رُضْوَان : صَدَقْتَ يَاوَدّالعَالْيَابِى . كُلُّ شَىْءٍ فِى القُوْز تَغَيَّر .. كُلُّ شَىْءٍ فِى هَذَا الكَوْنِ غَيْرُ مُتَّزِنٍ ؛ حَتَّى خُطُوَاتُ البَشَرِ عَلَى الأَرْضِ غَيْرُ مُتَّزِنَةٍ ؛ لأَنَّ الأَرْضَ نَفْسَهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً تَمَاماً كَمَا يُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَحْيَاناً . مِحْنَتُنَا أَنَّ آثَارَنَا عَلَى الأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ أَقْدَامِنَا .
تَمَلْمَلَ فَرَحٌ الَّذِى كَانَ يَبْدُو كَطِفْلٍ لَبِسَ نَعْلَىَّ أَبِيْه ِ؛ وَعَلَى قَيْدِ خُطُوَاتٍ مِنْهُ تَبْدُو قَرْيَةُ قُوْزْ قُرَافِى كَعَذَابٍ مُؤَجَّلٍ . تَمَلْمَلَ فَرَحٌ ؛ وَعَمَّا قَلِيْلٍ قَالَ لِوَدّالعَالْيَابِى :
ـ أَنْتَ إِنْسَانٌ لَسْتَ رَاضِياً عَنْ شَىْءٍ .
وَدّالعَالْيَابِى : أَنَا رَاضٍ عَنْ نَفْسِى ؛ لَكِنَّ نَفْسِى لَيْسَتْ رَاضِيَةً عَنِّى .
حَاج الخَبِيْر: يَاوَدّ العَالْيَابِى أَنْتَ إِنْسَانٌ غَيْرُ مَفْهُوْم .. إِنْسَانٌ يُصَادِقُ الجَزَّارَ ويَرْعَى مَعَ الحَمَل .
ضَحِكَ حاج الصَّافِى ضَحْكَةً مُتَخَاذِلَةً لاتَحْظَى بِدَعْمٍ مِنْ مَخْزُوْنِهِ الضَّحِكِىِّ ؛ فأَدْرَكَ فَرَحٌ أَنَّ النِّفَاقَ قَدْ تَسَلَّلَ حَتَّى إِلَى ضَحِكِ النَّاسِ . لَكِنَّ وَدّالعَالْيَابِى مَالَبِثَ أَنْ قَالَ :
ـ يَافَرَح أَنَا لَسْتُ كَذَلِكَ ؛ أَنَا إِنْسَانٌ عَادِّىٌّ .. لَيْسَ فِى حَيَاتِى مَاأَخْجَلُ مِنْهُ ؛ وَلَيْسَ فِيْهَا مَاأَفْخَرُ بِهِ .
كَانَتْ كُلُّ القَرَائِنِ تُشِيْرُ إِلَى أَنَّ وَدّالعَالْيَابِى بِصَدَدِ أَنْ يُوَاصِلَ حَدِيْثَهُ ؛ لَكِنَّهُ قَطَعَهُ حِيْنَ تَنَاهَى إِلَى أُذُنَيْهِ تَثَاؤُبُ حَاج الخَبِيْر بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ . لَقَدْ تَمَادَى حَاج الخَبِيْر الَّذِى نَفَشَتْ فِى زَرْعِهِ غَنَمُ الدَّهْرِ فِى التَّثَاؤُبِ .. لَقَدْ تَثَاءَبَ مِثْلَمَا يَتَثَاءَبُ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ بِالسُّوْقِ؛ وَمَاأَفْقَرَ مِنْ يَتَثَاءَبُ بِالسُّوْقِ! فَتَثُاؤُبُ الفَقِيْرِ بِالسُّوْقِ نَوْعٌ مِنَ الشَّمَاتَةِ بِالبَضَائِعِ الكَاسِدَةِ فِيْهِ ؛ كَمَا يَقُوْلُ بَعْضُ سَاخِرِى قُوْزْ قُرَافِى ؛ الَّذِيْنَ يُضِيْفُوْنَ أَنَّ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى وَحَيْوَانَاتِهِمْ أَصْبَحُوا ـ لِتَبَرُّمِهِمْ بِالحَيَاةِ ـ يَتَثَاءَبُوْنَ مِنْ غَيْرِ نُعَاسٍ ؛ وَيَحْلُمُوْنَ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ . تَثَاءَبَ حاج الخَبِيْر؛ وَمَالَبِثَ أَنْ قَالَ :
ـ النَّاسُ فِى قُوْزْ قُرَافِى أَصْبَحُوا يَنَامُوْنَ كَمَا تَنَامُ النِّعَاجُ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : لَقَدْ أَخْطَأْتَ؛ فَالنَّوْمُ نَوْمَانِ : نَوْمٌ حَقِيْقِىٌّ ؛وَهُوَ نَوْمُ المَخْلُوْقَاتِ الرَّاقِيَةِ الَّتِى لَهَا عُقُوْلٌ تُدْرِكُ ؛ وَهُوَ النَّوْمُ الَّذِى تَرَى فِيْهِ تِلْكَ المَخْلُوْقَاتُ مَنَامَاتٍ؛ وَنَوْمٌ مَجَازِىٌّ؛ وَهُوَ نَوْمُ المَخْلُوْقَاتِ الَّتِى لاتَرَى فِى نَوْمِهَا مَنَامَاتٍ.. فَهَلْ تَرَى النِّعَاجُ مَنَامَاتٍ؟
عبدالعَاطِى : لاأَدْرِى .. رُبَّمَا تَرَى . لَكِنَّنِى مُتَأَكِّدٌ مِنْ شَىْءٍ وَاحِدٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ نَوْمَ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى نَوْمٌ مَجَازِىٌّ؛ مَافِى ذَلِكَ أَدْنَى شَكٍّ .
هُنَا تَضَايَقَ فَرَحٌ مِنْ هَذِهِ التَّخْرِيْجَاتِ وَصَاحَ :
ـ يَاإِلَهِى! مَاالَّذِى يُرْجَى مِنْ أُمَّةٍ شُيُوْخُهَا مُصَابُوْنَ بِالحَصْبَةِ وَالسُّعَالِ الدِّيْكِىِّ وَبَقِيَّةِ أَمْرَاضِ الأَطْفَالِ؟ يَاسَادَتِى أَنْتُمْ شُيُوْخٌ أَطْفَالٌ . اللَّهُمَّ يَامَنْ تَأْخُذُ مَلائِكَتُكَ بِالنَّوَاصِى وَالأَقْدَامِ : فَلْتَأْخُذْنِى مَلائِكَتُكَ وَتَسْلُكْنِى فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُوْنَ ذِرَاعاً ؛ حَتَّى أَرْتَاحَ مِنْ هَذَا المَجْلِسِ وَأَمْثَالِهِ .
قَالَ فَرَحٌ ذَلِكَ وَنَهَضَ عَلَى الفَوْرِ ؛ وَهُوَ يَسْمَعُ عَلَى البُعْدِ نَهِيْقَ حِمَارٍ بِصَوْتٍ يَنُمُّ عَلَى أَنَّ طَرِيْقَتَهُ فِى النَّهِيْقِ قَدْ تَغَيَّرَتْ ؛ لِتَغَيُّرِ أَفْكَارِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى . لَكِنَّ صَوْتَهُ لَمْ يَعُدْ أَنْكَر مَافِى قُوْزْ قُرَافِى مِنَ الأَشْيَاءِ ؛ إِذْ مِنْ أَفْكَارِ أَهْلِ القَرْيَةِ مَاهُوَأَنْكَرُ مِنْ صَوْتِ الحَمِيْرِ . لَوْ سَمِعَ فَرَحٌ هَذَا النَّهِيْقَ قَبْلَ سَنَةٍ مِنَ الآنَ ؛ لَسَمِعَ نَفْسَ هَذا الحِمَارِ يَنْهَقُ بِتَجَرُّدٍ وَكَأَنَّهُ يَنْهَقُ إِنَابَةً عَنْ كُلِّ حَمِيْرِ قُوْزْ قُرَافِى .. مَاوُِلدَ مِنْهَا وَمَاسَيُوْلَدُ ؛ وَمَالَنْ يُوْلَدَ . عِنْدَ هَذَا الحَدِّ أَحَسَّ ضَمْرَةُ أَنَّهُ يَحْسُنُ تَغْيِيْرَ مَجْرَى الحَدِيْثِ ؛ فََقَالَ سَائِلاً عَمَّهُ الدُّسُوْقِى(1) ــــــــ
(1) انْظُرْ (1) فِى هَامِشِ صَفْحَةِ (1) .
ـ أَيُّهُمَا أَكْبَرُ سِنّاً ؛ عَمِّى الرَّضِى أَمْ عَمِّى النُّعْمَان؟
حاج الدُّسُوْقِى : عَمُّكَ النُّعْمَان وُلِدَ قَبْلَ أَنْ يُوْحِى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ .
حاج الفَكِى : لَكِنَّهُ مَازَالَ يَحْتَفِظُ بِنَشَاطِ النَّحْلِ وَعَزْمِهِ وَصَبْرِهِ ؛ خِلافاً لِحَدِيْثِ العَوَّامِ ذَاْكَ عَنْهُ .
حَاج الخَبِيْر : الأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَازَالَ يَحْتَفِظُ بِحَدِيْثِهِ الحُلْوِ..حَدِيْثِهِ الَّذِى يَفُوْقُ عَسَلَ النَّحْلِ حَلاوَةً .
ضَمْرَة : وَلَكِنَّ عَمِّى النُّعْمَان فِيْهِ نَحْسٌ شَدِيْدٌ .
حاج الفَكِى : صَدَقْتَ . وَهُوَ يَعْرِفُ فِى نَفْسِهِ هَذَا النَّحْسَ ؛ لَكِنَّهُ لايَهْتَمُّ بِهِ . فَقَدْ حَكَى لِى فِى أَحَدِ الأَيَّامِ قَائِلاً : ( كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ المَرْحُوْمَةَ سِت
الجِيْل ؛ وَكَانَ السَّفَرُ فِى تِلْكَ الأَيَّامِ بِالجِمَالِ . وَفِى أَحَدِ الأَيَّامِ حَمَّلْتُ عَدَداً كَبِيْراً مِنَ الجِمَالِ بِجَوَّالاتِ التَّمْرِ وَجُلُوْدِ الضَّأْنِ لأَبِيْعَهَا بِسُوْقِ أُمْدُرْمَان ؛ وَأَنَا أَرْكَبُ عَلَى حِمَارَتِى وَيَتْبَعُهَا جَحْشٌ لَهَا . وَلَمَّا تَوَسَّطْنَا الخَلاءَ نَزَلَ لَيْلاً مَطَرٌغَزِيْرٌ ؛ إِلَى دَرَجَةِ أَنَّنَا تَرَكْنَا الجِمَالَ وَاقِفَةً وَجَلَسْنَا تَحْتَهَا اتِّقَاءً لِلمَطَرِ ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الوَقْتَ كَانَ عِزَّ الشِّتَاءِ . وَفِى الصَّبَاحِ لَمْ يَبْقَ فِى جَوَّالاتِ التَّمْرِ إِلاَّ النَّوَى ؛ وَقَدْ مَاتَتِ الحِمَارَةُ مِنْ شِدَّةِ الإِعْيَاءِ . وعِنْدَمَا وَصَلْنَا أُمْدُرْمَان كَانَتْ رَائِحَةُ الجُلُوْدِ لاتُطَاقُ؛ فَحَجَزَهَا أَحَدُ رِجَالِ الصِّحَّةِ وَطَالَبَنِى بِقِيْمَةِ الجَازِ (الكِيْرُوْسِيْن) الَّذِى سَتُحْرَقُ بِهِ وَأَجْرِ مَنْ سَيَقُوْمُ بِحَرْقِهَا . وَلَمَّا كُنْتُ لاأَمْلِكُ ذَاْكَ المَبْلَغَ ؛ فَقَدْ أَعْطَيْتُ أَحَدَ الأَوْلادِ قِرْشاً وَهُوَ لَيْسَ بِالمَبْلَغِ الهَيِّنِ فِى ذَاْكَ الزَّمْنِ ؛ لِيُحْمِمَ الجَحْشَ فِى النِّيْلِ كَىْ أَبِيْعَهُ ؛ بَعْدَ أَنْ قَصَصْتُ شَعْرَهُ بِقِرْشٍ آخَرَ . وَمَا أَنْ أَدْخَلَ الوَلَدُ الجَحْشَ فِى النِّيْلِ حَتَّى وَقَعَ فِى حُفْرَةٍ وَغَرِقَ فِيْهَا ؛فَكَانَتْ قَبْرَهُ . مَاكَانَ مِنِّى بَعْدَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ عَمِلْتُ فِى الطِّيْنِ .. أَبْنِى البُيُوْتَ بِالجَالُوْصِ؛ إِلَى أَنْ دَفَعْتُ لِرَجُلِ الصِّحَّةِ وَسَدَّدْتُ أُجْرَةَ الجِمَالِ .. لَقَدْ سَافَرْتُ تَاجِراً ؛ وَعُدْتُ طَيَّاناً!)
ضَحِكَ الجَمِيْعُ ؛ وَقَامَ وَدّالبَاشْكَاتِب وَفَتَّشَ فِى جُيُوْبِ المِيْجَر ؛ وَعَادَ وهُوَ يَحْمِلُ سِيْجَارَةً أَشْعَلَهَا وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى حاج الخَبِيْر :
ـ كَلامكُم صَحِيْح ؛ فَطُوْلُ العُمْرِ فِى هَذَا الزَّمَنِ هُوَ قِمَّةُ الشَّقَاءِ . تَقُوْلُ الأُسْطُوْرَةُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الحَيَوَانَاتِ ـ بِمَا فِيْهَا الإِنْسَان ـ وَقَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوَانٍ مِنْهَا مِنَ العُمُرِ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً ؛ غَيْرَ أَنَّ الحِمَارَ طَلَبَ أَنْ يَكُوْنَ عُمْرُهُ عِشْرِيْنَ سَنَةً فَقَط؛ لأَنَّهُ لايَحْتَمِلُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً مِنَ الحَمْلِ الثَّقِيْلِ وَالضَّرْبِ وَاللَّكْزِ والغَمْزِ ؛ فَحُقِّقَ لَهُ طَلَبُهُ . وَلِطَمَعِ الإِنْسَانِ ـ وَالطَّمَعُ فَحْلُ العُيُوْبِ ـ طَلَبَ أَنْ تُضَافَ سَنَوَاتُ عُمُرِ الحِمَارِ المُتَنَازِلِ عَنْهَا إِلَى عُمْرِهِ ؛ فَأُجِيْبَ لَهُ طَلَبُهُ . ثُمَّ إِنَّ الكَلْبَ مِنْ جَانِبِهِ طَلَبَ أَنْ يَكُوْنَ عُمُرُهُ عِشْرِيْنَ سَنَةً ؛ لأَنَّهُ لايَطِيْقُ أَنْ يَعِيْشَ سَاهِراً نَابِحاً جَارِياً أَرْبَعِيْنَ سَنَةً ؛ فَتَمَّ لَهُ ذَلِكَ . وَلِطَمَعِ الإِنْسَانِ ـ وَالطَّمَعُ فَحْلُ العُيُوْبِ ـ طَلَبَ أَنْ تُضَافَ سَنَوَاتُ عُمْرِ الكَلْبِ المُتَنَازِلِ عَنْهَا إِلَى عُمُرِهِ ؛ فَاسْتُجِيْبَ لَهُ . كَذَلِكَ تَنَازَلَ القِرْدُ عَنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ ؛ لأَنَّهُ لَنْ يَصْبِرَعَلَى أَرْبَعِيْنَ سَنَةً مِنَ التَّعَلُّقِ بِفُرُوْعِ الأَشْجَارِ وَوَخْزِ الشَّوْكِ وَأَذَى الإِنْسَانِ ؛ فَلمْ يُرْفَضْ طَلَبُهُ . وَلِطَمَعِ الإِنْسَانِ ـ وَالطَّمَعُ فَحْلُ العُيُوْبِ ـ طَلَبَ أَنْ تُضَافَ سَنَوَاتُ عُمْرِ القِرْدِ المُتَنَازِلِ عَنْهَا إِلَى عُمُرِه ؛ فَقُبِلَ طَلَبُهُ . وَهَكَذَا نَرَى الإِنْسَانَ بَعْدَ أَنْ ينَْتَهِىَ أَجَلُهُ الَّذِى قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ ؛ وَهُوَ أَرْبَعُوْنَ سَنَةً كَمَا تَقُوْلُ الأُسْطُوْرَةُ ؛ يَعْمَلُ حَتَّى السِّتِّيْنَ بِقُوَّةٍ لاوَهْنَ فِيْهَا ؛ لأَنَّهُ يَعْمَلُ بِسَنَوَاتِ عُمْرِ الحِمَارِ الَّتِى تَنَازَلَ عَنْهَا . وَمِنْ سِنِّ السِّتِّيْنَ حَتَّى سِنِّ الثَّمَانِيْنَ يَنْبَحُ الإِنْسَانُ مِثْلُ الكَلْبِ ؛ لأَنَّهُ يَعِيْشُ فِى سَنَوَاتِ عُمُرِ الكَلْبِ الَّتِى تَنَازَلَ عَنْهَا . وَمِنْ سِنِّ الثَّمَانِيْنَ حَتَّى سِنِّ المِائَةِ يَكُوْنُ الإِنْسَانُ عُرْضَةً لِتَسْلِيَةِ النَّاسِ وَالضَّحِكِ مِنْهُ وَمِنْ مَنْظَرِهِ ؛ لأَنَّهُ يَعِيْشُ فى سَنَوَاتِ عُمْرِ القِرْدِ الَّتِى تَنَازَلَ عَنْهَا . مِنْ ذَلِكَ نَرَى أَنَّ الحِمَارَ وَالكَلْبَ وَالقِرْدَ أَكْيَسُ مِنَ الإِنْسَانِ ؛ عِنْدَمَا تَنَازَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ نِصْفِ عُمُرِهِ .
رُضْوَان(1) : إِذَنْ أَنْتَ تَعْتَقِدُ أَنَّ عَمِّى النُّعْمَان يَعِيْشُ الآنَ فِى عُمْرِ القِرْدِ ؛ أَلَيْسَ كذَلِكَ؟
هُنَا تَصَدَّى لِلحَدِيْثِ الرَّشِيْد وَدّالتُّهَامِى المَعْرُوْفُ بِـ (وَدْ عُوْدالفَاس) ؛ الَّذِى خَرَجَ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى مُعْدَماً وَعَادَ إِلَيْهِ وَفِى نَبَرَاتِهِ رَائِحَةُ البِتْرُوْلِ ؛ وَفِى مَلابِسِهِ إِنْسَانٌ آخَرُ :
ـ عَمِّى الخَبِيْر بِسَرْدِهِ لأُسْطُوْرَةِ الحِمَارِ وَالكَلْبِ وَالقِرْدِ وَالإِنْسَانِ ؛ يَقْصِدُ أَنَّ ــــــــــ
(1) العَامَّةُ يَنْطِقُوْنَ (رِضْوَانَ) بِالرَّاءِ مَضْمُوْمَةً بَدَلاً مِنْ كَسْرِهَا . المُؤَلِّف .
عَمِّى النُّعْمان رَجُلٌ وَإِنْ تَقَدَّمَ بِهِ العُمْرُ . وَالرَّجُلُ يُهِمُّهُ أَنْ يَكُوْنَ سِرْوَالُهُ سَالِماً مِنْ قُبُلٍ وَمِنْ دُبُرٍ ؛ وَلاشَىْءَ وَرَاءَ ذَلِكَ وَلاأَمَامَهُ .
حاج الرَّضِى : صَدَقْتَ . وَلأَنَّ حاج النُّعْمَان رَجُلٌ ؛ فَهُوَ لايَهْتَمُّ إِلاَّ بِالمَرْأَةِ . وَدّالعَالْيَابِى : أَتَعْنِى أَنَّهُ لايَهْتَمُّ إِلاَّ بِالزَّوَاجِ؟
حاج الرَّضِى: أَجَل .
عبدالعَاطِى : عَمِّى النُّعْمَان رَجُلٌ قَدَّتِ الأَيَّامُ سَرَاوِيْلَهُ مِنْ قُبُلٍ وَمِنْ دُبُرٍ .. يَبْدَأُ الهَرَمُ فِى الرَّجُلِ مُنْذُ بُلُوْغِهِ سِنَّ الأَرْبَعِيْنَ .. يَهْرَمُ عَقْلُهُ ؛ ثُمَّ يَنْتَقِلُ الهَرَمُ إِلَى قَلْبِهِ فَسِرْوَالِهِ .
حاج الرَّضِى : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْن .
قَالَ حاج الرَّضِى ذَلِكَ بِنَبْرَةِ مِنْ لايَتَدَبَّرُ كِتَابَ اللَّهِ العَزِيْزِ . إِنَّهُ نَفْسُ حاج الرَّضِى الَّذِى تَهَدَّلَتْ بِدَاخِلِهِ أَشْيَاءُ كَثِيْرَةٌ ؛ لَيْسَ مِنْ بَيْنِهَا عِشْقُ الحَيَاةِ . حاج الخَبِيْر : المَرْأَةُ تَهْرَمُ مِنْ وَجْهِهَا وَالرَّجُلُ يَهْرَمُ مِنْ سِرْوَالِهِ ؛ وَبَعْضُ السَّرَاوِيْلِ أَجْمَلُ مِنْ بَعْضِ الوُجُوْهِ .
حاج الرَّضِى : صَدَقْتَ يَاحاج الخَبِيْر ؛ سَرَاوِيْلُنَا أَجْمَلُ كَثِيْراً مِنْ وُجُوْهِ نِسَائِنَا .. نِسَاؤُنَا صِرْنَ عَجَائِزَ ؛ وَحَالُنُا حَالُ مِنْ يَسْقِى التِّبْنَ عَلَى أَمَلِ أَنْ يَحْصِدَ مِنْهُ القَمْحَ .
حَاج الفَكِى : رَحِمَ اللَّهُ القَمْحَ .
عبدالعَاطِى : بَلْ رَحِمَنَا اللَّهُ وَرَحِمَ نِسَاءَنَا وَرَحِمَ التِّبْنَ .
وَدّالعَالْيَابِى : بَلْ رَحِمَ اللَّهُ قُوْزْ قُرَافِى ؛ الَّذِى جَعَلَ الفَيْضَانُ أَهْلَهُ يَحْمِلُوْنَ فِى رُؤُوْسِهِمْ كُلَّ هَذِهِ الأَفْكَارِ المَسْمُوْمَةِ ؛ وَيُنَاقِشُوْنَ مَسَائِلَ مَاكَانُوا يَلْتَفِتُوْنَ إِلَيْهَا مِنْ قَبْلُ . قَاتَلَ اللَّهُ الفَرَاغَ الَّذِى وَجَدَ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى أَنْفُسَهُمْ فِيْهِ؛ فَكَثُرَ بَيْنَهُمُ الجَدَلُ وَقَلَّ العَمَلُ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : بَلْ رَحِمَ اللَّهُ المَاءَ الَّذِى لايَسِيْرُ فِى جَدَاوِلِهِ ؛ أوِ الَّذِى تَكْرَهُهُ الجَدَاوِلُ .
مِيْرْغَنِى : رَحِمَنَا اللَّهُ جَمِيْعاً وَرَحِمَ الجَدَاوِلَ ؛ وَرَحِمَ مَعَنَا النِّيْلَ وَالمَطَرَ وَالسَّحَابَ وَأَبُورِغيْوَة . السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .
قالَ مِيْرْغَنِى ذَلِكَ وَنَهَضَ مُسْرِعاً إِلَى بَيْتِهِ وَقَدْ بَدَأَتِ الأَنْسَامُ تَهُبُّ عَلِيْلَةً ؛ فَلَمْ يَسْمَعْ بَقِيَّةَ الأُنْسِ ..
حاج الخَبِيْر : يَاحاج الرَّضِى المَرْأَةُ مِثْلُ المِرْآة .. المِرْآةُ تَظْهَرُ عَلَيْهَا صُوْرَةَ مِنْ يَنْظُرُ فِيْهَا ؛ حَتَّى إِنْ كَانَ قَاتِلَ صَاحِبِهَا .
وَدّالبَاشْكَاتِب : وَحَتَّى فِى المِرْآةِ يُوْجَدُ مِنْ يُعَكِّرُ مِزَاجَكَ ؛ فَبَيْنَمَا تَكُوْنُ مُسْتَمْتِعاً بِتَأَمُّلِ صُوْرَتِكَ فِى المِرْآةِ وَقَدْ خَلا لَكَ المَكَانُ ؛ يَدِبُّ مِنْ وَرَائِكَ مَنْ تَكْرَهُ ؛ وَفَجْأَةً تَظْهَرُ صُوْرَتُهُ مَعَ صُوْرَتِكَ فِى المِرْآةِ ؛ فَلا تَمْلِكُ إِلاَّ أَنْ تُلْقِىَ بِالمِرْآةِ أَرْضاً وأَنْتَ تَلْعَنُ كُلَّ أَجْيَالِ المَرَايَا .
ضَمْرَة : الوَيْلُ لِلمَرْأَةِ وَالمِرْآةِ فِى قُوْزْ قُرَافِى .
رُضْوَان : صَدَقْتَ . المَرْأَةُ فِى قُوْزْ قُرَافِى مَقْهُوْرَة ؛ والمِرْآةُ مَظْلُوْمَة . وَدّالعَالْيَابِى : ادْخُلْ أَىَّ بَيْتٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى ..لا بُدَّ أَنْ تَجِدَ فِيْهِ مُصْحَفاً وَمِرْآةً ؛ لايَشُذُّ عَنْ ذَلِكَ بَيْتٌ وَاحِدٌ . هَكَذَا حَالُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى .. صَاحِبُ الوَجْهِ البَشِعِ يَمْلِكُ مِرْآةً ؛ وَيَحْتَفِظُ بِمُصْحَفٍ مَنْ لايَحْمِلُ قَلْباً جَمِيْلاً . عبدالعَاطِى : النِّفَاقُ مَوْجُوْدٌ فِى القُلُوْبِ قَبْلَ أَنْ تُوْجَدَ المَصَاحِفُ . لَيْتَ النُّفُوْسَ تَظْهَرُ عَلَى المَرَايَا ؛ إِذَنْ لَمَا نَظَرَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى فِى مِرْآةٍ .
حاج الصَّافِى : حَمَانَا اللَّهُ مِنَ القُبْحِ وَضَعْفِ الإِيْمَانِ .
وَدّالعَالْيَابِى : لاتُتْعِبْ نَفْسَكَ؛ فَهَذَا دُعَاءٌ لايُسْتَجَابُ لأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى. حاج الصَّافِى : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ غَيْرِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى وَأَجِبْ دُعَائِى .
ضَمْرَة : وَلَكِنْ هَلْ يَنْطَبِقُ حَدِيثُكُمْ عَنِ النِّسَاءِ عَلَى الخَوَاجِيَّة لَيْلَى عِبيْد؟ وَدّالعَالْيَابِى : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الخَوَاجَات .
حاج الدُّسُوقِى : مَالَنَا وَللِخَوَاجَات ؛ فَهَؤُلاءِ قُوْمٌ لَهُمْ دِيْنُهُمْ وَلَنَا دِيْن .
حاج الصَّافِى : الخَوَاجَات يَتَعَشَّوْنَ وَيَبِيْتُ ضَيْفُهُمْ مِنْ غَيْرِ عَشَاءٍ . وَدّالبَاشْكَاتِب : لَعَلَّ العَيْبَ لَيْسَ فِيْهِمْ بِقَدْرِمَاهُوَ فِى ضُيُوْفِهِمْ .ِ
حاج الدُّسُوْقِى : نَعُوْذُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّيْلِ الطَّوِيْلِ وَالضَّيْفِ الثَّقِيْلِ .
قَالَ حاج الدُّسُوْقِى ذَلِكَ بِطَرِيْقَةِ مَنْ لَوْكَانَ الوَقْتُ نَهَاراً ؛ لَهَشَّ بِيَدَيْهِ ذُبَابَةً سَمِيْنَةً مِنَ أَمَامِ عَيْنَيْهِ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : أَنْتُمْ أُنَاسٌ لايَنْفَعُ فِيْكُمُ المَعْرُوفُ . هَلِ الحُكُوْمَةُ هِىَ الَّتِى تَعَشَّيْتُمْ مِنْ إِغَاثَتِهَا هَذَهِ اللَّيْلَة ؛ أَمِ الخَوَاجِيَّة؟ مَنْ غَيْرُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى يَأْكُلُ الوَجَبَاتِ الثَّلاثَ فِى هَذِهِ الأَيَّامِ؟ الطَّائِرَاتُ الضَّخْمَةُ تَأْتِى بِالأَغْذِيَةِ مِنْ لنْدنَ ومِنْ كُلِّ أَنْحَاءِ العَالَمِ إِلَى الخُرْطُوْم ؛ وَمِنْهَا إِلَى مَرَوِىْ بِطَائِرَاتٍ أَصْغَرَ ؛ ثُمَّ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى بِالعَرَبَاتِ؛ مَنْ يَدْفَعُ أَجْرَ كُلِّ ذَلِكَ؟ هَلْ هِىَ الحُكُوْمَةُ أَمِ الخَوَاجِيَّة؟ مَنْ أَنْشَأَ بِقُوْزْ قُرَافِى مُسْتَشْفًى كَامِلاً ؛ لَمْ يَبْقَ سِوَى افْتِتَاحِهِ؟ مَنْ بَنَى بِقُوْزْ قُرَافِى مَدْرَسَتَيْنِ ثَانَوِيَّتَيْنِ وَزَوَّدَهُمَا بِكُلِّ شَىْءٍ ؛ حَتَّى بِالمُدَرِّسِيْنَ وَالكُتُبِ؟ أَهِىَ الحُكُوْمَةُ أَمِ الخَوَاجِيَّة؟ مَنْ سَيَبْنِى بِالحَجَرِ وَالأَسْمَنْتِ الرَّصِيْفَ بِطُوْلِ ِجُرُوْفِ قُوْزْ قُرَافِى؛ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ النِّيْلُ إِلَى مَجْرَاهُ الطَّبِيْعِىِّ؟ أَهِىَ الحُكُوْمَةُ أَمِ الخَوَاجِيَّة؟ مَنِ الَّذِى دَفَعَ التَّعْوِيْضَاتِ الَّتِى فَاقَتِ الوَصْفَ لِلمُتَضَرِّرِيْنَ فِى المَزَارِعِ وَالمَنَازِلِ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى؟ هَلْ هِىَ الحُكُوْمَةُ أَمِ الخَوَاجِيَّة؟ هَلْ زَارَكُمْ مَسْؤُوْلٌ وَاحِدٌ فِى مِحْنَتِكُمْ هَذِهِ ؛ أَمْ أَنَّ الخَوَاجِيَّةَ هِىَ أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ قُوْزْ قُرَافِى بَعْدَ أَنْ وَقَعَتِ الكَارِثَة؟ بَيْنَمَا أَبْنَاؤُكُمُ المِنْتَشِرُوْنَ فِى كُلِّ أَنْحَاءِ الوَطَنِ لَمْ يَسْأَلُوا حَتَّى عَنْ صِحَّتِكُمْ . ثُمَّ تأْتِى أَنْتَ يَاإِنْسَانَ قُوْزْ قُرَافِى يَاإِنْسَانَ القَرْنِ العِشْرِيْنَ ؛ وَلَكِنْ قَبْلَ المِيْلادِ ؛ لِتَسْأَلَ بِكلِّ هَزَائِمِ الإِنْسَانِ عَلَى مَرِّ الدُّهُوْرِ : (بَعْدَ مَاذَا تَجِىءُ الخَوَاجِيَّةُ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى؟ أَبَعْدَ أَنْ أَكَلَ الحَمَامُ القَمْحَ؟) قَلِيْلٌ مِنَ الحَيَاءِ يَاأَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى . وَإِنْ كُنْتُمْ لاتَسْتَطِيْعُوْنَ الحَيَاءَ؛ أَوْعَلَى الأَقَلِّ لاتَرْغَبُوْنَ فِيْهِ ؛ فَلِمَ لاتَتْرُكُوْنِى أَخْجَلُ إِنَابَةً عَنْكُمْ؟
سَمِعَ حاج الفَكِى قَوْلَ وَدّالبَاشْكَاتِب هَذا ؛ وفِى نَفْسِهِ قَالَ :"لَقَدْ صَدَقَ وَدّالبَاشْكَاتِب فِى كُلِّ مَاقَالَ ؛ ولَكِنَّ هَذِهِ الكَافِرَةَ أَغْنَى مِنْ حُكُوْمَتِنَا" . وَلَكِنْ مِنْ يَدْرِى ؛ فَقَدْ يُغَيِّرُ حاج الفَكِى رَأْيَهُ فِى دِيْنِ الخَوَاجِيَّةِ لَوِاسْتَمَعَ إِلَى الحِوَارِ القَصِيْرِ بَيْنَ المَامُوْنِ وبَيْنَهَا :
المَامُوْن : لَقَدْ عَرَفْنَا أَنَّكِ قَدْ حَجَجْتِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ .
الخَوَاجِيَّة : أَنَا أَحُجُّ فِى كُلِّ عَامٍ؛ مُنْذُ أَنْ غَادَرْتُ قُوْزْ قُرَافِى بَعْدَ أَنِ اعْتَنَقْتُ الإِسْلامَ . صَلَّى اللَّهُ عَلَى المُصْطَفَى وسَلَّم .. يَامَامُون : تِلْكَ أَمَاكِنُ طَاهِرَةٌ ؛ تُحِسُّ وَأَنْتَ فِيْهَا أَنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ وَرَاءَكَ الدُّنْيَا وَمَافِيْهَا ، وَسَكَنْتَ مَكَاناً أَرْحَبَ كَثِيْراً مِنَ الدُّنْيَا ؛ وَأَلاَّمَكَانَ أَضْيَقَ وَأَقْذَرَ مِنَ الدُّنْيَا . أَسْأَلُ اللَّهَ يَامَامُوْن أَنْ يُوَفِّقَنِى لأَحُجَّ فِى كُلِّ عَامٍ إِلَى أَنْ أَلْقَى وَجْهَهُ الكَرِيْمَ ؛ وَأَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنِى مِمَّنْ يُدْفَنُوْنَ فِى البَقِيْعِ .
|