عرض مشاركة واحدة
قديم 01-12-2005, 11:58 AM   #[29]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

ابْنُهَا : لاتَخَافِى عَلَىَّ يَاأُمِّى ؛ فَأَنَا مُنْتَشِرٌ دَاخِلَ عَقْلِى ونَفْسِى كَالسَّرَطَان . هِىَ : وَمَاذَا عَنْ جِسْمِكَ؟
هُوَ : جِسْمِى خَارِجَ اللُّعْبَةِ .
هِىَ : لاتَمْزَحْ يَاابْنِى .
هُوَ : المِزَاحُ تَفْرِضُهُ ظُرُوْفٌ ؛ وَالجِدُّ يَفْرِضُ نَفْسَهُ .
هِىَ : أَأَنْتَ جَادٌّ؟
هُوَ : لَقَدْ أَجَبْتُ عَنِ السُّؤَالِ ؛ وَلَنْ أُسَافِرَ مَعَكِ إِلَى لنْدنَ مُطْلَقاً .
هِىَ : أُوْه .. مِنْ أَىِّ دُنْيَا تَتَكَلَّمُ يَاابْنِى؟
المَامُوْن : اخْجَلْ مِنْ نَفْسِكَ يَاحَاتِم ؛ كَيَفَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ عَلَى أُمِّكَ؟
هُوَ (حَاتِم) : يَاعَمِّى المَامُوْن : حَتَّى المَصَارِيْنُ فِى البَطْنِ تَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهَا عِنْدَمَا تَتَعَارَك ؛ فَمَابَالُكَ بِالبَشَرِ؟ ثُمَّ إِنَّنَا لَمْ نَكُنْ نَتَعَارَكُ ؛ بَلْ كُنَّا نَتَفَاهَمُ بِطَرِيْقَةِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى .
ضَحِكَتِ الخَوَاجِيَّةُ وَهِىَ تُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهَا ؛ ثُمَّ قَالَتْ لِلمَامُوْنِ :
رُوْحُ هَذَا لَنْ تَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ ؛ إلاَّ بَعْدَ أَنْ يُغَيِّرَ عَقْلُهُ عَلَى الأَرْضِ حَقَائِقَ أَشْيَاءَ كَثِيْرَةٍ .
وَفِى نَفْسِهِ قَالَ المَامُوْنُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الخَوَاجِيَّةِ وَهِىَ تَضْحَكُ :"سُبْحَانَ اللَّه .. غَنِىٌّ يَضْحَكُ ضَحِكَ الفُقَرَاءِ!) وَقَدْ تَدَحْرَجَتْ فِى نَفْسِ المَامُوْنِ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَشْيَاءُ كَثِيْرَةٌ وَهُوَ يَهُبُّ وَاقِفاً ؛ فَقَدْ خَشِىَ أَنْ تَسْأَلَهُ الخَوَاجِيَّةُ عَنِ الجِيْلِ الحَدِيْثِ بِقُوْزْ قُرَافِى .. خَشِىَ أَنْ يُجِيْبَهَا لَقَدْ تَغَيَّرَ قُوْزْ قُرَافِى كَثِيْراً . لَقَدْ نَبَتَ فِيْهِ جِيْلٌ حَدِيْثٌ .. جِيْلٌ جَاهِلٌ لايُحِبُّ التَّعْلِيْمَ .. جِيْلٌ يَبْحَثُ عَنِ المَشَاكِلِ والمَتَاعِبِ والمَصَاعِب .. وَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا افْتَعَلْهَا) . لَقَدْ خَشِىَ المَامُوْنُ ذَلِكَ ؛ لِذَا هَبَّ وَاقِفاً وَمَالَبِثَ أَنْ أَخَذَ يَسِيْرُ سَرِيْعاً ؛ وَالخَوَاجِيَّةُ تَرْمُقُهُ لَحْظَةً ؛ وَتَرْمُقُ ابْنَهَا أُخْرَى . لَقَدْ خَشِىَ المَامُوْنُ فِى الحَقِيْقَةِ أَنْ يُشَوِّهَ فِى نَفْسِ الخَوَاجِيَّةِ ؛ الصُّوْرَةَ المُشْرِقَةَ لِقُوْزْ قُرَافِى الَّتِى مَازَالَتْ تَحْتَفِظُ بِهَا عَنْهُ .
ابْتَعَدَ المَامُوْنُ عَنِ الخَوَاجِيَّةِ وَابْنِهَا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ ذَاْكَ الحِوَارَ بَيْنَهُمَا ؛ لَكِنَّهُ بِالطَّبْعِ لَمْ يَشْهَدِ الحِوَارَ بَيْنَ حاج الدُّسُوْقِى إِسْمَاعِيْل وَبَرَكَات وَدّالنَّايِر . فَقَدْ وَقَفَ بَرَكَات وَدّالنَّايِرأَمَامَ حاج الدُّسُوْقِى كَسُوْءِ الخَاتِمَةِ حِيْنَ زَارَ المَقَابِرَ ؛ وَذَلِكَ فِى الوَقْتِ الَّذِى كَانَ حاج الدُّسُوْقِى يُخَاطِبُ فِيْهِ نَفْسَهُ :"سُبْحَانَ اللَّه .. أَصْحَابُ هَذِهِ القُبُوْرِأُنَاسٌ كَانُوا فِى الدُّنْيَا يَشْرَبُوْنَ بِجَدْوَلٍ وَاحِدٍ!" لَكِنَّ بَرَكَات وَدّالنَّايِر لَمْ يَتْرُكْهُ يَسْتَمْتِعُ بَحَدِيْثِهِ مَعَ نَفْسِهِ ؛ إِذْ فَاجَأَهُ وَسَطَ المَقَابِرِ ؛ وَهُوَالَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ مقَابِرَ تُوْر القُوْز عَالَمٌ زَاخِرٌ بِالحَيَاةِ ؛ فَاجَأَهُ قَائِلاً لَهُ :
ـ لَقَدْ ضَاعَ مِنِّى قَبْرُ أَبِى .. أَبِى مَاتَ قَبْلَ سِنِيْنَ قَلِيْلَةٍ لَكِنَّهَا طَوِيْلَةٌ ..هَلْ تَعْرِفُ قَبْرَ أَبِى يَاعَمِّى الدُّسُوْقِى؟
حاج الدُّسُوْقِى : أَبُوْكَ فِى حَيَاتِهِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ ؛ فَكَيْفَ يَعْرِفُ قَبْرَهُ أَحَدٌ وَهُوَ مَيِْتٌ؟
قَالَ حاج الدُّسُوْقِى ذَلِكَ وَضَحِكَ ضَحْكَةً طَوِيْلَةً ؛ وَحاج الدُّسُوْقِى إِنْسَانٌ تَحْرِصُ ضَحْكَتُهُ دَائِماً عَلَى أَنْ تَكَوْنَ أَكْبَرَ مِنَ المُنَاسَبَةِ الَّتِى فَجَّرَتْهَا .. كَانَتْ ضَحْكَتُهُ تُصِرُّ عَلَى إِحْرَاجِ فَمِهِ الَّذِى لايَتَّسِعُ لَهَا ؛ وَهُوَ الوَاسِعُ عَلَى عِلاَّتِهِ . نَظَرَ بَرَكَات وَدّالنَّايِر مَلِيّاً إِلَى حاج الدُّسُوْقِى بَعْدَ أَنْ أَنْهَى ضَحْكَتَهُ؛ وَقَالَ لَهُ : ـ كُنْتُ أُرِيْدُ زِيَارَةَ قَبْرَ أَبِى لأَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ لِمَنَامٍ رَأَيْتُهُ البَارِحَةَ .
حاج الدُّسُوْقِى : وَمَاذَا رَأَيْتَ؟
بَرَكَات : رَأَيْتُ أَبِى فِى المَنَامِ وَهُوَعَلَى أَحْسَنِ حَالٍ ؛ وَقَالَ لِى : (نَاس البَلَد هُنَا حَالَتهُمْ تَمَام التَّمَام ؛ إِلاَّ حاج إِسْمَاعِيْن فَهُوَ عُرْيَان) .
حاج الدُّسُوْقِى ؛ وَقَدْ وَضَعَ طَاقِيَّتَهُ عَلَى دَوْمَةِ رَأْسِهِ ؛ شَأْنُهُ حِيْنَ يُرِيْدُ أَنْ يَسْخَرَ : أَمَا تَرَكَ أَبُوْكَ الغِيْبَةَ وَهُوَ مَيْتٌ؟
وَفِى نَفْسِهِ قَالَ :"لَقَدْ كَانَ أَبُوْهُ وَهُوَ فِى الدُّنْيَا يُبْصِرُ بِعَيْنَيْهِ فَقَط ؛ أَمَّاالآنَ فَقَدْ صَارَ يَرَى بِكُلِّهِ . آهـ .. المَيِّتُ لَهُ قَبْرٌ وَاحِدٌ ؛ وَالحَىُّ دُرُوْبُهُ كَثِيْرَةٌ وَبُيُوْتُهُ كَثِيْرَةٌ . وَلِكنْ هَلْ وَصَلَ الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَغْتَابَ مَوْتَى قُوْزْ قُرَافِى بَعْضُهُمْ بَعْضاً؟" وَحِيْنَ نَظَرَ إِلَى القَرْيَةِ بَدَتْ لَهُ كَفَاجِرَةٍ اغْتَسَلَتْ لِتَوِّهَا غُسْلَ التَّوْبَةِ ؛ وَهُوَ مَازَاْلَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :"وَلَكِنْ يَاإِلَهِى! هَلْ صَحِيْحٌ أَنَّ أَبِى عُرْيَانُ فِى الآخِرَةِ دُوْنَ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى جَمِيْعاً؟"
لَمْ يَشْهَدِ المَامُوْنُ هَذَا الحِوَارَ وَلَكِنْ شَهِدَتْهُ مَقَابِرُ تُوْر القُوْز؛ وَشَهِدَتْ مَنْظَراً آخَرَ لَمْ يَشْهَدْهُ المَامُوْنُ أَيْضاً. فَقَدْ كَانَ أَحَدُ الشُّبَّانِ يَشُقُّ جَبَّانَةَ تُوْر القُوْز عَصْراً وَنَعْلَيْهِ فِى قَدَمَيْهِ فِى طَرِيْقِهِ إِلَى مِيْدَانِ الكُرَةِ ؛ لِيَشْهَدَ مُبَارَاةً فِى كُرَةِ القَدَمِ قَتْلاً لِلوَقْتِ . وَبِالطَّبْعِ لَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَى أَهْلِ الجَبَّانَةِ ؛ وَلَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ . لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ فَجْأَةً حِيْنَ رَأَى قُمْرِيَّتَيْنِ تَتَعَارَكَانِ عِنْدَ أَحَدِ القُبُوْرِ بِأَجْنِحَتِهِمَا وَأَرْجُلِهِمَا وَمِنْقَارَيْهِمَا عِرَاكاً ضَارِيًا ؛ ثُمَّ تَتَوَقَّفَانِ هُنَيْهَةً لِتَعُوْدَا إِلَى العِرَاكِ مَرَّةً أُخْرَى. أَتُرَى العِرَاكَ بِسَبَبِ الأُنْثَى بَيْنَ ذَكَرَىِّ قُمْرِى؟رُبَّمَا.. وَرُبَّمَا القُمْرِيَّتَانِ أُنْثَيَانِ.. رُبَّمَا عِرَاكُهُمَا بِسَبَبِ الغَيْرَةِ الَّتِى فَجَّرَهَا أَحَدُ ذُكُوْرِ القُمْرِى .. بَلْ رُبَّمَا القُمْرِيَّتَانِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى؛ وَعِرَاكُهُمَا لأَسْبَابٍ أُخْرَى. لَكِنَّ الشَّابَّ حِيْنَ رَكَّزَ بَصَرَهُ عَلَى القُمْرِيَّتَيْنِ تَكَشَّفَتْ لَهُ الحَقِيْقَةُ ؛ فَلَوْنُ إِحْدَى القُمْرِيَّتَيْنِ بُنِّىٌّ كَسَائِرِ لَوْنِ القُمْرِى ؛ وَلَوْنُ الأُخْرَى ـ لِدَهْشَتِهِ ـ كَانَ أَزْرَقَ كَأَعَيُنِ الخَوَاجَات! فَمَا كَانَ مِنَ الشَّابِّ إِلاَّ أَنْ طَرَدَ بِيَدَيْهِ القُمْرِيَّتَيْنِ ؛ فَطَارَتِ البُنِّيَّةُ مِنْهُمَا نَحْوَ القَرْيَةِ ؛ بَيْنَمَا حَطَّتِ الزَّرْقَاءُ ـ الخَضْرَاءُ بِلِسَانِ العَامَّةِ ـ عَلَى شَاهِدٍ مِنَ الأَسْمَنْتِ مُثَبَّتٍ عِنْدَ قَبْرٍ بَعِيْدٍ عَنْ مَكَانِ عِرَاكِهِمَا ؛ وَهِىَ تَنْظُرُ بَعِيْداً وَكَأَنَّهَا قَدْ قَرَّرَتْ مُغَادَرَةَ المَنْطِقَةِ ؛وَفِى نَظْرَتِهَا سُؤَالٌ وَاضِحٌ: (كَيْفَ يَكُوْنُ حَالُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ وَقَمَارِيُّهُ تُقَاتِلُ بِسَبَبِ اللَّوْنِ؟) حِيْنَذَاكَ رُبَّمَا أَدْرَكَ الشَّابُّ أَنَّ القُمْرِيَّةَ البُنِّيَّةَ لَمْ تَكُنْ تُقَاتِلُ كَقُمْرِيَّةٍ لِمَسْأَلَةٍ شَخْصِيَّةٍ بَحْتَةٍ ؛ وَإِنَّمَا فِى الحَقِيْقَةِ كَانَتْ تُقَاتِلُ اللَّوْنَ المُخْتَلِفَ عَنْ لَوْنِ قُمْرِى قُوْزْ قُرَافِى . هَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ يَنْسَحِبُ عَلَى أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى فِى كُلِّ مَايَشُذُّ عَمَّا تَوَاضَعُوا عَلَيْهِ ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا الشُّذُوْذُ هُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ وَمَاتَوَاضَعُوا عَلَيْهِ هُوَ عَيْنُ الخَطَأِ. لَوْكَانَ المَامُوْنُ مَكَانَ ذَاْكَ الشَّابِّ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ ؛ يَنْظُرُ إِلَى القُمْرِيَّةِ الوَاقِفَةِ عَلَى شَاهِدِ الأَسْمَنْتِ المُثَّبَتِ عِنْدَ أَحَدِ القُبُوْرِ؛ لَقَالَ بِعَفَوِيَّةٍ: (صَدَقَتِ الخَوَاجِيَّةُ حِيْنَ قَالَتْ: < لَوْكَانَتْ قَرْيَةُ قُوْزْ قُرَافِى إِحْدَى مُقَاطَعَاتِ بِرِيْطَانيَا؛ لَكَانَ سُكَّانُهَا جَمِيْعاً مِنْ أَعْضَاءِ حِزْبِ المُحَافِظِيْنَ المُلْتَزِمِيْنَ>). لَكِنَّ لأَنَّ ذَاْكَ الشَّابَّ لَمْ يَكُنِ المَامَوْنَ؛ فَلَمْ يُكَلِّفْ نَفْسَهُ حَتَّى عَنَاءَ قِرَاءَةِ لَوْحَةِ الحَدِيْدِ الَّتِى كَانَتِ القُمْرِيَّتَانِ تَتَعَارَكَانِ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا.. اللَّوْحَةِ الَّتِى تَحْمِلُ عِبَارَةَ هُنَا يَرْقُدُ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ الَّذِى أَنْصَفَ الحَيَاةَ وَلَمْ يُنْصِفْهُ المَوْت) . لَمْ يُكَلِّفِ الشَّابُّ نَفْسَهُ عَنَاءَ قِرَاءَةِ هَذِهِ العِبَارَةِ ؛ وَمَضَى يَشُقُّ طَرِيْقَهُ فَوْقَ قُبُوْرِِ جَبَّانَةِ تُوْر القُوْز ؛وَهُوَ يُغَنِّى وَيُصَفِّرُ بِشَفَتَيْهِ لَحْناً رَاقِصاً ؛ ثُمَّ بَالَ بِنَهْمٍ عَلَى أَحَدِ القُبُوْرِ وَهُوَ يَقِفُ عَلَى رُؤُوْسِ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ بِدَاخِلِ نَعْلَيْهِ . لَمْ يَشْهَدِ المَامُوْنُ ذَاْكَ الشَّابَّ وَاقِفاً يَبُوْلُ عَلَى القَبْرِ كَالشَجَرَةِ المَلْعُوْنَةِ فِى القُرْآنِ .. كَشَىْءٍ لايُمْكِنُ وَصْفُهُ . لَوْقُدِّرِ لِلمَامُوْنِ أَنْ يَشْهَدَ ذَاْكَ المَنْظَرَ ؛ لَتَسَاءَلَ فِى نَفْسِهِ :"أَىُّ جِيْلٍ هَذَا الَّذِى نَبَتَ كَمَا تَنْبُتُ أَشْجَارُ الخَشْخَاشِ؟" غَيْرَ أَنَّ المَامُوْنَ لَمْ يَشْهَدِ المَنْظَرَ ؛ وَلَمْ يَشْهَدْ أَيْضاً عَمَّهُ النُّعْمَانَ فِى صَبَاحِ ذَاْكَ اليَوْمِ وَهُوَ يُخْرِجُ مِنْ جَيْبِهِ كِيْساً صَغِيْراً مِنَ القُمَاشِ وَيَحِلُّ عُقْدَةَ فَمِهِ ؛ وَيَصُبُّ مِنْهُ عَلَى رَاحَةِ يَدِهِ العَرِيْضَةِ حُبُوْباً مِنَ الذُّرَةِ نَثَرَهَا عَلَى تُرَابِ القَبْرِ ؛ وَمِنْ إِبْرِيْقِهِ مَلأَ إِنَاءَ نُحَاسٍ صَغِيْراً مَاءً ؛ فَكَانَ مَاكَانَ مِنْ عِرَاكِ القُمْرِيَّتَيْنِ بِسَبَبِ اللَّوْنِ المُخْتَلِفِ ؛ إِذْ مَاجَمَعَهُمَا عِنْدَ قَبْرِ حَسُّوْنٍ إِلاَّ حُبُوْبُ الذُّرَةِ تِلْكَ . وَلَكِنْ أَتُرَى عِرَاكَ البَشَرِ فِى كُلِّ نَوَاحِى الدُّنْيَا ـ كَعِرَاكِ القُمْرِىـ هُوَ بَسَبَبِ اللَّوْنِ؟ أَمْ بِسَبَبِ لُقْمَةِ العَيْشِ؟ أَمْ بِسَبَبِ الاثْنَيْنِ مَعاً؟ أَمْ هُوَ ـ كَعِرَاكِ القُمْرِى أَيْضاً ـ لأَسْبَابٍ أُخْرَى ؛ إِضَافَةً إِلَى هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ؟
هَاقَدْ وَصَلَ الشَّابُّ إِلَى مِيْدَانِ الكُرَةِ ؛ وَقَدْ جَلَسَ النَّاسُ فِى فِنَاءِ الجَامِعِ يَتَآنَسُوْنَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ ..
حاج الصَّافِى : يَاجَمَاعَة كُلُّ شَىْءٍ فِى الدُّنْيَا تَغَيَّر .. فَقَدْ كُنْتُ أَجْلِسُ لِلغَدَاءِ فِى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الفِطْرِ ؛ فَقَفَزَتْ دَجَاجَةٌ وخَطَفَتِ اللُّقْمَةَ مِنْ يَدِى .
حاج الرَّضِى : هَذِهِ الدَّجَاجَةُ عَدِيْمَةُ حَيَاءٍ .
حاج الفَكِى : بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالجَنَّة يَاحاج الصَّافِى ؛ الحَيَاءُ نُزِعَ مِنَ النَّاسِ فَكَيْفَ نُطَالِبُ بِهِ الدَّجَاجَ؟ الحَيَاءُ يَاجِيْلَ الحَيَاءِ رُفِعَ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ . لَوْ قُدِّرَ لِحاج الفَكِى أَنْ يَنْظُرَ فِى مِرْآةٍ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ ؛ لَبَدَا لَهُ وَجْهُهُ كَوَجْهِ مَنْ جُرِّدَ مِنْ مَلابِسِهِ قِطْعَةً قِطْعَةً أَمَامَ بَنَاتِهِ ؛ وَأُرْغِمَ عَلَى الوُقُوْفِ أَمَامَهُنَّ عُرْيَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .. وَإِنَّ بَنَاتِهُ جَمِيْعاً لَمُبْصِرَات ؛ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ عَمْيَاءُ وَلاحَتَّى حَوْصَاءُ وَاحِدَة . هَكَذَا كَانَ سَيَبْدُو وَجْهُ حَاج الفَكِى لَوْ قُدِّرَ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِى مِرْآةٍ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ؛ وَلَمَّا كَانَ هَذَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ فَقَدِ اسْتَمَعَ بَعْدَ قَلِيْلٍ إِلَى حاج الخَبِيْر :
ـ حَقِيْقَة الجُوْعُ يُسْقِطُ الحَيَاءَ . عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذِهِ الدَّجَاجَةُ أَكْثَرُ حَيَاءً مِنْ بَعْضِ البَشَر .
حاج الخَلِيْفَة : بَلْ مِنْ أَغْلَبِ البَشَر .
حاج الرَّضِى : لَقَدْ ظَلَمْتُمُ البَشَر .
صِبيْر : بَلِ الدَّجَاجُ هُوَ المَظْلُوْم .
حاج الفَكِى كُلُّ شَىْءٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى تَغَيَّر؛ حَتَّى الدَّجَاجُ أَصْبَحَ لايَبِيْض . وِدَاعَة : يُكَاكِىءُ الدَّجَاجُ وَنَبِيْضُ نَحْنُ .
صِبيْر : الحَمْدُ للَّهِ الَّذِى لَمْ يَخْلُقْنِى دَجَاجَة.. لَوْكُنْتُ دَجَاجَةً مَابِضْتُ بَعْدَ البَيْضَةِ الأُوْلَى؛ رَغْمَ أُنُوْفِ كُلِّ الدَّيَكَةِ .
وَدّ البَاشْكَاتِب : رُبَّمَا كَانَ السَّبَبُ فِى عَدَمِ إِبَاضَةِ الدَّجَاجِ لَيْسَ لِعَيْبٍ فِيْهِ .. رُبَّمَا لِعَجْزٍ فِى الدَّيَكَةِ . لِمَاذَا تُحَمِّلُوْنَ الأُنْثَى كُلَّ عَجْزٍ؛ وَلاتَتَحَمَّلُوْنَ ـ مَعْشَر الرِّجَالِ ـ جُزْءاً مِنْهُ وَلَوْضَئِيلاً .
حاج الصَّافِى : الدَّيَكَةُ نَفْسُهَا فِى قُوْزْ قُرَافِى تَغَيَّرَت ؛ فالدِّيْكُ الَّذِى كُنَّا نَرَاهُ يُنَقِّبُ التُّرَابَ بِمِنْقَارِهِ ؛ وَحِيْنَ يَجِدُ الحَبَّ يُنَادِى عَلَى الدَّجَاجِ لِيَأْكُلَهُ وَلايُبْقِى لِنَفْسِهِ مِنْهُ شَيْئاً ؛ صِرْنَا نَرَاهُ الآنَ يَخْطَفُ الحَبَّةَ مِنْ مِنْقَارِ الدَّجَاجَة .
كَادَ صِبيْرٌ يَقُوْلُ لَهُمْ إِنَّ قَرْيَةَ قُوْزْ قُرَافِى قَدْ أَصْبَحَتِ الآنَ تَبْدُو كَأَرْضٍ لايَسْتَحِى أَهْلُهَا مِنْ أَهْلِ سَمَائِهَا.. أَهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ أَصْبَحُوا لايَسْتَحُوْنَ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْضاً؛ وَهُمْ يَرْتَكِبُوْنَ عَلَناً أَقْبَحَ المُنْكَرَاتِ) كَادَ صِبيْرٌ يَقُوْلُ لَهُمْ ذَلِكَ ؛ لَوْلا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُوْنَ أَنَّ الحَيَاءَ قَدْ أَصْبَحَ شَيْئاً لاوُجُوْدَ لَهُ فِى هَذَا الزَّمَنِ الأَرْعَنِ . كَادَ صِبيْرٌ يَقُوْلُ لَهُمْ ذَلِكَ ؛ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى وَدّالعَالْيَابِى : ـ يَاعَمِّى الصَّافِى : أَنْتَ صِرْتَ لاتَرَى الدُّنْيَا ؛ إِلاَّ كَمَا يَرَاهَا دِيْكٌ مُعَلَّقٌ مِنْ رِجْلَيْهِ .
عِنْدَئِذٍ أَحَسَّ صِبيْرٌ وَكَأَنَّ دِيْكاً قَدْ نَقَرَهُ فِى إِنْسَانَىِّ عَيْنَيْهِ حَتَّى أَدْمَاهُمَا ؛ فَأَدْرَكَ قِيْمَةَ عَيْنَيْهِ ؛ وَفِى سِرِّهِ قَالَ :"سُبْحَانَ اللَّه .. تَفْكِيْرُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى أَصْبَحَ تَفْكِيْرَ دِيْكٍ مُعَلِّقٍ مِنْ رِجْلَيْهِ . أَنَا نَفْسِى صِرْتُ لاأُفَكِّرُ إِلاَّ كَمَا يُفَكِّرُ القَمْلُ؛ والقَمْلُ لاهَمَّ لَهُ سِوَى مَصِّ دِمَاءِ النَّاسِ ؛ لَكِنَّنِى لَمْ أَمُصَّ سِوَى دَمِى". قَاَلَ صِبيْرٌ ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى حاج الخَلِيْفَة الَّذِى قَالَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ ؛ وَهُوَ يَنْظُرُ بِحِدَّةٍ إِلَى لِحْيَةِ بَرَكَات وَدّالنَّايِر:
ـ كُلُّ شَىْءٍ فِى الدُّنْيَا أَصْبَحَ مَقْلُوْباً . لَقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَقْوَى جُنْدِهِ .. سَلَّطَ عَلَيْنَا الرِّيَاحَ السَّنَةَ كُلَّهَا .
عبدالعَاطِى : مَاذَا تَقْصِدُ يَاعَمِّى الخَلِيْفَة؟ هَلْ تَقْصِدُ أَنَّ الرِّيَاحَ لاتَأْتِى إِلاَّ عَلَى حَسَبِ مَافِى القُلُوْبِ مِنْ مَفَاسِدَ؟ هَلْ تَقْصِدُ أَنَّ قُلُوْبَ أهْلِ قُوْزْ قُرَافِى هِىَ أَقْذَرُ قُلُوْبِ أَهْلِ الأَرْضِ طُرّاً ؛ لِذَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيَاحَ؟
العَوَّام : عَمِّى الخَلِيْفَة يَعْنِى ذَلِكَ بِالضَّبْطِ .
حاج الرَّضِى : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا رَاجِعُوْن . إِنْ كَانَ حاج الخَلِيْفَة يَعْنِى ذَلِكَ فَقَدْ جَرَّدَ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى مِنْ أَىِّ قَدْرٍ مِنَ الإِيْمَانِ ؛ وَنَسَبَ إِلَى قُلُوْبِهِمْ كُلَّ القَاذُوْرَاتِ ؛ إِذْ مَاالَّذِى أَبْقَى لَهُمْ بِرَبِّكَ؟
فَرَح : مَاالفَرْقُ إِذَنْ بَيْنَ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى السَّابِقِيْنَ وَأَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى الحَالِيِّيْنَ؟
وَدّالعَالْيَابِى : كَانَ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى فِيْمَا مَضَى يَضْحَكُوْنَ مِنْ قُلُوْبِهِمْ ؛ أَمَّاأَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى الحَالِيِّيْنَ فَيَضْحَكُوْنَ بِشِفَاهِهِمْ .
عبدالعَاطِى : وَهَلْ كَانَتْ قُلُوْبُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى نَظِيْفَةً فِى زَمَنِ الإِمَامِ ؛ حَتَّى أَنَّ المَطَرَ كَانَ يَنْزِلُ مِدْرَاراً عَلَى القَرْيَةِ؟
حاج الخَبِيْر : المَطَرُ فِى ذَاْكَ الوَقْتِ كَانَ أَمْراً أَكْرَمَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى الإِمَامَ . حاج الصَّافِى : فِى الحَقِيْقَة الإِمَام اللَّهُ يَذْكُرُهُ بِالخَيْر ؛ رَجُلٌ قَذَفَ اللَّهُ مَحَبَّتَهُ فِى قُلُوْبِ النَّاسِ .. الإِمَامُ رَجُلٌ قَدَمُهُ لَيِّنَةٌ .
حاج الخَلِيْفَة : ذَلِكَ لأَنَّ قَلْبَهُ لَيْسَ كَقُلُوْبِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى . الإِمَامُ رَجُلٌ قَلْبُهُ أَبْيَضُ مِنْ لَبَنِ الشَّاةِ البِكْرِ .
صِبيْر : الشَّاةُ البِكْرُ! هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ نَسْمَعُ فِيْهَا بِشَىْءٍ مِثْلِ هَذَا . وَهَلْ مِنَ اللَّبَنِ مَاهُوَعَكِرٌ؟
حاج الخَلِيْفَة ؛ وَهُوَ مَازَالَ يُدِيْمُ النَّظَرَ إِلَى لِحْيَةِ بَرَكَات وَدّالنَّايِر : بَلْ هُنَاكَ مِنَ القُلُوْبِ مَاهُوَ فِى لَوْنِ البُنِّ المَقْلِىِّ .
بَرَكَات وَدّالنَّايِر : زَمَنُ الإِمَامِ زَمَنٌ وَهَذَا زَمَنٌ آخَرُ . تِلْكَ أُمَّةٌ خَلَتْ ؛ لَهَا مَاكَسَبَتْ وَعَلَيْكُمْ مَااكْتَسَبْتُمْ . صَدَقَ اللَّهُ العَظِيْم .
وَدّالبَاشْكَاتِب عَلَى مَضَضٍ : صَدَقَ اللَّهُ العَظِيْم .
وَفِى نَفْسِهِ قَالَ :" لَيْسَ فِى القُرْآنِ كُلِّهِ آيَةٌ فِيْهَا : ( وَعَلَيْكُمْ مَااكْتَسَبْتُمْ )" . كَانَ وَدّالبَاشْكَاتِب يَتَحَدَّثُ مَعَ نَفْسِهِ ؛ لِذَا لَـمْ يَسْمَعْ وَدّالعَالْيَابِى يَقُوْلُ :
ـ يَاجَمَاعَة الرَّحْمَةُ لاتَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ .. الرَّحْمَةُ تصْعَدُ مِنَ القُلُوْبِ فَتَتَقَبَّلُهَا السَّمَاءُ .
عبدالعَاطِى : وَالعِقَاب؟
وَدّالعَالْيَابِى : العِقَابُ سَبَبُهُ جُرْمٌ يَرْتَكِبُهُ البَشَرُ ؛ فَيُجْزِى عَنْهُ خَالِقُ البَشَرِ . لَمْ يَتْرُكْ رِضْوانُ مَجْلِسَ الأُنْسِ ذَاْكَ فِيْمَا هُوَ فِيْهِ ؛ فَقَدْ جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ مُسَاعِدِ الطَّبِيْبِ ؛ إِذْ أَنَّ عَقْرَباً قَدْ لَسَعَتِ المَنُوْفَلِى حَتَّى أَدْخَلَتْهُ فِى غَيْبُوْبَةٍ . نَظَرَ صِبيْرٌ إِلَى وَجْهِ رِضْوَانَ الَّذِى يَرْقُدُ عَلَيْهِ أَنْفٌ كَالضَّفْدِعَةِ ؛ وَسَأَلَ بِاسْتِغْرَابٍ :
ـ المَنُوْفَلِى لَدَغَتْهُ عَقْرَب؟!
رُضْوَان : نَعَمْ .
بَرَكَات وَدّالنَّايِر : هَذِهِ العَقْرَبُ سَيُؤْتِيْهَا اللَّهُ أَجْراً .
عبدالعَاطِى : وَهَلْ قَتَلُوْهَا؟



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس