ ؛ سَمِعَ نَفْسَهُ تُخَاطِبُ ذَاْكَ الخَوَاجَةَ المُوَاجِهَ لَهُ بِصَمْتٍ صَادِقٍ : "آآهـ .. يَاجَلِيْسِى : أَنَا مِنْ أَفْرِيْقيَا .. أَنَا مِنْ غَابَةٍ أُخْرَى ؛ وَالآبَنُوْسُ فِى غَابَتِهِ عَزِيْز .. الآبَنُوْسُ ـ لأَنَّهُ فِى مَنَابِتِهِ مَنِيْع ـ يُبَاهِى بِلَوْنِهِ بَقِيَّةَ أَشْجَارِ الغَابَة . يَاجَلِيْسِى : أَنَا أَنْبُتُ فِى بَلَدِى كَأَشْجَارِ الآبَنُوْس ؛ أَنَا مِنْ أَرْضِ الضَّحِكِ وَالرَّقْصِ والكُجُوْر. يَاجَلِيْسِى :جُرْحِى كَبِيْر .. أَكْبَرُ مِنْ أَىِّ سِكِّيْن.. جُرْحِى عَمِيْق ... أَعْمَقُ مِنْ نَهْرِ السِّيْن .. جُرْحِى قَدِيْم .. أَقْدَمُ مِنْ طُوْرِ سِيْنِيْن . لَكِنَّنِى يَاجَلِيْسِى ؛ مَازِلْتُ أَعْطِفُ كَثِيْراً عَلَى كُلِّ السَّكَاكِيْن .. يَاجَلِيْسِى : أَنَا لاأَخْشَى أَمْوَاجَ نَهْرِ السِّيْن .. أَنَا مَازِلْتُ أَجِدُ فِى حَلْقِى دَوْماً طَعْمَ التِّيْن . ذَلِكَ لأَنَّنِى قَدْ تَصَالَحْتُ مَعَ جُرْحِى .. عَامَلْتُهُ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَن . أَهْلِى يَاجَلِيْسِى يَقُوْلُوْنَ إِنَّ مُعَامَلَةَ الأَسَدِ بِالحُسْنَى ؛ تَجْعَلُكَ تَسْتَطِيْعُ أَنْ تَقْلَعَ شَعَرَاتٍ مِنْ شَارِبِه ؛ وهُوَ لَكَ مُسْتَكِيْن .. تَمَاماً كَمَا قَلَعَ أَجْدَادُكَ مِنْ بَلَدِى أَشْجَارَ الآبَنُوْس ، وأَحْرَقُوا غَابَاتِه ؛ ولَكِنْ لَيْسَ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَن .. بِالَّتِى هِىَ أَسْوَأ . وهَذَا هُوَ سِرُّ كَرَاهِيَّتِنَا لَكُمْ ؛ أوْ هُوَ عَلَى الأَقَلِّ سِرُّ كَرَاهِيَّةِ أَهْلِ قُوْزْ قُرافِى لَكُمْ فَرْداً فَرْداً . آآهـ .. يَاجَلِيْسِى ؛ يَاخَوَاجَةَ السُّوْء : أَنَا لَسْتُ مِنْ غَابَتِكُم ... أَنَا مِنْ غَابَةٍ بَعِيْدَة ... غَابَةٍ أُخْرَى" .
أَتُرَى مَنْظَرَ فَأْرٍ فِى لنْدنَ مِنَ المَنَاظِرِ الجَمِيْلَةِ المُحَبَّبَةِ إِلَى النُّفُوْس؟ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ مَالَمْ يَكُنْ يُفَكِّرُ فِيْهِ صَاحِبُنَا ؛ لَكِنَّهُ حِيْنَ رَأْى فَأْراً يَجْلِسُ فِى صَالَةِ مَطَارِ هِيثْرُو هَادِئاً مُطْمَئِنّاً رَغْمَ الحَرَكَةِ وَالضَّجِيْجِ ؛ أَدْرَكَ أَنَّ كُلَّ شَىْءٍ قَدْ وَصَلَ إِلَى نِهَايَتِهِ . إِلاَّ أَنَّ هَذَا لَمْ يَمْنَعْهُ أَنَّ يَقُوْلَ فِى نَفْسِهِ :"هَذَا الفَأْرُ مَعْذُوْرٌ ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِانْهِيَارِ سَدِّ مَأْرِب .. لأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ لَمْ يَقْرَأْ تَارِيْخَ أَجْدَادِهِ .. الإِنْسَانُ وَحْدُهُ هُوَ الَّذِى يَعْرِفُ تَارِيْخَ أَسْلافِهِ . عُمُوْماً ؛ لَقَدْ تَسَبَّبَ انْهِيَارُ سَدِّ مَأْرِبٍ فِى هَدْمِ ثَوَابِتَ كَثِيْرَةٍ فِى نَفْسِ الإِنْسَانِ العَرَبِى . يَاإِلَهِى! أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ الإِنْسَانُ العَرَبِىُّ المُعَاصِرُ مَعْذُوْراً مِثْلَ هَذَا الفَأْر؟ هَلْ هُنَالِكَ فَرْقٌ فِى التَّفْكِيْرِ ؛ بَيْنَ فَأْرٍ عَرَبِىٍّ وَآخَرَ إنْجِلِيْزِى؟ أَمْ أَنَّ كِلَيْهِمَا لايُفَكِّرُ؟ لَوْ أَنْطَقَ اللَّهُ ـ عَظُمَتْ قُدْرَتُهُ ـ هَذَا الفَأْرَ وَسَأَلْتَهُ عَنْ جِنْسِيَّتِهِ ؛ لَقَالَ لَكَ بِلا تَرَدُّدٍ : ( أَنَا عَرَبِىٌّ ؛ إِلاَّ أَنَّ فِى فَمِى لِسَاناً غَيْرَ لِسَانَ العَرَبِ ) . وَلأَضَافَ قَائِلاً وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ
مَابَقِىَ مِنْ عُمُرِ الدُّنْيَا يُمَكِّنُنَا مِنَ الرُّجُوْعِ إِلَى أَجْحَارِنَا ؛ وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ بِشَرِّهِ المُسْتَطِيْرِ يَحُوْلُ بَيْنَنَا وبَيْنَ الزَّمَنِ المُتَبَقِى مِنْ عُمْرِ الدُّنْيَا .. الإِنْسَانُ يَغْتَالُ الزَّمَنَ المُتَبَقِى مِنْ عُمْرِ الدُّنْيَا ؛ فَيَحُوْلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَجْحَارِنَا ) . أَتُرَى أَهْلَ لنْدنَ كُلَّهُمْ ؛ أوْ بَعْضَهُمْ عَلَى الأَقَلِّ ؛ عَلَى شَاكِلَةِ هَذَا الفَأْر؟ عَلَى كُلٍّ ؛ فَإِنَّ فَأْرَ اليَوْمِ يُمْكِنُ أَنْ يُصَادَ بِنَفْسِ الوَسَائِلِ الَّتِى صِيْدَ بِهَا أَجْدَادُهُ قَبْلَ آلافِ السِّنِيْنَ . أَتُرَى أَصْبَحَ عَقْلُ الإِنْسَانِ مِثْلَ عَقْلِ الفَأْر؟ عَلَى كُلٍّ ؛ لَوْ شَاهَدَ أَحَدُ مُوَظَّفِى هَذِهِ الصَّالَةِ هَذَا الفَأْرَ ؛ لأََقْسَمَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَمْتِعَةِ أَحَدِ القَادِمِيْنَ مِنْ دَوْلَةٍ مِنْ دُوَلِ العَالَمِ المُتَخَلِّفِ . فَهَذَا الفَأْرُ ـ فِى رَأْيِهِ ـ يُشْبِهُ فِئْرَانَ البِلادِ الَّتِى تَمُوْتُ شُعُوْبُهَا بِأَمْرَاضِ سُوْءِ التَّغْذِيَةِ؛ بَيْنَمَا يَبْنِى حُكَّامُهَا وَبِطَانَاتُهُمْ كَنَائِفَ بُيُوْتِهِمْ بِالمَرْمَرِ والمَرْجَانِ!" كَانَ صَاحِبُنَا يَبْدُو فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَظُفْرٍ مَخْلُوْعٍ وَسْطَ أَظْفَارِ يَدٍ كَامِلَةِ نُمُوِّ الأَظْفَارِ .. كَانَ يَبْدُو كَإِنْسَانٍ غَادَرَهُ الزَّمَنُ .. كَإِنْسَانٍ قَدْ أُفْرِغَ مِنَ الزَّمَنِ تَمَاماً .. إِحْسَاسُهُ كَانَ إِحْسَاسَ شُرْطِىِّ مُرُوْرٍ يُؤَدِّى وَاجِبَهُ لَيْلاً ؛ عِنْدَ مَدْخَلِ مَدِيْنَةٍ عَدِيْمَةِ الأَخْلاقِ . وَحِيْنَ كَانَ يَمُرُّ بِشَوَارِعِ لنْدنَ ؛ كَانَ يَقُوْلُ فِى سِرِّهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى بُيُوْتِ المَدِيْنَةِ :"مَا أَكْلَحَ أَلْوَانَ نَوَافِذِ هَذِهِ البُيُوْت! أَلْوَانُ هَذِهِ النَّوَافِذِ كَالِحَة ؛ تَمَاماً كَحَيَاةِ سَاكِنِى هَذِهِ البُيُوْتِ . حَسَنَاتُ أَهْلِ هَذِهِ المَدِيْنَةِ مُجْتَمِعِيْنَ ؛ تَقِلُّ كَثِيْراً عَنْ حَسَنَاتِ أَفْسَقِ رَجُلٍ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى . آهـ .. المَوْجَةُ الَّتِى صَعَدَتْ بِحَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان إِلَى السَّطْحِ هِىَ نَفْسُ المَوْجَةِ الَّتِى نَزَلَتْ بِأَهْلِ أُوْرُوْبَا إِلَى القَاعِ ؛ حَتَّى غَدَا الفَأْرُ يَجْلِسُ مُطْمَئِنّاً فِى صَالَةِ اسْتِقْبَالِ مَطَارٍ مِنْ أَكْبَرِ مَطَارَاتِهَا" . لَقَدْ أَحَسَّ صَاحِبُنَا أَنَّهُ قَدْ بَدَأَ يَتَجَمَّدُ شَيْئاً فَشَيْئاً مِنْ شِدَّةِ البَرْدِ ؛ بَلْ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ (البَنْزِيْنَ) قَدْ تَجَمَّدَ بِالفِعْلِ فِى خَزَّانَاتِ وَقُوْدِ السَّيَّارَاتِ ؛ وَأَنَّ النَّاسَ لايَبْدُوْنَ فِى الشَّوَارِعِ كَبَشَرٍ ؛ بَلْ كَحَالَةٍ مُنَاخِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ .. كَجُزْءٍ مِنْ طَبِيْعَةِ بِلادِهِمْ . هَذَا ؛ فِيْمَا يَظَلُّ خَطُّ الاسْتِوَاءِ لاكَشَىْءٍ يَرْتَجِفُ مِنَ البَرْدِ فَحَسْب ؛ بَلْ أيْضاً ؛ كَكَلِمَةٍ شَاذَّةٍ وَسْطَ كَلِمَاتٍ مُتَشَابِهَةِ المَعْنَى فِى قَائِمَةٍ وَاحِدَةٍ . وحِيْنَ دَخَلَ بَيْتَ ؛ أَوْ قُلْ قَصْرَ؛ الخَوَاجِيَّة (جُوْهَانَا رِيْد Johana Raid) ؛ الَّتِى هِىَ أَيْضاً (لَيْلَى عِبيْد) ؛ فِى قَلْبِ لنْدنَ ؛ تَذَكَّرَ قَوْلَهُ لِنَفْسِهِ يَوْمَ مَقْدَمِ الخَوَاجِيَّةِ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى قَبْلَ ذَلِكَ بِسَنَوَاتٍ كَثِيْرَةٍ ؛ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى زُنْبُوْرٍ يَبْنِى بَيْتاً لَهُ فِى مَنْزِلِ عَمِّهِ النُّعْمَان :"هَذَا الزُّنْبُوْرُ يَمْلِكُ فِى الدُّنْيَا مَالاتَمْلِكُ هَذِهِ الخَوَاجِيَّة .. هَذِهِ امْرَأَةٌ لابَيْتَ لَهَا فِى الدُّنْيَا ؛ جَاءَتْ تَبْحَثُ عَنْ بَيْتٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى" . لَعَلَّهُ الآنَ قَدْ ضَحِكَ مِنْ أَفْكَارِهِ الفَطِيْرَةِ تِلْكَ ؛ وَقَالَ فِى نَفْسِهِ :"النَّاسُ يَبْنُوْنَ بُيُوْتَهُمْ فِى الدُّنْيَا ؛ وَلَيْلَى عِبيْد بَنَتِ الدُّنْيَا فِى بَيْتِهَا" . وَحِيْنَ هَدَأَتْ نَفْسُهُ قَلِيْلاً مِنْ عَنَاءِ السَّفَرِ ؛ تَذَكَّرَ صَاحِبُنَا ذَاكَ الزُّنْبُوْرَ مَرَّةً أُخْرَى ؛ فَقَالَ فِى نَفْسِهِ :"عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ بَعْضُ أَهْلِ الدُّنْيَا مِثْلُ ذَاكَ الزُّنْبُوْرِ ؛ يَبْنِى أَحَدُهُمْ بَيْتَهُ فِى الدُّنْيَا فَلايَسْكُنُهُ ؛ أَوْ هُوَ يَسْكُنُ سِوَاهُ ؛ وَلَكِنْ فِى غَيْرِ الدُّنْيَا!" ثُمِّ أَخَذَ يُفَكِّرُ مُتَسَائِلاً :"يَاإلَهِى! هَلْ هُنَالِكَ مَخْلُوْقٌ غَيْرُ الزُّنْبُوْرِ لايَسْكُنُ بَيْتَهُ؟ هَلْ هُنَالِكَ مَخْلُوْقٌ مِثْلُ الزُّنْبُوْرِالَّذِى يَضَعُ فِى بَيْتِهِ بَيْضَهُ وَغِذَاءَ صِغَارِهِ عِندَمَا يَفْقِسُ عَنْهُمُ البَيْضُ؟" وَفَجْأَةً قَالَ فِى نَفْسِهِ :"اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْكُنُوْنَ بُيُوْتَهُمْ فِىالدُّنْيَا". وَلَكِنْ أَتُرَى إِنْ قَدِّرَ لِذَاكَ الزُّنْبُوْرِ أَنْ يَكُوْنَ حَيّاً ؛ أَيَجِدُ ـ أَوْ أَحَدُ أَحْفَادِهِ ـ حَائِطاً يَبْنِى عَلَيْهِ فِى لنْدنَ بَيْتاً؟ تِلْكَ قِصًّةٌ أُخْرَى .
وَلَكِنْ مَاالَّذِى جَاءَ بِصَاحِبِنَا (المَأْمُوْن) إِلَى لنْدنَ عَبْرَ مَطَارِ هِيثْرُو (Heathrow)؟ تِلْكَ رِوَايَةٌ (دِرَامِيَّةٌ) طَوِيْلَةٌ ؛ يُمَثِّلُ المَامُوْنُ دَوْراً فِى فَصْلٍ مِنْ فُصُوْلِهَا .
(2)
مَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ ؛ فَإِنَّ خَالِد وَدّ البَاشْكَاتِب لَمْ يَنْسَ مََاقَالَهُ لأَصْدِقَائِهِ ؛ حِيْنَ اجْتَمَعُوا يَحُثُّوْنَهُ عَلَى الزَّوَاجِ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهِ العُمُرُ
مَأْسَاتُنَا يَاسَادَة ؛ أَنَّ بَنَاتِ قُوْزْ قُرَافِى أَقْبَحُ كَثِيْراً مِنْ آبَائِهِنَّ) . فَتَرَكُوْهُ ؛ لإِيْمَانِهِمْ أَنَّ عَيْنَ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الجَمَالِ لَنْ تَمْتَلِىءَ أَبَداً ؛ وَأَنَّ جَمَالَ الصُّوْرَةِ لَيْسَ هُوَ الغَايَة ؛ وَأَنَّ هُنَالِكَ جَمَالاً فِى المَرْأَةِ يَفُوْقُ كَثِيْراً جَمَالَ الصُّوْرَةِ . كَمَا ـ أَيْضاً ـ لَمْ يَنْسَ وَدّالبَاشْكَاتِب سُؤَالَ عَمِّهِ تَبيْقَ لَهُ :
ـ (لِمَ لاتَتَزَوَّجُ يَاابْنِى وَقَدْ بَلَغْتَ هَذَا العُمُرَ ؛ وَأَعْطَاكَ اللَّهُ الصِّحَّةَ والمَالَ؟ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكَ ابْناً يَنْفَعُكَ) .
فَسَأَلَهُ وَدّالبَاشْكَاتِب بِدَوْرِهِ سُؤَالاً ؛ لَمْ يَجِدْ عَمُّهُ تَبيْقُ خَيْراً مِنَ السُّكُوْتِ إِجَابَةً عَنْهُ :
ـ (وهَلْ نَفَعْتُ أَنَا أَبِى؟)
غَيْرَ أَنَّ سُكُوْتَ عَمِّهِ تَبيْقَ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَنْ يَتَحَدَّثَ إِلَى نَفْسِهِ :"وَدّالبَاشْكَاتِب صَدَق .. وَدّالبَاشْكَاتِب لاأَحَدَ يَسْتَفِيْدُ مِنْهُ .. وَدّالبَاشْكَاتِب كَالبَقَرَةِ الَّتِى تَرْضَعُ نَفْسَهَا .. مِثْلُ هَذِهِ البَقَرَةِ الَّتِى لاتَنْفَعُ مَعَهَا حِيْلَةٌ ولايُصْلِحُهَا أَىُّ عِلاجٍ ؛ لاأَحَدَ يَسْتَفِيْدُ مِنْ لَبَنِهَا .. حَقِيْقَة لا يُوْجَدُ إِنْسَانٌ يَسْتَفِيْدُ مِنْ وَدّالبَاشْكَاتِب" . هَكَذَا تَحَدَّثَ تَبيْقُ مَعَ نَفْسِهِ عَنْ وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ الَّذِى كَانَ دَائِمَ القَوْلِ لأَصْدِقَائِهِ
لَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً حَتَّى أَسْتَأْصِلَ رِحِمَهَا ؛ ومَعَ ذَلِكَ أَخَافُ أَنْ تَحْبَلَ) . ولَكِنْ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَزوَّجَ وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ الَّذِى سَأَلَهُ أَصْدِقَاؤُهُ فِيْمَا بَعْدُ :
ـ (كَيْفَ وَجَدْتَ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّة؟)
هُوَ : (لَيْتَنِى كُنْتُ تُرَابا) .
هُمْ : (أَتَقْصِدُ أَنَّكَ قَدْ كَفَرْتَ بِالحَيَاةِ الزَّوْجِيَّة؟)
هُوَ : (كُنْتُ فِيْمَا مَضَى ـ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ ـ أَشُمُّ رَائِحَةَ عُزُوْبَتِى تَنْبَعِثُ مِنْ نَظْرَاتِ النَّاسِ إِلَىَّ ؛ حِيْنَ أَرَى المَأْذُوْنَ يَحْمِلُ حَقِيْبَةَ أَوْرَاقِهِ لِعَقْدِ قِرَانِ أَحَدِهِمْ ؛ أَمَّا الآنَ فَقَدْ صِرْتُ حِيْنَ أَرَى المَأْذُوْنَ ؛ أَجِدُ فِى حَلْقِى عَلْقَمَ حَسْرَتِى . مُصِيْبَتِى أَنَّنِى قَدْ ظَلَلْتُ طِوَالَ عُمْرِى قَبْلَ الزَّوَاجِ ؛ أَبْحَثُ عَنْ مَوَاطِنِ الجَمَالِ فِى الإِنْسَانِ ؛ لَكِنَّ امْرَأَتِى هَذِهِ ـ لابَارَكَ اللَّهُ فِيْهَا ، وَلافِى وَالِدَيْهَا ، وَلافِى مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهَا ـ أَرَتْنِى أَقْبَحَ مَايُمْكِنُ أَنْ يُوْجَدَ فِى الإِنْسَانِ) .
هُمْ : (اِحْمَدِ اللَّهَ ؛ فَأَنْتَ الآنَ أَبٌ) .
هُوَ : (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لايُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوْهٍ سِوَاهُ . حَقِيْقَة الزَّوَاجُ وَرْطَة .. الزَّوَاجُ شَرٌّ لابُدَّ مِنْهِ) .
لَمْ يَنْسَ وَدّالبَاشْكَاتِب كُلَّ ذَلِكَ ؛ وَقَدْ جَاءَ كَعَادَتِهِ وَرَأْسُهُ حَاسِرٌ ؛ فِيْمَا تَرَكَ ـ كَعَادَتِهِ أَيْضاً ـ عِمَامَتَهُ تَتَدَلَّى عَلَى كَتِفَيْهِ ؛ وَتَرَكَ لِلنَّاسِ أَنْ يَفْهَمُوا أَمْرَيْنِ لاثَالِثَ لَهُمَا : أَنَّهُ يَمْلِكُ عِمَامَةً ؛ وَأَنَّهُ لايَطِيْقُ لَفَّ العِمَامَةِ حَوْلَ رَأْسِهِ ؛ أَوْ عَلَى الأَقْلِّ لايَعْتَبِرُهُ مَظْهَراً حَضَارِيّاً . لَقَدْ جَاءَ وَدّالبَاشْكَاتِب بِعِمَامَتِهِ المَرْمِيَّةِ عَلَى كَتِفَيْهِ وَصَوْتِهِ الغَلِيْظِ كَصَوْتِ ذَكَرِ الذُّبَابِ ؛ إِلَى المَدْرَسَةِ الأَوَّلِيَّةِ ؛ إِذِ اسْتَدْعَتْهُ نَاظِرَتُهَا بِسَبَبِ ضَعْفِ تَحْصِيْلِ ابْنَتِهِ لِلدُّرُوْسِ . وَقَدْ حَيَّرَهُ السُّكُوْنُ الكَثِيْفُ المُخَيِّمُ عَلَى المَدْرَسَةِ ؛ وَزَادَ عَجَبُهُ أَكْثَرَ حِيْنَ دَلَفَ إِلَى دَاخِلِ أَحَدِ الفُصُوْلِ ؛ الَّذِى جَلَسَ عَلَى كُرْسِىٍّ فِى آخِرِهِ مُفَتِّشُ التَّعْلِيْمِ نَائِماً ؛ وَقَدْ سَقَطَ رَأْسُهُ عَلَى كَرْشِهِ الضَّخْمَةِ ؛ وَشَفَتَاهُ تَبْدُوَانِ وَكَأَنَّ بَسْمَةً كَانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ تَرْتَسِمَ عَلَيْهِمَا ؛ قَدْ غَيَّرَتْ رَأْيَهَا فِى آخِرِ لَحْظَةٍ دُوْنَ أَنْ تُخْطِرَهُمَا . وَعَلَى مِنْضَدَةٍ أَمَامَ الفَصْلِ وَجَدَ كُرَّاسَةَ تَحْضِيْرِ إِحْدَى المُعَلِّمَاتِ ؛ مَفْتُوْحَةً عَلَى إِحْدَى الصَّفَحَاتِ المَمْلُؤَةِ بِخَطٍّ كَنَمْلٍ عَلَى عَظْمٍ ؛ بَيْنَمَا الصَّغِيْرَاتُ قَدْ نُمْنَ عَلَى أَدْرَاجِهِنَّ . هَذَا ؛ فِى حِيْنِ هَرْوَلَتِ المُعَلِّمَةُ فِى بِدَايَةِ هَذِهِ الحَالَةِ خَارِجَ الفَصْلِ ؛ الأَمْرُ الَّذِى يُفَسِّرُهُ عُثُوْرُ وَدّالبَاشْكَاتِب عَلَى إِحْدَى المُعِلِّمَاتِ مَلْقِيَّةً
التوقيع:
[align=center]
هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.
(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى خالد الحاج
زيارة موقع خالد الحاج المفضل
البحث عن المشاركات التي كتبها خالد الحاج