عرض مشاركة واحدة
قديم 01-12-2005, 11:48 AM   #[25]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

(اللَّعْنَ وَالشَّتْمَ ؛ بَلْ وَيُجْبِرُوْنَنَا عَلَيْهِمَا إِجْبَاراً؟ المُهِمُّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ شَائِكَةٌ .. بَحْرٌ ؛ ضَحْلُهُ لُجَجٌ تُضَيِّعُ العُمُرَ وَتُتْلِفُ العَقْلَ . وَلَكِنْ هَلْ صَدَقَ حاج عُثْمَان عُسْمَان) عِنْدَمَا رَمَى المَنُوْفَلِى بِتُهْمَةِ النَّجَاسَة؟ الَّذِى نَعْرِفُهُ أَنَّ حَاج عُسْمَان كَانَ يَتَحَاشَى الأَنْجَاسَ والنَّجَاسَاتِ وَأَمْكِنَتَهَا ؛ لِذَا فَقَدْ كَانَ يَجْلِسُ كَعَادَتِهِ دَاخِلَ المَسْجِدِ بُعَيْدَ صَلاةِ العَصْرِ ؛ وَقَدْ وَضَعَ عِمَامَتَهُ أَمَامَهُ عَلَى البُسُطِ النَّاعِمَةِ . وَحِيْنَ نَظَرَ إِلَى المِحْرَابِ رَأَى عَلَيْهِ شُرُوْخاً كَثِيْرَةً .. كَيْفَ لَمْ يُلاحِظْ هَذِهِ الشُّرُوْخَ مِنْ قَبْلُ؟ فَرَكَ عَيْنَيْهِ بِِِشِدَّةٍ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى ؛ فَرَأَى شَرْخاً وَاحِداً عَمِيْقاً بِطُوْلِ المِحْرَابِ .. نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ كَمَنْ جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ ؛ وَحِيْنَ وَقَفَ أَمَامَ المِحْرَابِ تَمَاماً لَمْ يَجِدْ شَرْخاً البَتَّة . وَحِيْنَ رَجَعَ وَجَلَسَ وَرَاءَ عِمَامَتِهِِ وَتَحَسَّسَ رَأْسَهُ بِأَصَابِعَهِ (البُرُوْلِتَارِيَّةِ) فَوَجَدَهُ سَالِماً ؛ لَمْ يَعُدْ يَشُكُّ فِى أَنَّ الشَّرْخَ إِنَّمَا هُوَ فِى قَلْبِهِ . لَكِنَّهُ لَمْ يَدْرِ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِمْ طَافَ بِذِهْنِهِ مَنْظَرُ ذَاْكَ الأَعْرَابِىِّ؟ فَقَدْ وَقَفَ الأَعْرَابِىُّ بَعْدَ صَلاةِ أَحْدِ الجُمَعِ وَأَيْدِى المُصَلِّيْنَ قَدْ رُفِعَتْ بِالدُّعَاءِ ؛ لِيَقُوْلَ لَهُمْ بِنَبْرَةٍ جَهَدَ أَنْ يَحُدَّ فِيْهَا مِنْ جَلافَةِ أَهْلِ البَادِيَةِ يَاجَمَاعَة الخيْر: اسْأَلُوا لِى اللَّه أَنْ يَرُدَّ عَلَىَّ بَعِيْرِى الضَّائِع) . فَقَالَ لَهُ المُصَلُّوْنَ بِصَوْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ؛ لَعَلَّهُ الَّذِى أَحْدَثَ هَذَا الشَّرْخَ : (لارَدَّ اللَّه عَلَيْك بَعِيْرَك يَاأَعْرَابِى) . لَكِنَّ الَّذِى لَمْ يَكُنْ حَاج عُسْمَان يَعْلَمُهُ ؛ هُوَ أَنَّ ذَاْكَ الأَعْرَابِىَّ رُبَّمَا أَدْرَكَ فِى ذَاْكَ الوَقْتِ أَنَّ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى مِمَّنْ لايُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ .. لَعَلَّهُ قَدْ ضَحِكَ فِى نَفْسِهِ ؛ فَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ طِيْلَةَ حَيَاتِهِ شَاةً ؛ نَاهِيْكَ عَنْ جَمَلٍ! رُبَّمَا كَانَ الضَّائِعُ مِنْهُ شَيئاً فِى نَفْسِهِ غَيْرَ البَعِيْرِ .. رُبَّمَا كَانَ إِيْمَانُهُ مَثَلاً . فِى جِلْسَتِهِ فِى المَسْجِدِ تِلْكَ ؛ رُبَّمَا تَسَاءَلَ حاج عُسْمَان فِى نَفْسِهِ ؛ وَقَدْ تَذَكَّرَ قِصَّةَ الأَعْرَابِىِّ ذَاْكَ :" أَتُرَى دُعَائِىَ غَيْرَ مُسْتَجَابٍ أَيْضاً؟" رُبَّمَا اخْتَلَطَتْ فِى ذِهْنِهِ هَذِهِ الصُّوْرَةُ بِصُوْرَةٍ أُخْرَى ؛ حِيْنَ أَلْقَى الإِمَامُ بِنَفْسِ هَذَا المَسْجِدِ خُطْبَةً فِى أَحَدِ أَيَّامِ الجُمَعِ ؛ جَاءَ فِيْهَا : (أَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ رَسُوْلاً) ؛ فَضَجَّ المَسْجِدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم) . وَوَاصَلَ الإِمَامُ فَلَمَّا رَأَى الرَّسُوْلُ عُمَرَ مُعْتَجِراً بِبُرْدَةٍ عِنْدَ سَاقِ شَجَرَةٍ) ؛ فَضَجَّ المَسْجِدُ مَرَّةً أُخْرَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّم) . فِى ذَاْكَ الوَقْتِ أَدْرَكَ حاج عُسْمَان أَنَّ قُلُوْبَ النَّاسِ لاهِيَةٌ عَنِ الصَّلاةِ ؛ وَازْدَادَتْ قَنَاعَتُهُ تِلْكَ رُسُوْخاً حِيْنَ قَرَأَ الإِمَامُ فِى الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ تِلْكَ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوْكَ قَائِماً) . لَقَدْ كَانَ حاج عُسْمَان قَائِماً فِى تِلْكَ الرَّكْعَةِ قَوْمَةً لايَحْتَجُّ عَلَيْهَا أَىُّ جُلُوْسٍ . وَلَكِنْ .. أَكَانَ الشَّرْخُ مَوْجُوْداً يَوْمَ صَلَّى أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى وَسَلَّمُوا عَلَى رَسُوْلِ كِسْرَى الفُرْسِ؟ حِيْنَ نَظَرَ حاج عُسْمَان إِلَى المِحْرَابِ مِنْ جَدِيْدٍ ؛ لَمْ يَرَ شَرْخاً وَاحِداً ؛ ذَلِكَ بِبَسَاطَةٍ شَدِيْدةٍ لأَنَّ مَسْجِدَ قُوْزْ قُرَافِى قَدْ بُنِىَ ـ عِنْدَ تَجْدِيْدِهِ ـ بِلا مِحْرَاب! لَكِنَّ حَاج عُسْمَان لَمْ يَصِلْ فِى شَأْنِ الشَّرْخِ إِلَى هَذَا التَّفْسِيْرِ الأَخِيْرِ ؛ فَقَدْ أَحَسَّ بِالصَّحْرَاءِ الكُبْرَى تَنْتَشِرُ فِى كُلِّ عُرُوْقِهِ؛ وَقَدْ سَقَطَ رَأْسُهُ عَلَى كَتِفِهِ الأَيْمَنِ؛ تَمَاماً كَمَا تَسْقُطُ البِذْرَةُ الفَاسِدَةُ عَلَى أَرْضٍ جَدِبَةٍ .
مِثْلَمَا سَقَطَ رَأْسُ حاج عُسْمَان عَلَى كَتِفِهِ الأَيْمَنِ ؛ فَقَدْ سَقَطَ الارْتِبَاكُ عَلَى النُّسْوَةِ المُجْتَمِعَاتِ فِى بَيْتِ عبدالعَاطِى.. لَقَدْ عَمَّتِ الفَوْضَى بَيْتَ عبدالعَاطِى؛ حِيْنَ سَقَطَتِ القَابِلَةُ جُثَّةً هَامِدَةً لاحَيَاةَ فِيْهَا سِوَى الشَّخِيْرِ الهَادِىءِ .. لَقَدْ سَقَطَتِ القَابِلَةُ جُثَّةً وَهِىَ تَطَّلِعُ بِمُهِمَّتِهَا ؛ مِمَّا فَرَطَ عِقْدَ النِّسَاءِ المُتَحَلِّقَاتِ حَوْلَهَا . لَكِنَّ رَبَاطَةَ جَأْشِ إِحْدَى النِّسَاءِ أَنْقَذَتِ المَوْقِفَ ؛ فَقَدْ وَاصَلَتْ تِلْكَ المَرْأَةُ ـ مِنْ غَيْرِ أَىِّ خِبْرَةٍ ـ عَمَلَ القَابِلَةِ ؛ وَأَوْلَدَتْ امْرَأَةَ عبدالعَاطِى الطَّوِيْلَةَ كَصَبْرِ الفَقِيْرِ المُعْدَمِ ؛ وَقَدِ اسْتَسْلَمَتْ عَلَى قَفَاهَا بِالسَّرِيْرِ ؛ بِنْتاً لالَبْسَ فِيْهَا ؛ تُصْدِرُ بِجَمِيْعِ أَنْحَاءِ لِسَانِهَا صُرَاخاً مُتَّصِلاً كَصُرَاخِ حَدْأَةٍ وَقَعَتْ فِى شَرَكٍ .. وَهَلْ هُنَالِكَ شَرَكٌ أَصْيَدُ مِنَ الدُّنْيَا؟!
لَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ البِنْتُ الحَدْأَةُ إِلَى الدُّنْيَا ؛ لاكَمَا جَاءَ بَشِيْر وَدّ الجُزُوْلِى إِلَى بَيْتِهِ ؛ بَعْدَ عَنَاءِ يَوْمٍ كَامِلٍ قَضَاهُ مَعَ أَهْلِ القَرْيَةِ المُجَاوِرَةِ لِمُسَاعَدَتِهِمْ فِى تَقْوِيَةِ جُسُوْرِهِمْ ؛ بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَتَانَةِ جُسُوْرِ قُوْزْ قُرَافِى . وَقَدْ ذَهِلَ حِيْنَ رَأَى ابْنَهُ الصَّغِيْرَ وَزَوْجَتَهُ مِسْك اليَمَن نَائِمَيْنِ فِى شَمْسِ الأَصِيْلِ . ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ بَهَائِمِهِ ؛ فَوَجَدَ حِمَارَتَهُ وَقَدِ ارْتَفَعَ غَطِيْطُهَا .. هِرَّتُهُ تَنَامُ عِنْدَ قَفَصِ الدَّجَاجِ ؛ الَّذِى تَدَلَّتْ رِقَابُهُ مِنْ شِدَّةِ النَّوْمِ .. كُلُّ شَىْءٍ فِى البَيْتِ نَائِمٌ. طَرَقَ بَابَ غُرْفَةِ ابْنِهِ مُبَارَك .. لاشَىْءَ سِِوَى الشَّخِيْر .. جَرَى كَالمَجْنُوْنِ فِى شَوَارِعِ القَرْيَةِ .. جَرَى مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ .. لاحَرَكَةَ .. لاصَوْتَ ؛ إِلاَّ الشَّخِيْر . هَذِهِ قَرْيَةٌ نَامَ إِنْسُهَا وَجِنُّهَا وَطَيْرُهَا وَحَيَوَانُهَا ؛ وفَقَط بَقِىَ صَوْتُ شَيْخِنَا وَدْ جَكُّوْم وَهُوَ يَتْلُوالقُرْآنَ بِنَبَرَاتِ صَوْتِهِ المُنَغَّمَةِ . جَرَى إِلَى بَيْتِ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ وَفِى طَرِيْقِهِ إِلَيْهِ لَقِيَهُ عَمُّهُ تَبيْقُ وَانْطَلَقَ فِى إِثْرِهِ . فِى دَاخِلِ البَيْتِ أَلْفَيَا حَاج النُّعْمَان نَائِماً عَلَى فَرْوَةِ الصَّلاةِ ؛ وَعَلَى عَنْقَرَيْبٍ(1) مُجَاوِرٍ
لَهُ تَرْقُدُ عَوَضِيَّة فِى حَالَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنَ النَّوْمِ. لَمْ يُضَيِّعَا دَقِيْقَةً وَاحِدَةً ؛ فَحَمَلا عَوَضِيَّة بِعَنْقَرَيْبِهَا إِلَى بَيْتِ بَشِيْرٍ ؛ ثُمَّ عَادَا وَوَضَعَا حَاج النُّعْمَان عَلَى عَنْقَرَيْبِهِ . وَحِيْنَ وَضَعَ بَشِيْرٌ رَاحَةَ يَدِهِ أَمَامَ مَنْخَرَىِّ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ دَاخَلَهُ السُّرُوْرُ لَمَّا أَحَسَّ بِالنَّفَسِ الحَارِّ المُنْتَظِمِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ؛ وَقَدْ أَحَسَّ بِالاطْمِئْنَانِ لَحْظَةَ وَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى رُسُغِهِ الأَيْمَنِ فَوَجَدَ نَبْضَهُ مُمْتَلِئاً . وحِيْنَ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى جَيْبِ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ عَثَرَ عَلَى حُزْمَةِ المَفَاتِيْحِ الكَبِيْرَةِ الَّتِى لاتُفَارِقُهُ ؛ فَأَخَذَهَا . لَقَدْ صَارَ بَشِيْرٌ كَالمَعْتُوْهِ وَهُوَ يُخْلِى البُيُوْتَ القَرِيْبَةَ مِنَ الجُسُوْرِ مِنْ أَهْلِهَا النَّائِمِيْنَ ؛ وَكَانَ عَمُّهُ النُّعْمَانُ وابْنَتُهُ عَوَضِيَّة أَوَّلَ مِنْ أُجْلِىَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ البُيُوْتِ ؛ حَيْثُ حُمِلا إِلَى بَيْتِ بَشِيْرٍ . لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ وَقْتٌ لِمَعْرِفَةِ السَّبَبِ ؛ فَالحَدَثُ أَكْبَرُ مِنَ السَّبَبِ مَهْمَا كَانَ ؛ وَالسَّمَاءُ قَدْ تَلَبَّدَتْ بِالسُّحُبِ فَجْأَةً وأَخَذَ الرَّعْدُ ـ مَعَ تَسْبِيْحِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ـ يُزَمْجِرُ وَيَتَوَعَّدُ . لَقَدْ كَانَ المَوْقِفُ دَقِيْقاً حَقّاً ؛ فَلَوْ نَزَلَ المَطَرُ وَالنَّاسُ نَائِمُوْنَ ؛ لَهَدَمَ الجُسُوْرَ كُلَّهَا الوَاحِدَ تِلْوَ الآخَرِ ؛ وَلَهَدَمَ النِّيْلُ البُيُوْتَ القَرِيْبَةَ مِنْهَا . ـــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1) .
فِى البِدَايَةِ حَمَلَ بَشِيْرٌ وَعَمُّهُ تَبيْقُ عَلَى العَنْقَرَيْبِ النَّاسَ النَّائِمِيْنَ عِنْدَ الجُسُوْرِ ؛ حَيْثُ وَضَعَا كُلَّ شَخْصَيْنِ وَأَحْيَاناً ثَلاثَةٍ عَلَى العَنْقَرَيْبِ ؛ وَخَبَّا بِهِمْ إلَى تِلالِ الرَّمْلِ خَارِجَ القَرْيَةِ . وَقَدْ فَعَلا بَعْدَ ذَلِكَ الشَّىْءَ نَفْسَهَ بِأَهْلِ البُيُوْتِ القَرِيْبَةِ مِنَ الجُسُوْرِ . لَقَدْ كَانَ عَمُّهُ تَبيْقُ يَبْدُو ؛ وَكَأَنَّ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ سَنَوَاتِ عُمُرِهِ المَدِيْدِ قَدْ صَارَتْ شَابّاً مُعَافاً فِى الثَّلاثِيْنَ . وَحيْنَ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَى سِرَاجِ الدِّيْنِ ؛ قَالَ تَبيْقُ لِبَشِيْرٍ سَاخِراً عَمّك سُرَاج يَحْتَاج لِعَنْقَريبيْن لِحَمْله) . هَكَذَا حُمِلَ بَعْضُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى جَنَائِزَ إِلَى خَارِجِ القَرْيَةِ وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ عَوِيْلٌ ؛ لأَنَّ مِنْ كَانُوا مَنْبَعَ الوَلْوَلَةِ فِى هَذَا العَالَمِ الصَّاخِبِ ؛ هُمُ الآنَ أَصْمَت مِنْ حَجَرٍ! ولَكِنْ "أَيْنَ هُوَ المَامُوْن؟" سُؤَالٌ رَدَّدَهُ بَشِيْرٌ مَعَ نَفْسِهِ رَغْمَ المَوْقِفِ العَصِيْبِ ؛ وَأَجَابَ نَفْسَهُ :"رُبَّمَا كَانَ نَائِماً فِى بَيْتِ عَمِّى النُّعْمَان وَلَمْ أَنْتَبِهْ إِلَيْهِ" ؛ وَأَخَذَ يَعْدُو نَحْوَ بَيْتِ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ لَكِنَّ المَامُوْنَ لَمْ يَكُنْ بِهِ .. قَدْ يَكُوْنُ فِى أَىِّ مَكَانٍ ؛ لَكِنَّهُ قَطْعاً دَاخِلَ حُدُوْدِ قُوْزْ قُرَافِى . أَغْلَقَ بَشِيْرٌ أَبَوَابَ وَشَبَابِيْكَ غُرَفِ بَيْتِ عَمِّهِ النُّعْمَان الَّتِى وَجَدَهَا مُفَتَّحَةً ؛ وَتَمَدَّدَ بِجِسْمِهِ الفَارِهِ عَلَى عَنْقَرَيْبِ عَمِّهِ النُّعْمَان فِى سَقِيْفَةٍ مِنَ جَرِيْدِ النَّخْلِ وَأَعْوَادِ النِّيْمِ لِيَأْخُذَ هُنَيْهَاتٍ مِنَ الرَّاحَةِ ؛ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَكَبَ فِى جَوْفِهِ كُوْباً كَبِيْراً مِنْ مَاءِ قُلَّةِ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ البَارِدِ أَبَداً رَغْمَ هَجِيْرِ الصَّيْفِ . لَكِنْ مَاهِىَ سِوَى لَحَظَاتٍ حَتَّى أَحَسَّ ثِقَلاً فِى جِسْمِهِ وَنُعَاساً غَلاَّباً فِى عَيْنَيْهِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِِ ـ بِصُعُوْبَةٍ ـ حُزْمَةَ المَفَاتِيْحِ الَّتِى وَجَدَهَا فِى جَيْبِ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ وَمَدَّ يَدَيْهِ تَحْتَ العَنْقَرِيْبِ وَدَفَنَ الحُزْمَةَ . وَفِيْمَا هُوَ بَيْنَ الوَعْىِ وفُقْدَانِهِ ؛ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ رَأَى الفَاضِل وَدّ البُر وَأَحَدَ الخَوَاجَاتِ يَدْخُلانِ بَيْتَ عَمِّهِ النُّعْمَان ؛ ثُمَّ يَخْرُجَانِ مُسْرِعَيْنِ لَحْظَةَ وُقُوْعِ أَعْيُنِهِمَا عَلَيْهِ . لَقَدْ غَلَبَهُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَجِدْ فُرْصَةً يَسْخَرُ فِيْهَا ؛ كَأَنْ يَقُوْلُ مَثَلاً قُوْزْ قُرَافِى بَلَدٌ عَجِيْب .. أَهْلُهُ جَمِيْعاً نَائِمُوْنَ ؛ وَالمُسْتَيْقِظُ مِنْهُمْ مَجْنُوْن!) لَكِنَّهُ حِيْنَ اسْتَيْقَظَ مِنَ النَّوْمِ فِى نَهَارِ اليَوْمِ التَّالِى وَبَحَثَ بَيْنَ الأَجْسَادِ المُتَرَاصَّةِ عَنِ الفَاضِل وَدّالبُر ؛ وَوَجَدَهُ يَرْقُدُ كَعَتُوْدٍ مَيْتٍ وَهُوَ يُشَارِكُ القَرْيَةَ نَوْمَهَا العَظِيْمَ ؛ أّدْرَكَ أَنَّ مَارَآهُ قُبَيْلَ نَوْمِهِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَخَيُّلاتِ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ حَقٍّ ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُزْهِقْ رُوْحَ بَعُوْضَةٍ ظُلْماً . وَقَدْ أَزْهَقَ المَامُوْنُ رُوْحَهُ ؛ وَهُوَ يُحَاوِلُ العُثُوْرَ عَلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ أَوْ هَدَفٍ مَعْقُوْلٍ لإِنَامَةِ قَرْيَةٍ بِأَكْمَلِهَا . لِذَا دَارَ حِوَارٌ مَنْطِقِىٌّ دَاخِلَ نَفْسِهِ؛ وَهُوَ الَّذِى حَاوَرَتْهُ الحَيَاةُ كَثِيْراً وَحَاوَرَهَا: ـ (تُرَى لِمَ لَمْ يَنَمْ عَمِّى تَبيْق؟)
ـ (عَمِّى تَبيْق يَشْرَبُ مَاءَ النِّيْلِ .. يَأْتِى بِهِ بِالخُرْجِ ؛ وَلايَشْرَبُ مَاءَ البِئْرِ الإِرْتِوَازِيَّةِ أَبَداً) .
ـ (وَشَيْخُنَا وَدْجَكُّوْم؟)
ـ (كَانَ صَائِماً كَعَادَتِهِ ؛ لِذَا لَمْ يَشْرَبْ مَاءَ البِئْرِ الإِرْتِوَازِيَّةِ . وَهُوَ قَدْ رَأَى أَثْنَاءَ صَوْمِهِ مَاحَلَّ بِأَهْلِ القَرْيَةِ ؛ فَأَدْرَكَ بِبَصِيْرَتِهِ النَّافِذَةِ سَبَبَ نَوْمِهِمْ ؛ فَنَأَى بِنَفْسِهِ عَنْ شُرْبِ مَاءِ البِئْرِ الإِرْتِوَازِيَّةِ) .
ـ (ثُمَّ مَاذَا؟)
ـ (انْظُرُوا إِلَى أَكْثَرِ النَّاسِ نَوْماً ؛ وَلنَأْخُذْ عَمِّى سُرَاج الدِّيْن مِثَالاً لِكَثْرَةِ شُرْبِهِ المَاءَ ؛إِذْ أُصِيْبَ بِدَاءِ البَوْلِ السُّكَّرِى بَعْدَ سَرِقَةِ التَّازِى وَدّ الطُّوْكَرَاوِى لأَمْوَالِهِ . هَذَا هُوَ المَنْطِقُ المَقْبُوْلُ عَلَى الأَقَلِّ فِى الوَقْتِ الحَاضِرِ) .
وَمَاهِىَ سِوَى لَحَظَاتٍ حَتَّى سَمِعَ بَشِيْر وَدّالجُزُوْلِى صَوْتَ المَامُوْنِ يَنْطَلِقُ مِنْ مُكَبِّرَاتِ صَوْتِ الجَامِعِ : (يَاأَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى : كُفُّوا عَنْ شُرْبِ مَاءِ البِئْرِ الإِرْتِوَازِيَّةِ حَتَّى يَنْجَلِىَ هَذَا الأَمْرُ ؛ وَاكْتَفُوا بِشُرْبِ مَاءِ النِّيْلِ) . هَكَذَا اسْتَمَعَ بَشِيْروَدّ الجُزُوْلِى إِلَى صَوْتِ المَامُوْنِ يَنْطَلِقُ مِنْ مُكَبِّراتِ صَوْتِ الجَامِع ؛ وَهَكَذَا عَادَ إِلَى مُعْظَمِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى وَعْيُهُمْ . أَمَّا سِرَاجُ الدِّيْنِ فَقَدْ عَادَ إِلَيْهِ وَعْيُهُ ؛ أَوْعَادَ هُوَ إِلَى وَعْيِهِ ؛ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ قَضَاهَا وبَعْضُ نِساءِ قُوْزْ قُرَافِى العَجَائِزِ بِمُسْتَشْفَى (مَرَوِىْ) .
هَكَذَا كَانَتِ الأَوْضَاعُ فِى قَرْيَةِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ (قُوْت النُّفُوْس) تَسْتَمِعُ إِلَى أَصْوَاتِ الضَّفَادِعِ مِنْ دَاخِلِ بُيُوْتِ القَرْيَةِ ؛ كَأَصْوَاتِ أَرَامِلَ كَثِيْرَاتٍ يَنُحْنَ عَلَى وَحِيْدِهِنَّ الَّذِى مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ .. هَذَا زَمَنُ العَجْزِ وَالنُّوَاحِ . لَقَدْ كُنْتَ تَرَى قُوْت النُّفُوْس بِرأْسِهَا الضَّخْمِ وَضَفَائِرِهَا المَنْفُوْشَةِ المُتَطَايِرَةِ وَقَامَتِهَا الطَّوِيْلَةِ الغَلِيْظَةِ ؛ تَجْرِى مِنْ مَكَانٍ بِالجِسْرِ إِلَى مَكَانٍ . لَقَدْ قَالَتْ لَهَا الخَوَاجِيَّة لَيْلَى عِبيْد ذَاتَ مَرَّةٍ : (أَقْبَحُ شَىْءٍ فِى نِسَاءِ قُوْزْ قُرَافِى هُوَ الجَرْىُ ؛ وَمَاعَدَا ذَلِكَ فَكُلُّ شَىْءٍ فِيْهِنَّ جَمِيْلٌ) . كَانَتْ قُوْت النُّفُوْس تُمَارِسُ عَلَى الجِسْرِ أَقْبَحَ شَىْءٍ فِى نِسَاءِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ لِتَعُوْدَ وَتَقِفَ وَسْطَ النِّسَاءِ كَذَكَرِ النَّخْلِ . وَحِيْنَ رِآهَا المَامُوْنُ فِى ذَاْكَ اليَوْمِ المَشْؤُوْمِ تَجْلِسُ وَسَطَ حَلْقَةٍ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّئِى بِدَوْرِهِنَّ جَلَسَنَ أَرْضاً ؛ وَهِىَ تَبْدُو كَمِئْذَنَةِ السُّبْحَةِ وَالنِّسَاءُ يَبْدَوْنَ ـ لِقِصَرِهِنَّ عَنْهَا ـ كَبَقِيَّةِ حَبَّاتِ السُّبْحَةِ ؛ خَلَصَ إِلَى أَنَّ النِّيْلَ قَدْ حَلَفَ أَلاَّ يَدَعَ نَخلاً وَلامَآذِنَ مَسَاجِدَ فِى كُلِّ المَنْطِقَةِ .. لَقَدْ أَقْسَمَ النِّيْلُ أَنْ يُغْرِقَ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى السَّمَكَ . "مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ يَتَسَلَّى فِيْهِ الشُّبَّانُ بِصَيْدِ السَّمَكِ مِنْ بَيْتِ عَمِّى الفَكِى؟!" هَكَذَا سَأَلَ المَامُوْنُ نَفْسَهُ وَهُوَ يَرَى صِغَارَ السَّمَكِ يَتَغَافَزُ مِنَ المَاءِ ؛ وَعَمُّهُ تَبيْقُ يَقُوْلُ إِنَّ تَغَافُزَ السَّمَكِ مِنَ المَاءِ دَلِيْلٌ عَلَى عُتُوِّ الفَيْضَانِ . هَلْ قَرَأَ المَامُوْنُ ـ أَوْلَعَلَّ أَحَدَهُمْ حَدَّثَهُ ـ أَنَّ السَّمَكَ مِنَ المَخْلُوْقَاتِ الَّتِى تَتَنَبَأُ بِقُرْبِ وُقُوْعِ الزَّلازِلِ ؛ فَتَتَغَافَزُ مِنَ المَاءِ؟ مَهَمَا يَكُنْ مِنْ شَىْءٍ فَإِنَّ الزَّلازِلَ نُوْعٌ مُتَقَدِّمٌ مِنَ الهِزَّاتِ الأَرْضِيَّةِ ؛ وَالفَيَضَانَاتُ ضَرْبٌ مِنَ الهِزَّاتِ المَائِيَّةِ . لَقَدْ رَحِمَ اللَّهُ أَهْلَ هَذِهِ المَنْطِقَةِ ؛ إِذْ لَمْ يُعَاقِبْهُمْ بِالزَّلازِلِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ سُفَهاَؤُهُمْ ؛ فَالفَيْضَانُ أَخَفُّ كَثِيْراً مِنَ الزِّلْزَالِ ويُمْكِنُ جَسْرُهُ وكَبْحُ جِمَاحِهِ ؛ أَمَّا الزِّلْزَالُ وَأَمَّا الصَّاعِقَةُ فَلايُعْرَفُ وَقْتُهُمَا ؛ وبِالتَّالِى لايُمْكِنُ تَفَادِيْهُمَا . فِى لَحْظَةٍ مُبَاغِتَةٍ كَالصَّاعِقَةِ ؛ أَحَسَّ المَامُوْنُ بِفَيْضَانَاتٍ وَزَلازِلَ وَصَوَاعِقَ قَدْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وفِى وَقْتٍ وَاحِدٍ ؛ فِى نَفْسِ كُلِّ شَخْصٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى . وَفِى خَلْوَتِهِ (مَسِيْدِهِ) ظَلَّ شَيْخُنَا وَدْ جَكُّوْم يَرْفَعُ كَفَّيْهِ بِالدُّعَاءِ رَبَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا . رَبَّنَا وَلاتَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِنَا. رَبَّنَا وَلاتُحَمِّلْنَا مَالاطَاقَةَ لَنَا بِهِ ؛ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا . أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِيْنَ) . ولَكِنْ .. أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ النِّيْلُ مِنَ القَوْمِ الكَافِرِيْنَ؟
لَقَدْ تَعِبَ الرِّجَالُ مِنَ العَمَلِ المُضْنِى فِى إِقَامَةِ الجُسُوْرِ عِنْدَ حُدُوْدِ القَرْيَةِ وَمُرَاقَبَتِهَا ؛ فَاسْتَلَمَتِ النِّسَاءُ العَمَلَ مَكَانَ الرِّجَالِ حَتَّى يَسْتَرِيْحُوا بَعْضَ الشَّىْءِ وَيَعُوْدُوا ثَانِيَةً لِلعَمَلِ . وَلَكِنَّ النِّسَاءَ بِدَوْرِهِنَّ تَعِبْنَ وَجَلَسْنَ أَرْضاً ؛ وَلَمْ تَفْتُرْعَزِيْمَةُ قُوْت النُّفُوْس وَهِىَ تَبْدُو كَمِئْذَنَةِ السُّبْحَةِ ؛ تَحُثُّ النِّسَاءَ عَلَى العَمَلِ . لَكِنَّ قَدَرَ اللَّهِ فِى ذَاْكَ اليَوْمِ فَلَّ عَزِيْمَةَ قُوْت النُّفُوْس وَعَزَائِـمَ أَهْلِ القَرْيَـةِ جَمِيْعاً بِالنَّوْمِ ؛ فَتَضَاحَكَتْ أَمْوَاجُ النِّيْلِ فِـى شَوَارِعِ القَرْيَةِ القَرِيْبَةِ مِنَ الجُسُوْرِ ؛ بَلْ حَوَّلَتِ البُيُوْتَ المُطِلَّةَ عَلَى الجُسُوْرِ إِلَى شَوَارِعَ .
الآن اسْتَيْقَظَ كُلُّ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى مِنَ النَّوْمِ ؛ وَالبَرْقُ كَتَوْقِيْعِ رُؤَسَاءِ حُكُوْمَاتِ الانْقِلابَاتِ العَسْكَرِيَّةِ يَتَلَوَّى سَرِيْعاً فِى السَّمَاءِ ؛ ثُمَّ انْهَمَرَ المَطَرُ غَزِيْراً .. القَطْرَةُ الوَاحِدَةُ مِنْهُ تَمْلأُ فِنْجَانَ القَهْوَةِ حَتَّى يَسِيْلَ . لابَلِ القَطْرَةُ مِنْهُ فِى حَجْمِ دَرْبِ الجَمَلِ ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ البَادِيَةَ لَمْ تَرَالمَطَرَ مُنْذُ أَنْ رَحَلَ الإِمَامُ عَنْ قُوْزْ قُرَافِى ؛ إِلاَّ فِى هَذِهِ السَّنَةِ .. لَقَدْ فَقَدَتِ البَادِيَةُ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى دُرُوْبَ الجِمَالِ ؛ أَوْقُلْ إِنَّ الجِمَالَ قَدْ فَقَدَتْ فِى البَادِيَةِ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى دُرُوْبَهَا. لَكِنَّ المَطَرَ تَوَقَّفَ بَعْدَ دَقَائِقَ مَعْدُوْدَةٍ .. رُبَّمَا لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى أَكْثَرَ مِنَ المَطَرِ .. يَحْتَاجُ إِلَى غَسْلِ النُّفُوْسِ .
(3)
هَلْ قُلْنَا إنَّ الأَمْرَ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى غَسْلِ النُّفُوْسِ؟ هَذَا لايُهِمُّ الآن ؛ الَّذِى يُهِمُّ أَنَّ حَاج الفَكِى لَمْ تَعُدْ لَهُ نَفْسٌ يَغْسِلُهَا ؛ وَقَدْ جَلَسَ وَعَلَى وَجْهِهِ انْكِسَارُ مِنْ ضَرَطَ فِى صَلاةِ الجَمَاعَةِ ؛ وَقَدْ فَرَغَ وَجَمَاعَتُهُ مِنَ صَلاةِ العَصْرِ ؛ وهُوَ يُحَدِّثُهُمْ :
ـ لَقَدْ أَقَامَ النِّيْلُ الحَدَّ عَلَى أَهْلِ المَنْطِقَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ . غَرِيْبٌ أَمْرُ النِّيْل ِ؛ فَقَدْ كَانَ الوَاحِدُ مِنَّا يَسْتَطِيْعُ مِنْ هَذِهِ الضَّفَّةِ ؛ رُؤْيَةَ عَيْنَىِّ الشَّخْصِ الوَاقِفِ عَلَى الضَّفَّةِ الأُخْرَى لِلنِّيْلِ . انْظُرُوا إِلَى النِّيْلِ الآن ..إِنَّهُ يَمْلأُ مَابَيْنَ مَشْرِقِ الأَرْضِ وَمَغْرِبِهَا .. النِّيْلُ غَطَّى الجَنَائِنَ وَالشُّتُوْلَ ؛ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ النَّخْلُ الطِّوَالُ الَّذِى غَطَّاهُ حَتَّى مُنْتَصَفِ سِيْقَانِهِ وَأَكْثَرَ . ثُمَّ جَاءَ الجَرَادُ وَأَكْمَلَ البَاقِى ؛ وَنَحْنُ مَحْصُوْرُوْنَ هُنَا بَيْنَ النِّيْلِ الَّذِى لَيْسَ لَهُ حَدٌّ ، وَالصَّحْرَاءِ الَّتِى لَيْسَ مِنْهَا بُدٌّ .. لاعَمَلَ لَنَا وَلاأَمَلَ . اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ يَالَطِيْف .. قَدَمٌ زَلَّ وَعَبْدٌ ضَلَّ .
حاج الخَلِيْفَة : المُصِيْبَةُ الأَكْبَرُ حِيْنَ يَجِىءُ حَصَادُ التَّمْرِ الَّذِى نَضِجَ بِالفِعْلِ ؛ إِذْ لايُمْكِنُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالمَرَاكِبِ .. يَتَدَفَّقُ نِصْفُهُ فِى المَاءِ ؛ وَيُصِيْبُ النِّصْفَ الثَّانِى المَرَضُ وَالسُّوْسُ بِسَبَبِ البَلَلِ . هَذَا إِنْ قُدِّرَ لِلتَّمْرِ أَنْ يُحْصَدَ هَذَا العَامِ ؛ فَالدُّرُوْبُ مِنَ القُوْز إِلَى المَزَارِعِ لَنْ يَجِفَّ مِنْهَا مَاءُ النِّيْلِ إِلاَّ بَعْدَ شُهُوْرٍ مِنَ الآن ؛ وَسَيَظَلُّ المَاءُ تَحْتَ النَّخْلِ شُهُوْراً أُخْرَى .
حاج الصَّافِى : المُصِيْبَةُ الآن أَكْبَر ؛ حَقِيْقَة يَمُوْت (تُوْر) لِرِزق كَلب . الأَعْرَاب اسْتَفَادُوا مِنَ الفَيَضَان خَاصَّةً وَقَدْ نَزَلَ المَطَر عِنْدَهُمْ فِى الخَلاء ؛ فَأَخَذُوا الكَثِيْرَ مِنْ بَهَائِمِ القُوْز ؛ حَتَّى الحَمِيْر ـ أَعَزَّكُم اللَّه ـ إِلَى الخَلاء بِالأَجْر عَنْ كُلِّ بَهِيْمَة .
حاج الفَكِى : لِلَّهِ فِى خَلْقِهِ شُؤُوْن! وَلَكِن الحَمْدُ للَّه أَنَّ الخَرِيْف كَانَ نَاجِحاً فِى الخَلاء هَذِهِ السَّنَة ؛ وَلَوْلا ذَلِكَ لَجَاءَ إِلَيْنَا أَعْرَاب الخَلاء وَنَدَّمُوْنَا عَلَى اليَوْم الَّذِى وُلِدْنَا فِيْه .
حَاج الخَلِيْفَة : هَلْ سَمِعْتُمْ حِكَايَةَ النَّمْلَة مَعَ سَيِّدِنَا سُلَيْمَان؟
حَاج الفَكِى : نَعَمْ سَمِعْنَا حِكَايَةَ النَّمْلَة الَّتِى حَذَّرَتْ بَنِى جِنْسِهَا مِنْ جَيْش سَيِّدِنَا سُلَيْمَان .



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس