عرض مشاركة واحدة
قديم 01-12-2005, 11:49 AM   #[26]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

حَاج الخَلِيْفَة : لاأَعْنِى هَذِهِ النَّمْلَة .. أَعْنِى نَمْلَةً أُخْرَى لَهَا قِصَّةٌ أُخْرَى . فَقَدْ سَأَلَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ نَمْلَةً : (كَمْ يَكْفِيْكِ مَؤُوْنَةً لِعَامٍ؟) فَأَجَابَتْهُ ثَلاثُ حَبَّاتٍ مِنَ العَيْشِ) ؛ فَأَحْضَرَ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ ثَلاثَ حَبَّاتِ عَيْشٍ ؛ وَضَعَهُنَّ فِى عُلْبَةٍ وَوَضَعَ مَعَهُنَّ النَّمْلَةَ ؛ وَأَغْلَقَ العُلْبَةَ . وَبَعْدَ انْقِضَاءِ عَامٍ فَتَحَ العُلْبَةَ ؛ فَوَجَدَ النَّمْلَةَ قَدْ أَكَلَتْ مِنْ حَبَّاتِ العَيْشِ الثَّلاثِ حَبَّةً ونِصْفَ الحَبَّة ؛ فَسَأَلَهَا أَلَمْ تَقُوْلِى إِنَّكِ تَأْكُلِيْنَ فِى العَامِ ثَلاثَ حَبَّاتِ عَيْشٍ؟) فَأَجَابَتْهُ النَّمْلَة أَجَل . وَلَكِنَّ ذَلِكِ لَمَّا كَانَ رِزْقِى عَلَى اللَّه . فَأَنَا مُوْقِنَةٌ أَنَّهُ لَنْ يَنْسَانِى وَلَنْ يَمُوْتَ ؛ أَمَّا أَنْتَ فَبَشَرٌ مَعَرَّضٌ لِلنَّسَيَانِ وَلِلمَوْتِ ؛ لَذَا وَفَّرْتُ قُوْتَ عَامٍ كَامِلٍ خَوْفاً مِنْ بَشَرِيَّتِكَ) . ثُمَّ وَاصَلَ حَاج الخَلِيْفَة :
ـ أَلَيْسَتْ تِلْكَ النَّمْلَةُ أَحْكَمَ وَأَحْوَطَ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى؟ حِيْنَ دَاهَمَهُمُ الفَيْضَانُ لَمْ يَكُنْ فِى بَيْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَّالُ قَمْحٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ فُوْلٍ . كَيْفَ يَكُوْنُ أَمْثَالُ هَؤُلاءِ مُزَارِعِيْنَ؟
حَاج الصَّافِى : سَيَتَبَدَّلُ الحَالُ إنْ شَاءَ اللَّه . أَتَتَذَكَّرُ يَاحاج الفَكِى الفَيْضَانَ الَّذِى وَصَلَ حَتَّى المَصـْرَف؟ بَعْدَ ذَلِكَ الفَيْضَانِ حَصَدْنَا مِنَ الفُوْلِ المِصْرِىِّ مَحْصُولاً لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ الطَّيْرُ شَيْئاً ؛ فَالحَبَّةُ مِنْهُ تَخْنُقُ الحَمَامَةَ ؛ وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ حَبَّةُ الفُوْلِ أَصْغَرَ مِنْ قُرَادَةِ البَقَر .
هُنَا تَنَهَّدَ حَاج الفَكِى وَكَأَنَّ شَيْئاً قَدْ لَدَغَهُ فِى قَلْبِهِ ؛ وَقَالَ بِحَسْرَةٍ :
ـ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِيْمَا مَضَى ؛ أَمَّا الآنَ فَقَدْ نَزَعَ النَّاسُ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوْبِهِمْ ؛ فَنَزَعَ اللَّهُ البَرَكَةَ مِنْ أَيْدِيْهِمْ . قَالَ حاج الفَكِى ذَلِكَ بِحَسْرَةٍ تُحِسُهَا فِى صَوْتِهِ الَّذِى بَدَا نَحِيْلاً فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ .
وَلَكِنْ أَتُرَى يَدَ حاج عُسْمَان مِنَ الأَيْدِى الَّتِى نَزَعَ اللَّهُ البَرَكَةَ مِنْهَا؟ لَقَدْ كَانَ حَاج عُسْمَان يَجْلِسُ عَلَى فَمِ حُفْرَةِ المِرْحَاضِ وَعَيْنَاهُ تَبْدُوَانِ كَعَيْنَىِّ نَعْجَةٍ وَلَدَتْ لِتَوِّهَا ؛ وَفَجْأَةً ارْتَخَتْ قَبْضَةُ يَدِهِ المُمْسِكَةِ بِالإِبْرِيْقِ فَسَقَطَ دَاخِلَ الحُفْرَةِ ؛ مُحْدِثاً فِى قَاعِهَا بَعْضَ القَرْقَرَةِ الَّتِى انْتَهَتْ عَمَّا قَلِيْلٍ وَإِلَى الأَبَدِ . رُبَّمَا فَكَّرَ الإِبْرِيْقُ ؛ فَاهْتَدَى إِلَى أَنَّ قَاعَ الحُفْرَةِ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ صُحْبَةِ حَاج عُسْمَان! رُبَّمَا كَانَ حاج عُسْمَان يُفَكِّرُ ـ وَهُوَجَالِسٌ عَلَى فَتْحَةِ حُفْرَةِ المِرْحَاضِ ـ فِى الكَارِثَةِ الَّتِى حَلَّتْ بِهِ مِنْ جَرَّاءِ غَمْرِ النِّيْلِ لِشُتُوْلِهِ حَدِيْثَةِ الغَرْسِ ؛ فَارْتَخَتْ قَبْضَةُ يَدِهِ ؛ فَهَذِهِ فِى تَقْدِيْرِهِ مُصِيْبَةٌ تُسْقِطُ الأَبَارِيْقَ فِى المَرَاحِيْضِ ؛ بَلْ تُسْقِطُ حَتَّى أَصْحَابَ الأَبَارِيْقِ فِى المَرَاحِيْضِ . لَكِنَّ حاج عُسْمَان لَمْ يَسْقُطْ فِى المِرْحَاضِ ؛ وَإِنْ كَانَ يَبْدُو لَحْظَةَ خُرُوْجِهِ مِنْ غُرْفَةِ المِرْحَاضِ كَشَىْءٍ أَنْجَسَ مِنْ قَعْرِ الإِبْرِيْقِ ؛ وَهُوَ الَّذِى ـ كَما قُلْنَا ـ ظَلَّ يَتَحَاشَى الأَنْجَاسَ وَالنَّجَاسَاتِ وَأَمْكِنَتَهَا! وَحاج الخَبِيْر لَمْ يَمْنَعْهُ سُقُوْطُ إِبْرِيْقَ فِى مِرْحَاضٍ ؛ أَنْ يَقُوْلَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ قَرِيْباً مِنْ أُذُنِ وَدّالعَالْيَابِى :
ـ لَقَدْ أَخْبَرَنِى المَامُوْن أَنَّهُمْ أَخَذُوا عَيِّنَةً مِنْ مَاءِ الصِّهْرِيْجِ وَفَحَصُوْهَا فِى مُسْتَشْفَى مَرَوِىْ ؛ فَوَجَدُوا فِى المَاءِ مُنَوِّماً قَوِيّاً يُنِيْمُ الفَيْلَ فِى لَحَظَاتٍ . وَدّالعَالْيَابِى : الحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّ الَّذِى وَضَعَهُ لَمْ يَضَعْ بَدَلاً مِنْهُ هُرْمُوْنَ الأُنُوْثَة . حَاج الرَّضِى : هُرْمُوْن الأُنُوْثَة! وَمَاذَا يَفْعَلُ هُرْمُوْنُ الأُنُوْثَة؟
وَدّالعَالْيَابِى : يَجْعَلُ النِّسَاءَ أَكْثَرَ أُنُوْثَةً ؛ وَالرِّجَالَ أَقَلَّ رُجُوْلَةً .
المِيْجَر : مَاهُوَ أَثَرُهُ عَلَى الحَيَوَانَاتِ ؛ عَلَى الحِمَارِ الذَّكَرِ مَثَلاً .. عَلَى سُلُوْكِهِ كَحِمارٍ ذَكَرٍ وَعَلَى فُحُوْلَةِ نَهِيْقهِِ؟
وقَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ حاج الخَبِيْر إِجَابَةَ وَدّالعَالْيَابِى ؛ خُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّ صَوْتَ إِسْحَاقَ قَدِ ارْتَطَمَ بأُذُنَيَهِ ؛ فَقَالَ فِى نَفْسِهِ : "يَاإِلَهِى! أَهَذَا هُوَ إسْحَاقُ أَمْ أُخْتُهُ! صَوْتُهُ أَرَقُّ مِنْ صَوْتِ النِّسَاءِ ؛ وَيَدُهُ لَيِّنَةٌ كَفَطِيْرَةٍ خُبِزَتْ لِتَوِّهَا! لَقَدْ أَصْبَحَ بَعْضُ شُبَّانِ قُوْزْ قُرَافِى يُقَلِّدُوْنَ النِّسَاءَ فِى كُلِّ شَىْءٍ ؛ حَتَّى فِى الوَحَمِ وَالعِيَاذُ بِاللَّه!" وَوَاصَلَ حاج الخَبِيْر حَدِيْثَهُ إِلَى نَفْسِهِ :"تَنْوِيْمُ القُوْز مِنْ أَلاعِيْبِ المَنُوْفَلِى .. المَنُوْفَلِى رَجُلٌ لاتَصِحُّ الصَّلاةُ قَرِيْباً مِنْهِ" . نَهَضَ حَاج الخَلِيْفَة كَمَنْ فَرَغَ لِتَوِّهِ مِنْ صَلاةٍ ؛وَقَالَ وَهُوَ يَمْشِى بَعِيْداً بِصَوْتٍ سَمِعَهُ الجَمِيْعُ: (اللَّهُمَّ جَمَعْتَنَا مُذْنِبِيْنَ ؛ فَلاتُفَرِّقْنَا إِلاَّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَتَرْحَمَنَا)
بِدَوْرِهِمُ اجْتَمَعُوا عِنْدَ الجِسْرِ قَرِيْباً مِنَ البُيُوْتِ ؛ وَقَدْ صَفَتِ السَّمَاءُ لَيْلاً وَالنِِّيْلُ قَدِ انْحَسَرَ قَلِيْلاً عَنِ الجُسُوْرِ . وَقَلِيْلاً قَلِيْلاً أَخْرَجَ المَنُوْفَلِى الزُّجَاجَاتِ مِنْ مِخْلاةِ الشَّعْرِ ؛ ثُمَّ خَنَقَ إِحْدَاهُنَّ مِنْ عُنُقِهَا وَنَزَعَ عَنْهَا غِطَاءَ (الفِلِّيْنِ) ؛ وَمَالَبِثَ أَنْ وَضَعَ أَنْفَهُ مَكَانَهُ وَصَاحَ فِى أَصْحَابِهِ :
ـ شُمُّوا رَائِحَةَ عَرَقِ أَهْلِ الجَنَّة .
ـ (عَجِيْبٌ أَمْرُكَ يَامَنُوْفَلِى ؛ مِنْ أَيْنَ لَكَ بِالخَمْرِ وَقَدْ هَدَمَ النِّيْلُ بُيُوْتَ كُلِّ صَانِعَاتِهَا؟)
سُؤَالٌ أَلْقَاهُ وِدَاعَة وَهُوَ لايَنْتَطِرُ إِجَابَةً عَنْهُ ؛ لَكِنَّ المَنُوْفَلِى خَذَلَهُ فِى عَدَمِ انْتِظَارِهِ هَذَا إِذْ قَالَ :

صَانِعَاتُ العَرَقِى(1) لَنْ يَعْجِزْنَ عَنْ صُنْعِهِ وَلَوْ عَلَى ظَهْرِ تِمْسَاح . لَقَدْ أَقْنَعَتْ إِجَابَةُ المََنُوْفَلِى تِلْكَ وِدَاعَةَ ؛ الَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ فَلْسَفَةَ المَنُوْفَلِى فِى الحَيَاةِ هِىَأَنَا سَكْرَانُ ؛ إِذَنْ أَنَا مَوْجُوْدٌ) . إِنَّهُ المَنُوْفَلِى الَّذِى قَالَ عَنْهُ مِنْ قَبْلُ عَمُّهُ الدُّسُوْقِى المَنُوْفَلِى يَعْمَلُ فِى الدُّنْيَا عملَ مَنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ فِى الآخِرَةِ ؛ فَهُوَ يَشْرَبُ الخَمْرَ وَلايُصَلِّى) . نَظَرَ حاج الفَكِى إِلَى المَنُوْفَلِى وَهُوَ يُقَبِّلُ زُجَاجَةَ الخَمْرِ ؛ فَتَنَحْنَحَ وَقَالَ :
ـ حَقِيْقَة الدُّنْيَا جَنَّة العَاصِيْن .
حَاج الصَّافِى بِشُرُوْدِ ذِهْنٍ : مَنْ عَرَفَ عَيْبَهُ هَانَ عَلَيْهِ عَيْبُ غَيْرِهِ .
لَكِنَّ وَدّالعَالْيَابِى لَمْ يَتْرُكْ لِلعَاصِيْنَ جَنَّتَهُمْ ؛ فَقَدْ قَالَ وَعَيْنَاهُ تَبْرُقَانِ :
ـ ابْنُ آدَمَ المَخْلُوْقُ الوَحِيْدُ ـ غَيْرُ الشَّيْطَانِ ـ الَّذِى يَعْصِى خَالِقَهُ .
ضَمْرَة : وَلِمَاذَا يَعْصِى الإِنْسَانُ خَالِقَهُ؟
وَدّالعَالْيَابِى : لأَنَّ اللَّهَ زَوَّدَهُ بِالعَقْلِ المُدْرِكِ .
ضَمْرَة : وَبِالعَقْلِ المُدْرِكِ أَيْضاً يُطِيْعُ الإِنْسَانُ خَالِقَهُ .
لَمْ يَفْهَمْ قَاسِمٌ كُلَّ مَاأَرَادَ وَدّالعَالْيَابِى قَوْلَهُ ؛ لَكِنَّهُ حِيْنَ نَظَرَ إِلَىالمَنُوْفَلِى وَرآهُ يَجْلِسُ وَالكََأْسُ فِى يَدِهُ يُدِيْرُهَا عَلَى نُدَمائِهِ ؛ أَدْرَكَ بَعْضَ قَوْلِ وَدّالعَالْيَابِى . لَقَدْ كَانَ المَنُوْفَلِى يَجْلِسُ كَمُبْتَدَإٍ بِلا خَبَرٍ .. كَشَىْءٍ غَيْرِ مُفِيْدٍ إِطْلاقاً . هَذَا ؛ ـــــــــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1) .
فِيْمَا كَانَتْ أَعْمَاقُ صِبيْرٍ تُرَدِّدُ ؛ وَقَدْ مَدَّ إِلَيْهِ المَنُوْفَلِى كَأْسَهُ الَّتِى أَفْرَغَهَا فِى جَوْفِهِ :"لا أَحَدَ كَالمَنُوْفَلِى يَعْرِفُ دَاءَهُ ..المَنُوْفَلِى مَرِيْضٌ يَرَى بِعَيْنَىِّ طَبِيْبٍ". لَعَلَّ المَنُوْفَلِى فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ قَدْ تَذَكَّرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِىالمَاضِى السَّحِيْقِ ؛ حِيْنَ سَكِرُوا بِجَزِيْرَةِ (السَّابْلاب) وَحَمَلَ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان عَلَى ظَهْرِهِ البُلُكَ مِثْلَ سَلَى النَّاقَة . وَلِعَظِيْمِ دَهْشَتِهِ خُيِّلَ إِلَى المَنُوْفَلِى أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ المَامُوْنِ يَنْبَعِثُ مِنْ أَعْمَاقِهِ هُوَ: "ذَاْكَ زَمَنٌ طَيِّبٌ قَدْ مَضَى ؛ وَأَظَلَّنَا بَعْدُهُ زَمَنٌ خَدِيْجٌ خَدِيْحٌ" . وَحِيْنَ نَظَرَ المَنُوْفَلِى إِلَى وَدّ الصَّايِم ؛ رَآهُ يَتَلَفَّتُ كَكَلِبٍ فِى فَمِهِ عَظْمٌ وَيَسْأَلُ :
ـ أَيْنَ قِنْدِيْل؟ قِنْدِيْل(1) يَتأَخَّرُ فِى كُلِّ شَىْءٍ ؛ حَتَّى يَوْمَ القِيَامَة سَيَقُوْمُ مُتَأَخِّراً عَنِ النَّاسِ .
العَوَّام : قِنْدِيْل إِنْسَانٌ ضَاعَتْ مِنْهُ نَفْسُهُ .
وَدّ السَّخِى : بَلْ هُوَ الَّذِى ضَاعَ مِنْ نَفْسِهِ .
وَدّالعَالْيَابِى : نَحْنُ جَمِيْعاً ضَاعَتْ مِنَّا أَنْفُسُنَا . الإِنْسَانُ قَدْ يُنْفِقُ أَلْفَ جُنَيْهٍ فِيْمَا لايَعُوْدُ عَلَيْهِ بِنَفْعٍ فَلايَنْدَمُ وَلايَحْزَنُ لِفَقْدِهَا ؛ لَكِنَّهُ إنْ ضَاعَ مِنْهُ رِيَالٌ وَاحِدٌ فِى التُّرَابِ ؛ قَلَّبَ الأَرْضَ حَتَّى يَجِدَهُ . نَحْنُ يَجِبُ أَنْ نَبْحَثَ عَنْ أَنْفُسِنَا ـــــــــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1) .

حَتَّى نَجِدَهَا .
فَرَح : كُلُّ شَىْءٍ لَمْ يَعُدْ لَهُ طَعْمٌ ؛ حَتَّى العَرَقِى فَقَدَ طَعْمَهُ .
وَدّالعَالْيَابِى : لَقَدْ فَقَدْنَا طَعْمَ الأَشْيَاءِ لَيْسَ لأَنَّ الأَشْيَاءَ تَغَيَّرَتْ ؛ وَلَكِنْ لأَنَّ تَذَوُّقَنَا لِلأَشْيَاءِ تَغَيَّرَ .
فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَحَسَّ المِيْجَر بِسُخُوْنَةٍ شَدِيْدَةٍ دَاخِلَ أُذُنَيْهِ فَأَدْرَكَ أَنَّهُ قَدْ سَكِرَ؛ فَقَالَ فِى نَفْسِهِ :"هَذَا عَرَقِى يُصِيْبُ شَارِبَهُ بِالزُّكَام .. عَرَقِى يُفَتِّشُ الرِّجَال ويَكْشِفُ الأَسْرَار" . لَكِنَّهُ رَغْمَ ذَلِكَ كَانَ يُتَابِعُ سَمَاعَ الأُنْسِ ..
رُضْوَان : شَىْءٌ غَرِيْبٌ أَنْ تَسْقُطَ طَائِرَةُ الخُطُوْطِ الجَوِيَّةِ البِرِيْطَانِيَّةِ فِى قُوْزْ قُرَافِى ؛ فِىالوَقْتِ الَّذِى يَنَامُ فِيْهِ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى ويَعِيْثُ النِّيْلُ فِى القَرْيَةِ فَسَاداً!
قَاسِم : لَقَدْ وَقَفْتُ اليَوْمَ أَمَامَ حُطَامِ الطَّائِرَةِ ؛ فَوَجَدْتُهَا تَرْقُدُ كَجَرَادَةٍ أَكَلَتْهَا هَوَامُ الأَرْضِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ صَدْرِهَا وَغَيْرُ رَأْسِهَا .
وِدَاعَة : جَمِيْعُ أَشْكَالِ الطَّائِرَاتِ إِمَّا تُشْبِهُ طَائِراً أَوْ سَمَكَةً .. الإِنْسَانُ لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْلِيْدِ خَلْقِ اللَّهِ .
وَد ّالعَالْيَابِى : صَدَقْت .. الإِنْسَانُ يُقَلِّدُ خَالِقَهُ ؛ فَالطَّائِرَةُ مَحْكُوْمَةٌ بِقَانُوْنِ الإِزَاحَةِ ؛ تَمَاماً كَالسَّمَكَةِ وَكَالطَّائِرِ .
العَوَّام : فِعلاً شَىْءٌ عَجِيْبٌ أَلاَّ يَهْتَمَّ أَحَدٌ بِسُقُوْطِ تِلْكَ الطَّائِرَةِ ؛ فَحَتَّى إِذَاعَةُ لنْدن كُلُّ مَاقَالَتْهُ عَنْهَا إِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلخُطُوْطِ الجَوِيَّةِ البِرِيْطَانِيَّةِ ؛ وَإِنَّها سَقَطَتْ فِى قَرْيَةٍ مَغْمُوْرَةٍ فِى أَقْصَى شِمَالِ السُّوْدَانِ ؛ وَإِنَّ أَحَداً مِنْ رُكَّابِهَا لَمْ يَنْجُ . وِدَاعَة : إِذَاعَة لنْدن صَدَقَتْ ؛ فَقُوْزْ قُرَافِى بَلَدٌ فِى قَعْرِ الدُّنْيَا .. المَسِيْحُ الدَّجَّالُ نَفْسُهُ لايَسْتَطِيْعُ الوُصُوْلَ إِلَيْهِ إِلاَّ بِمَعُوْنَةِ دَلِيْلٍ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى . وَدّالسَّخِى : حَقِيْقَة قُوْزْ قُرَافِى قَرْيَةٌ لاتَكْتَرِثُ لَهَا الدُّنْيَا ؛ وَهِىَ لاتُحِسُّ بِوُجُوْدِ الدُّنْيَا .
صِبيْر : وَأَيْنَ هِىَ الدُّنْيَا الَّتِى تتَحَدَّثُوْنَ عَنْهَا؟ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ لَنَا صَارَتْ مِثْلَ حُجْرَةِ المِرْحَاض ِ؛ نَكْتُبُ عَلَى جُدْرَانِهَا عِبَارَاتِنَا غَيْرَ المُهَذَّبَةِ ؛ ومَازَالَ فِى الجُدْرَانِ مُتَّسَعٌ لآخَرِيْنَ لِيَكْتُبُوا عِبَارَاتٍ أَسْوَأَ مِنْ عِبَارَاتِنَا .
قَاسِم : أَنَا فَكَّرْتُ فِى حَدِيْدِ الطَّائِرَةِ ؛ فَوَجَدْتُهُ لايَصْلُحُ لأَىِّ شَىْءٍ حَتَّى لِلمَنَاجِلِ أَوِ (الجَرَادِل) .
فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَوْرَى قَاسِمٌ النَّارَ فِى زَنْدِهِ لإِشْعَالِ سِيْجَارَةٍ ؛ فَأَحْرَقَتْ أَحَدَ حَاجِبَيْهِ وَأَهْدَابَ عَيْنِ ذَاْكَ الحَاجِبِ ؛ وَتَصَاعَدَتْ رَائِحَةُ الدُّخَانِ قَابِضَةً لِلأَمْعَاءِ الدَّقِيْقَةِ وَالغَلِيْظَةِ مَعاً ؛ مِمَّا يُؤَكِّدُ وَحْدَةَ النَّوْعِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الدَّرَجَةُ . لَكِنَّ قَاسِماً رَغْمَ ذَلِكَ كَانَ يُتَابِعُ الأُنْسَ ..
ضَمْرَة : هَذِهِ هِىَ المَرَّةُ الأُوْلَى الَّتِى أَرَى فِيْهَا حَبَّ الشَّبَابِ فِى شَيْخٍ فِى عُمْرِ عَمِّى النُّعْمَان .
المِيْجَر : ظَاهِرَةُ المُرَاهَقَةِ تُعِيْدُ نَفْسَهَا فِى عَمِّى النُّعْمَان .
وَدّالعَالْيَابِى : حَقِيْقَة عَمِّى النُّعْمَان يَعِيْشُ مَرْحَلَةَ مُرَاهَقَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ .. عَمِّى النُّعْمَان وَالمُرَاهَقَةُ ظَاهِرَتَانِ كِلْتَاهُمَا تَوَادُّ الأُخْرَى .
العَوَّام : عَمِّى النُّعْمَان أَصْبَحَ لايَسِيْرُ خُطْوَةً إِلَى الأَمَامِ؛ إِلاَّ إِذَا رَجَعَ خُطْوَتَيْنِ إِلَى الوَرَاءِ .
وَدّالصَّايِم : حَاج النُّعْمَان ورَغْمَ كُلِّ شَىْءٍ ؛ أَصْبَحَ يُحِبُّ سَمَاعَ أَخْبَارِ النِّسَاءِ وَقِصَصِهِنَّ .
وِدَاعَة : عَمِّى النُّعْمَان لَمْ تَعُدْ بِهِ مَقْدِرَةٌ عَلَى النِّسَاءِ .
قَاسِم : وَإِنْ كَانَتْ بِهِ الرَّغْبَةُ .
وَدّالسَّخِى وَهُوَ يَضْحَكُ : وَإِنْ كَانَتْ بِهِ الرَّغْبَةُ . عَمِّى النُّعْمَان أَصْبَحَ مِثْلَ حِمَارِ عَمِّى الرَّضِى ؛ الَّذى بَلَغَ بِهِ الضَّعْفُ أَنَّهُ أَصْبَحَ يَأْكُلُ وَهُوَ رَاقِدٌ ، ويَشْرَبُ وَهُوَ رَاقِدٌ ، وَيُبَعِّرُ وَهُوَ رَاقِدٌ ؛ وَلَكِنَّهُ مَاأَنْ يَرَى حِمَارَةً حَتَّى يَنْهَقَ وَهُوَ رَاقِدٌ أَيْضاً .
"أَدِرِ الكَأْسَ عَلَى القَمَرِ وَدَعْهُ يَسْكَرُ وَيُسْكِرُ مَنْ يَنْظُرُوْنَ إِلَيْهِ ؛ فَقَدْ مَجَجْنَا نُدَمَاءَ الدُّنْيَا .. أَدِرْ خَمْرَ الصَّفَاءِ عَلَى القَمَرِ ؛ فَقَدْ مَلَلْنَا نُفُوْسَنَا المُتَّسِخَةَ . هَا قَدْ سَكِرَ القَمَرُ .. دَعُوْنَا أَحِبَّتِى نَتَوَضَّأُ فَقَدْ نَقَضَ القَمَرُ وُضُوْءَنَا ؛ بَعْدَ أَنْ نَقََضَ وُضُوءَهُ . لاعُذْرَ لَنَا أَحِبَّتِى ؛ إِذْ أَنَّنَا نَحْنُ العُذْرُ .. وَهَلْ سَمِعْتُمْ بِعُذْرِ العُذْرِ؟!" هَكَذَا تَحَدَّثَتْ أَعْمَاقُ وَدّالعَالْيَابِى إِلَيْهِ؛ وَهَكَذَا جَاءَ قِنْدِيْل ـ كَعَادَتِهِ ـ مُتَأَخِّراً ؛وَأَخَذَ يَنْظُرُ إِلَى البُلُكِ الرَّاقِدِ ـ بِسَبَبِ السُّكْرِ ـ كَإِنَاءِ لَبَنٍ فَارِغٍ . وَبَعْدَ أَنْ أفْرَغَ عَلَى طُحَالِهِ كُؤُوْساً مُتَتَالِيَاتٍ وَأَشْعَلَ سِيْجَارَةً ؛ صَاحَ :
ـ هَلْ سَمِعْتُمُ الخَبَرَ الجَدِيْدَ؟
وَدّالسَّخِى : أَىُّ خَبَرٍ يَاأَسْوَأَ خَبَرٍ؟
قِنْدِيْل : الحُكُوْمَة أَصْدَرَتْ قَرَاراً مَنَعَتْ بِمُوْجِبِهِ الضَّحِك .
هُنَا أَطْلَقَ عبدالعَاطِى ضَحْكَةً عَالِيَةً طَوِيْلَةً ؛ أَعْقَبَهَا وِدَاعَة قَائِلاً :
ـ لَنْ نَتْرُكَ الضَّحِكَ .. سَنَضْحَكُ وَلَكِنْ بِغَيْرِ صَوْتٍ .
وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ الَّذِى كَانَ صَامِتاً طِيْلَةَ الوَقْتِ : وَهَلْ مَنَعَتِ الحُكُوْمَةُ التَّفْكِيْرَ أَيْضاً؟ أَىُّ حُكُوْمَةٍ تِلْكَ الَّتِى تتَحَدَّثُ عَنْهَا يَاقِنْدِيْل؟
قِنْدِيْل : حُكُوْمَة عَمِّى النُّعْمَان . لَقَدْ قَرَّرَ عَمِّى النُّعْمَان الزَّوَاجَ .. قَرَارُ عَمِّى النُّعْمَان هَذَا يُعَادِلُ قَرَارَ الحُكُوْمِةِ بِمَنْعِ الضَّحِكِ ؛ فَكِلاهُمَا بَعِيْدٌ بُعْدَ أَنْفِ الجَمَلِ عَنْ ذَيْلِهِ .
قَاَلَ قِنْدِيْل ذَلِكَ ؛ وَقَدْ مَدَّ أَمَامَهُ سَاقَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى بِحَيْثُ الْتَقَتَا قَرِيْبَاً مِنْ قَدَمَيْهِمَا ؛ تَمَاماً كَمَا قَدْ يَلْتَقِى أَنْفُ الجَمَلِ بِذَيْلِهِ إِنْ حَنَى الجَمَلُ عُنُقَهُ إِلَى آخِرِهَا ؛ وَمَدَّ فِى نَفْسِ اللَّحْظَةِ ذَيْلَهُ إِلَى آخِرِهِ نَحْوَ عُنُقِهِ . وَفِى جِلْسَةِ قِنْدِيْلٍ المُرِيْحَةِ فِى تَقْدِيْرِهِ تِلْكَ ؛ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ العَوَّامَ قَدْ فَرَغَ مِنْ تَحْلِيْلِ ضَحْكَةِ عبدالعاطِى العَالِيْةِ الطَّوِيْلَةِ . فَهُوَ ـ أَى عبدالعاطِى ـ ضِدَّ كُلِّ حُكُوْمَةٍ .. سَاقَطَةٍ ؛ أَوْ قَائِمَةٍ الآنَ ؛ أَوْسَتَقُوْمُ فِيْمَا بَعْدُ. هُنَا قَالَ ضَمْرَةُ الَّذِى لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ الخَمْرَ ؛ وَلَكِنْ يُحِبُّ أُنْسَ شَارِبِيْهَا ؛ قَالَ فِى نَفْسِهِ :"لَوْقَالَ قِنْدِيْل إِنَّ الحُكُوْمَةَ قَدْ مَنَعَتِ العَطْسَ ؛ لاخْتَلَفَ الأَمْرُ ؛ فَالضَّحْكَةُ يُمْكِنُ كَبْحُهَا وَكَتْمُهَا وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا ؛ لَكِنَّ العَطْسَةَ تَتَغَلَّبُ عَلَى الإِنْسَانِ .. العَطْسَةُ لاتَسْتَأْذِنُ وَلاتُرَدُّ . لَوْمَنَعَتِ الحُكُوْمَةُ العَطْسَ؛ لَكَانَتِ الحُجْرَةُ بِنْتُ محمَّدصَالِح أَوَّلَ مِنْ يُخَالِفُ هَذَا الأَمْرَ .. لَكَانَتْ أَقْوَى مُعَارِضٍ لِلحُكُوْمَةِ . لَقَدْ عَادَ إِلَى الحُجْرَةِ عَطْسُهَا .. عَطْسُهَا تَحَوَّلَ مِنْ مَوْسِمِ تَلْقِيْحِ النَّخْلِ إِلَى مَوْسِمِ فَيَضَانِ النِّيْلِ . لَقَدْ صَدَقَ عَمِّى الرَّضِى .. قَلْبُ عَمِّى النُّعْمَان أَصْبَحَ مِثْلَ كُرْسِىِّ الحَلاَّقِ ؛ فِى كُلِّ مَرَّةٍ يَشْغَلُهُ زَبُوْنٌ جَدِيْدٌ" . هَكَذَا قَالَ ضَمْرَةُ فِى نَفْسِه ؛ لَكِنَّ المَنُوْفَلِى لَمْ يَتْرُكْهُ يَسْتَرْسِلُ فِى أَفْكَارِهِ تِلْكَ ؛ فَقَدْ وقَفَ فِى نُوْرِ القَمَرِ وَهُوَ يَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِ طُنْبُوْرِ صِبيْرٍ ؛ وَالكَأْسُ مُتْرَعَة يَحْمِلُهَا عَلَى جَبِيْنِهِ ـ وَقَدْ أَمَالَ رَقَبَتَهُ إِلَى الخَلْفِ ـ دُوْنَ أَنْ يَنْصَبَّ مِنْهَا شَىْءٌ عَلَى الأَرْضِ ؛ بَيْنَمَا المِيْجَرُ يَنَامُ نَوْماً أَرْفَقَ مِنْهُ الأَرَقُ . أَمَّا وَدّالسَّخِى فَقَدْ كَانَ يَقُوْلُ فِى نَفْسِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى المِيْجَرِ النَّائِمِ :"الإِنْسَانُ هُوَالمَخْلُوْقُ الوَحِيْدُ الَّذِى يَنَامُ عَلَى ظَهْرِهِ؛ وَالَّذِى لاظَهْرَ لَهُ لابَطْنَ لَهُ" .
الآن سَرَى السُّكْرُ فِى أَكْثَرِ جَمَاعَةِ المَنُوْفَلِى ؛ الَّذِى رَفَعَ كَأْسَهُ الأَخِيْرَةَ وَشَارَكَهُمْ نَوْمَهُمْ وَغَطِيْطَهُمْ . وَلَكِنْ رَغْمَ ذَلِكَ اسْتَمَرَّ الأُنْسُ ..
وَدّالعَالْيَابِى : النَّاسُ فِى قُوْزْ قُرَافِى مَازَالُوا يَضْحَكُوْنَ ؛ وَلَكِنْ بِحُزْنٍ ؛ وَيَرْقُصُوْنَ وَفِى أَعْمَاقِهِمْ يَرْقُدُ كُلُّ خُمُوْلِ الجِنْسِ البَشَرِىِّ وَاسْتِكَانَتِهِ وَتَسَكُّعِهِ .
عبدالعَاطِى : النِّيْلُ لَمْ يَهْدِمْ بُيُوْتَ قُوْزْ قُرَافِى فَحَسْب ؛ بَلْ غِيَّرَ فِى نُفُوْسِ أَهْلِ القَرْيَةِ مَعَايِيْرَ كَثِيْرَةً . انْظُرُوا إِلَى هَؤُلاءِ الشُّبَان ِ؛ مَنْ مِنْهُمْ كَانَ يَجْرَؤُ قَبْلَ الفَيْضَانِ عَلَى السُّكْرِ هَكَذَا عَلَى مَسْمَعٍ وَمَرْأَى مِنَ النَّاسِ؟ الشُّبَّانُ أَصْبَحُوا يَشْرَبُوْنَ الخَمْرَ نَهَاراً جِهَاراً ؛ وَيَلْعَبُوْنَ القِمَارَ عَلَى عَيْنك يَاتَاجِر ؛ لأنَّ مِيَاهَ الفَيَضَانِ الَّتِى سَتَسْتَغْرِقُ وَقْتاً طَوِيْلاً حَتَّى تَجِفَّ ؛ قَدْ حَرَمَتْهُمْ مِنْ كلِّ عَمَلٍ كَانَ يَشْغَلَهُمْ فِيْمَا مَضَى . أمَّا كِبَارُ السِّنِّ فَيْتَفَجَّعُوْنَ عَلَى غَرْسِ سِنِيْنَ طِوَال ٍ؛ فَشَارَكُوا الشُّبَّانَ فِى كَثْرَةِ الكَلامِ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ وَالجِدَلِ بِلا نَتِيْجَةٍ ؛ كَمَا رَأَيْتُمْ فى هَذَا المَجْلِسِ . وَأَنَا وَإِدْرِيْس وَمِيْرْغَنِى وَعَمِّى الدُّسُوْقِى وَعَمِّـى الخَبِيْر وَعَمِّى الصَّافِى وَمَدَنِى وَدّالعَازَّة وَغَيْرُهُمْ وغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَجْلِسُوْنَ هُنَا ؛ مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّنَا فِى يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ ـ وَنَحْنُ الَّذِيْنَ لانَشْرَبُ الخَمْرَ ـ يُمْكِنُ أَنْ يَضُمَّنَا مَجْلِسُ خَمْرٍ؟! السَّنَوَاتُ صَارَتْ لاتَحْتَرِمُ المَكَانَ ؛ ومَاعَادَ المَكَانُ يَأْبَهُ لِلسِّنِيْنَ ؛ وَفَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ أَصْبَحَ رِزْقُنَا ـ بِسَبَبِ الفَيَضَانِ ـ أَقَلَّ مِنْ زَادِ مُسَافِرٍ .
مِيْرْغَنِى : صـَدَقْتَ يَاعبدالعَاطِى ؛ لَمْ تَعُدْ لأَيَّامِ الأُسْبُوْعِ رَائِحَةُ الزَّمَنِ .. الزَّمَنُ فِيْهِ عِتَّة .
إِدْرِيْس : العِتَّةُ(1) دَاخِلَ نُفُوْسِنَا ؛ لأَنَّ الزَّمَنَ جُزْءٌ مِنْ نُفُوْسِنَا .
ابْتَسَمَ حاج الصَّافِى بَسْمَةً رَآهَا ضَمْرَةُ فِى نُوْرِ القَمَرِ .. ضَمْرَةُ الَّذِى يَقُوْلُ دَائِماً إِنَّ أَهْلَ قُوْزْ قُُرَافِى أَصْبَحُوا لايَبْتَسِمُوْنَ ـ بِسَبَبِ الفَيَضَانِ ـ إِلاَّ كَمَا تَتَنَاكَحُ الزَّوَاحِفُ ذَوَاتُ الدَّمِ البَارِدِ فِى كُهُوْفِهَا الرَّطْبَةِ فِى فَصْلِ الشِّتَاءِ .. أَمْرٌ يَتِمُّ بِحُكْمِ العَادَةِ مَقْهُوْرٌ بِالظُّرُوْفِ) . كَانَ ضَمْرَةُ يَرَى البَسْمَةَ عَلَى وَجْهِ
حاج الصَّافِى ؛ وَفِى نَفْسِ الوَقْتِ يَسْتَمِعُ إِلَى حَاج الخَلِيْفَة :
ـ الحَيَاةُ أَصْبَحَتْ كَاللَّبَنِ المَغْشُوْشِ بِالمَاءِ .. كُلُّ شَىْءٍ فِيْهَا لَيْسَ خَالِصاً . أَمْسِ دَخَلْتُ المَسْجِدَ مُتَأَخِّراً لِصَلاةِ العَصْرِ ؛ وَحِيْنَ رَأَيْتُ الأَطْفَالَ يَضْحَكُوْنَ فِى صَلاتِهِمْ فِى الصُّفُوْفِ الخَلْفِيَّةِ ؛ أَدْرَكْتُ أَنَّ آبَاءَهُمُ الَّذِيْنَ يُصَلُّوْنَ فِى الصُّفُوْفِ الأَمَامِيَّةِ لايَخْلُوْنَ مِنْ نِفَاق .
حاج الخَبِيْر : اسْتَغْفر اللَّه العَظِيْم .. كُلُّ شَىْءٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى مَعْدُوْم ؛ إِلاَّ الوُجُوْد الأَعْظَم.. كُلُّ الأَشْيَاء فِى القُوْز تَغَيَّرَتْ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : الأَشْيَاءُ وُجِدَتْ لِلبَقَاءِ الَّذِى يَكْتَنِفُهُ التَّغْيِيْرُ .
ضَمْرَة : أَتَعْنِى أَنَّ الَّذى لايَتَغَيَّرُ لايَبْقَى .
ــــــــــ
(1) يَقْصِدُ العُثُّة ؛ وَالعُثَّةُ : حَشَرَةٌ تَلْحَسُ بِيَرَقَاتِهَا الجُلُوْدَ وَالفِرَاءَ وَالأَلْبِسَةَ والبُسُطَ ؛ كَما جَاءَ بِالمُعْجَمِ الوَسِيْطِ . أَوْهِىَ سُوْسَةٌ تَلْحَسُ الصَّوْفَ وَتَأْكُلُهُ؛ كَمَا جَاءَ بِالمُنْجَدِ والقَامُوْسِ المُحِيْطِ . (المُؤَلِّف) .
وَدّالبَاشْكَاتِب : بِالضَّبْطِ هُوَ ذَاْكَ . أَوْبِعِبَارةٍ أَدَقَّ؛ الَّذِى يَبْقَى هُوَ الَّذِى يَتَغَيَّرُ . أَفَهِمْتَ؟
ضَمْرَة : أَجَل .
سَمِعَ وَدّالعَالْيَابِى هَذَا الحِوَارَ ؛ وَكَانَ يَجْلِسُ كَمَنْ تَنْظُرُ عَيْنَاهُ إِلَيْكَ وَفَمُهُ صَامِتٌ ؛ وَتَتحَدَّثُ أَعْمَاقُهُ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ ؛ وَقَالَ عَلَى غَيْرِ تَوَقُّعٍ :
ـ صَحِيْح كُلُّ شَىْءٍ فِى قُوْز قُرَافِى تَغَيَّرَ ؛ حَتَّى صَارَ آبَاؤُنَا يَأْكُلُوْنَ وَنَتَجَشَّأَ نَحْنُ .. مُعَادَلَةٌ أَحَدُ طَرَفَيْهَا أَكْبَرُ كَثِيْراً مِنَ الآخَرِ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : بَلِ المُعَادَلَةُ مَوْزُوْنَةٌ ؛ لأَنَّنَا بِدَوْرِنَا سَنَأْكُلُ وَيَتَجَشَّأُ أَبْنَاؤُنَا ؛ وَمِنْ قَبْلُ أَكَلَ أَجْدَادُنَا وَتَجَشَّأَ أَبْنَاؤُهُمُ الَّذِيْنَ هُمْ آبَاؤُنَا .



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس