عرض مشاركة واحدة
قديم 04-12-2005, 11:02 AM   #[36]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

وِدَاعَة : إِذَنِ الإِمَامُ أَحَدُ هَذَا القَرْنِ مِنْ بَنِى جِنْسِه ِ. وَبِمَا أَنَّهُ أَحَدٌ ؛ فَإِنَّ اللاَّأَحَدَ لايُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَهُ .. لايُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَهُ إِلاَّ أَحَدٌ مِثْلُهُ وَمِنْ بَنِى جِنْسِهِ فِى نَفْسِ قَرْنِهِ .
رُضْوَان : الإِمَامُ كَانَ يَبْحَثُ عَنَّا؛ وَبِدَوْرِنَا كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ أَنْفُسِنَا . وَدّالسَّخِى: الإِمَامُ غَادَرَ قُوْزْ قُرَافِى وَرَائِحَةُ الخَوَاجَاتِ مَاتَزَالُ تُعَسْكِرُ فِى أَنْفِهِ .. خَوَاجَات قُوْزْ قُرَافِى مِنْ أَمْثَالِ وَدّالبَاشْكَاتِب وَأَشْبَاهِهِ .
رُضْوَان : لاأَعْتَقِدُ أَنَّ فِى الأَمْرِ رَائِحَةَ خَوَاجَاتٍ وَلارَائِحَةَ زُنُوْجٍ ؛ كُلُّ مَافِى الأَمْرِ أَنَّ عَقْلَ الإِمَامِ البَاطِنِ تَمَرَّدَ عَلَى حَيَاتِهِ ؛ فَارْتَحَلَ بِجَسَدِهِ عَنْ قُوْزْ قُرَافِى .
يَبْدُو أَنَّ هَذَا الحِوَارَ لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِضْوَانَ كَافِياً لِلإِجَابَةِ عَنْ أَسْئِلَةٍ كَثِيْرَةٍ بِشَأْنِِ الإِمَامِ ؛ لِذَا كُنْتَ تَرَاهُ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلائِلَ يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ أَمَامَ شَيْخِنَا وَدْجَكُّوْم ؛ الَّذِى كَانَ يَجْلِسُ وَكَأَنَّهُ يُصْلِّى بِصَمْتٍ صَلاةً لارُكُوْعَ وَلاسُجُوْدَ لَهَا .. كَأَنَّهُ يُصَلِّى بِقَلْبِهِ . كَانَ شَيْخُنَا وَدْجَكُّوْم يَجْلِسُ عَلَى عَنْقَرَيْبٍ قَصِيْرِ الأَرْجُلِ ؛ وَقَدْ خَاطَبَ رِضْوَانَ بِتَوَاضُعِهِ الجَمِّ :
ـ قُمْ يَارِضْوَانُ مِنَ الأَرْضِ وَاجْلِسْ مَعِىَ عَلَى العَنْقَرِيْب ؛ وَإِلاَّ سَأَنْزِلُ وَأَجْلِسُ مَعَكَ عَلَى الأَرْضِ .
فَكَانَ أَنْ جَلَسَ رِضْوَانُ مَعَ شَيْخِنَا وَدْجَكُّوْم عَلَى العَنْقَرَيْبِ ؛ وَهُمَا يَبْدُوَانِ كَسَنَةٍ كَبِيْسَةٍ وَإِلَى جِوَارِهَا أُخْرَى بَسِيْطَة .. سَنَةٍ بَسِيْطَةٍ قَدْ تَكُوْنُ قَبْلَ الكَبِيْسَةِ مُبَاشَرَةً وَقَدْ تَجِىءُ بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً ؛ فَلامَعْنَى لِتَرْتِيْبِ الزَّمَنِ فِى ذَاكَ المَقَامِ . لَكِنَّ مَنْ يَرَاهُمَا عَلَى تِلْكَ الحَالِ يَجْلِسَانِ مُتَلاصِقَيْنِ ؛ يَشْعُرُ أَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَهُمَا جِدُّ وَاسِعَة ؛ وَشَيْخُنَا وَدْجَكُّوْم بِصَوْتِهِ الرَّخِيْمِ المُتَأَنِّى يَحْكِى لِرِضْوَانَ :
ـ (رَأَيْتُ فِى المَنَامِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ لِثَلاثَةِ أَسَابِيْعَ مُتَتَالِيَةٍ رُؤْيَا وَاحِدَة : النَّاسُ يَقِفُوْنَ لِلصَّلاةِ صُفُوْفاً وَهُمْ يَتِلَفَّتُوْنَ لِمَنْ يَؤُمُّهُمْ ؛ فَيَأْتِى الرَّسُوْلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وَهُوَ يُمْسِكُ بِيَمِيْنِهِ يَدَ الإِمَامِ وَيُقَدِّمُهُ لِلصَّلاةِ بِالنَّاسِ . حِيْنَذَاْكَ أَدْرَكْتُ أَنَّ نَجَاةَ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى سَتَكُوْنُ عَلَى يَدَىِّ ذَاْكَ الرَّجُلِ . وَفِى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ الرَّابِعَةِ سَمِعْتُ وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ هَاتِفاً يَقُوْلُ : < يَاوَدْ جَكُّوْم : قَدْ أَزِفَ الوَقْتُ .. يَاوَدْ جَكُّوْم : قَدْ حَانَ الخَلاصُ >؛ وَعِنْدَمَا نِمْتُ رَأَيْتُ الرَّسُوْلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَأْمُرُنِى بِالخُرُوْجِ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ بِالخَلاءِ عَلَى طَرِيْقِ اللَّوَارِى المُتَّجِهَةِ إِلَى أُمْدُرْمَان ؛ حَيْثُ سَأَلْتَقِى بِالإِمَامِ هُنَاكَ وَآتِى بِهِ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى ؛ فَعَلَى يَدَيْهِ سَيَقَعُ خَيْرٌ كَثِيْرٌ . فَمَا كَانَ مِنِّى بَعْدَ أَنِ اسْتَيْقَظْتُ مِنَ النَّوْمِ إِلاَّ أَنْ خَرَجْتُ إِلَى ذَاْكَ المَكَانِ بِالخَلاء . وَعِنْدَمَا وَقَعَتْ عَيْنَاىَ عَلَيْهِ فِى ذَاْكَ المَكَانِ وَقَدْ نَزَلَ لِحِيْنِهِ مِنْ أَحَدِ اللَّوَارِى ؛ عَرَفْتُهُ لِلتَّوِّ فَأَسْرَعْتُ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ؛ فَنَظَرَ مَلِيّاً فِى وَجْهِى وَسَأَلَنِى :<هَلْ تَعْرِفُ قُوْزْ قُرَافِى؟> فأَجَبْتُهُ بِأَنَّنِى مِنْ قُوْزْ قُرَافِى . فَقَالَ لِى وَالفَرَحُ يَمْلأُ عَيْنَيْهِ :<إِنَّ الرَّسُوْلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِى فِى المَنَامِ بِالذِّهَابِ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى ؛ وَأَنْ أَتَوَلَّى إِمَامَةَ أَهْلِهِ> . وَالَّذِى أُكْبِرُهُ فِى نَفْسِى أَنَّ الإِمَامَ قَالَ لِى فَجْأَةً وَبِاسْمِى :<هَلْ جِئْتَ يَاوَدْ جَكُّوْم لِتَسْتَلِمَ الأَمَانَة؟ أَنَا جَاهِزٌ وَسَأَذْهَبُ مَعَكَ>) .
خَرَجَ رِضْوَانُ مِنْ هَذَا الجَوِّ المُعَطَّرِ لِيَعُوْدَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى جَوِّ قُوْزْ قُرَافِى ؛ فَحِيْنَ كَانُوا يَجْلِسُوْنَ قَرِيْباً مِنَ الشَّارِعِ الرَّئِيْسِىِّ فِى ظِلِّ أَشْجَارِ حَوْشِ البِئْرِ الإِرْتِوَازِيَّةِ ؛ شَاهَدُوا وَدْ عُوْد الفَاس (الرَّشِيْد وَدّالتُّهَامِى) عَلَى البُعْدِ وَهُوَ مُقْبِلٌ نَحْوَهُمْ ؛ فَسَأَلَ وِدَاعَة :
ـ أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ ظِلُّ الشَّخْصِ أَجْمَلَ مِنْ صَاحِبِه؟ يَاإِلَهِى!
مَدَنِى وَدّالعَازَّة : قَبَّحَكَ اللَّهُ يَاوَدّالتُّهَامِى ؛ مَااَقْبَحَ خِلْقَتَكَ!
وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُوَاصِلَ أَكْثَرَ ؛ إِذْ سَمِعَ فِى أَعْمَاقِهِ صَوْتَ وَدّالبَاشْكَاتِب : (يَاخَالِقَ الأَشْيَاءِ الجَمِيْلَة : أَنْتَ خَلَقْتَنِى قَبِيْحاً؛ وَلَكِنْ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ الأَشْيَاءِ .. خَلَقْتَ نَفْسِى جَمِيْلَةً .. أَجْمَلَ مِنْ كُلِّ الأَشْيَاءِ المَحْسُوْسَة) . لَمْ يَسْتَطِعْ مَدَنِى وَدّالعَازَّة أَنْ يُوَاصِلَ ؛ فَتَوَلَّى العَوَّامُ عَنْهُ الأَمْرَ:
ـ الرَّشِيْد أَصْبَحَ كَذُبَابَةِ المَطَبَخِ ؛ لايَعِيْشُ إِلاَّ حَيْثُ الدَّسَمِ وَرَوَائِحِ القُدُوْرِ . صِبيْر : نَعُوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الرَّشِيْدِ الَّذِى يُشْبِهُ وَجْهُهُ الكِتَابَةَ بِاللُّغَةِ الصِّيْنِيَّة .. وَجْهٌ كَالطِّلْسَمِ لايَسْتَطِيْعُ أَحَدٌ قِرَاءَةَ أَعْمَاقِ صَاحِبِهِ . نَعُوْذُ بِاللَّهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَجِيْئُنَا فِى كُلِّ يَوْمٍ .. المَلارْيَا نَفْسُهَا لاتَجِىْءُ فِى كُلِّ يَوْمٍ . رُضْوَان : أَجَارَكَ اللَّهُ مِنَ المَلارْيَا .. المَلارْيَا لاتُفَارِقُنَا أَبَداً .. المَلارْيَا تَسْكُنُ أَجْسَامَنَا كَمَا تَسْكُنُهَا (الإِنْزِيْمَات) .
تَضَجَّرَ قَاسِمٌ فِى دَاخِلِهِ مِنْ كَلِمَةِ(الإِنْزِيْمَات) هَذَهِ الَّتِى لايَعْرِفُ مَعْنَاهَا ؛ وَالْتَفَتَ نَاحِيَةَ الرَّشِيْدِ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ؛ إِذْ يَبْدُو أَنَّهُ سَلَكَ طَرِيْقاً أُخْرَى بَعِيْداً عَنْهُمْ . لَكِنَّ حَدِيْثَهُمْ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيْقاً آخَرَ ..
المِيْجَر : لَقَدْ ذَهَبَتِ الحَيَاةُ فِى قُوْزْ قُرَافِى بِكُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ بِـ (الرُّوْدِشِيْن) . قَاسِم : وَمَاهُوَ(الرُّوْدِشِيْن)؟
العَوَّام : (الرُّوْدِشِيْن) أَيُّهَا المُثَقَّفُ المُغَفَّلُ هُوَ عِلاجُ المَلارْيَا .
صِبيْر : الرُّوْدِشِيْن نَفْسُهُ أَصَابَتْهُ المَلارْيَا فِى قُوْزْ قُرَافِى .
اسْتَغْرَبَ صِبيْرٌ مِنْ عَدَمِ إِصَابَةِ المَلارْيَا لِوَدّالبَاشْكَاتِب حَتَّى الآنَ ؛ لَكِنَّهُ اطْمَأَنَّ إِلَى إِجَابَةٍ وَجَدَهَا كَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا قِرْشاً عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيْقِ :"رُبَّمَا لَمْ تُصِبِ المَلارْيَا وَدّالبَاشْكَاتِب بِسَبَبِ أَفْكَارِهِ الغَرِيْبَةِ . آهـ .. هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُصِيْبَ المَلارْيَا نَفْسَهَا بِالمَلارْيَا؟ وَدّالبَاشْكَاتِب هُوَ المَلارْيَا الَّتِى تَخَافُهَا كُلُّ مَلارْيَا" . هَمَسَ صِبيْرٌ ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ ؛ وَقَدْ حَرَصَ أَلاَّ يَسْمَعَ الهَمْسُ صَوْتَ هَمْسِهِ هَذَا . لَكِنَّ هَمْسَهُ سَكَتَ فَجْأَةً وَصَاحِبُهُ يَرَى وَدّالصَّايِم يَقِفُ أَمَامَهُ كَغَضَبِ الوَالِدَيْنِ ؛ وَفِى رَأْسِهِ عَيْنَانِ كَثَقْبَيْنِ فِى قِرْبَةٍ نَاشِفَةٍ . كَادَ صِبيْرٌ يَقُوْلُ فِى نَفْسِهِ : ؛لَمْ أَرَ فِى حَيَاتِى وَجْهاً أَيْبَسَ مِنْ وَجْهِ وَدّالصَّايِم"؛ لَكِنَّ وَدّالصَّايِم بَادَرَهُمْ :
أَيْنَ المُسَاعِدُ الطِّبِّى؟ نُرِيْدُهُ سَرِيْعاً ؛ فَقَدْ شَجَّ وَدّالسَّخِى رَأْسَ بَرَكَات وَدّالنَّايِر شَجَّةً كَبِيْرَةً بِفَأْسٍ ؛ فِى نِزَاعٍ حَوْلَ حُدُوْدِ الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ الَّتِى مَحَاهَا الفَيَضَانُ .
لَكِنَّ أَحَداً لَمْ يُعِرْ حَدِيْثَهُ اهْتِمَاماً وَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ مِنْ مَكَانِهِ ؛ فَانْصَرَفَ وَدّالصَّايِم بِعَصَبِيَّةٍ . أَمَّا المِيْجَرُ فَقَدْ وَجَّهَ حَدِيْثَهُ إِلَى جَمَاعَتِهِ :
ـ سَتَظْهَرُ مَشَاكِلُ كَثِيْرَةٌ عِنْدَمَا تَجِفُّ كُلُّ الأَرْضِ ؛ فَالجُزْءُ البَسِيْطُ الَّذِى جَفَّ أَسَالَ الدَّمَ .
سَكَتَ الجَمِيْعُ لَحْظَةً وَهُمْ يَنْظُرُوْنَ إِلَى وَدّالبَاشْكَاتِب وَوَدّالعَالْيَابِى؛ اللَّذَيْنِ أَخَذَا مَكَانَيْهِمَا بِالمَجْلِسِ . لَكِنَّ الأُنْسَ مَالَبِثَ أَنِ اتَّصَلَ ..
صِبْير : أَعْتَقِدُ أَنَّ دُخُوْلَ بَرَكَات وَدّالنَّايِر فِى نِزَاعٍ عَلَى الأَرْضِ ؛ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ فِى حَدِّ ذَاتِهِ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ لاشَكَّ فِيْهِ .
وِدَاعَة : كَيْف؟
صِبيْر: أَلاتَتَذَكَّرُ حَدِيْثَ وَدّالبَاشْكَاتِب عَنْ نِزَاعَاتِ الرِّجَالِ عَلَى الأَرْضِ ؛ لأَنَّهُمْ أَسَاساً مِنْ تُرَابٍ؟
العَوَّام : لاأَعْتَقِدُ أَنَّ الأَمْرَ كَمَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ يَاصِبيْر ؛ وَلَكِنِّى أَعْتَقِدُ أَنَّ دُخُوْلَ بَرَكَات وَدّالنَّايِر فِى نِزَاعٍ عَلَى الأَرْضِ ؛ شَهَادَةٌ لاتُرَدُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى الأَصْلِيِّيْنَ .
وِدَاعَة : أَنَا لاأَلُوْمُ وَدّالسَّخِى عَلَى شَجِّهِ رَأْسَ بَرَكَات وَدّالنَّايِر ؛ لأَنَّنِى أَعْتَبِرُ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى جَمِيْعاً مِنَ القُصَّرِ .
وَدّالعَالْيَابِى :عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ مُجَرَّدَ وُجُوْدِ وَدّالنَّايِر بَيْنَنَا ؛ لايَعْنِى أَنَّهُ حَىٌّ . صِبيْر: فَلْنَفْتَرِضْ أَنَّ وَدّالنَّايِر قَدْ مَاتَ مِنْ هَذِهِ الضَّرْبَةِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يُنْقِصَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَاحِداً؛ وَلَنْ يَزِيْدَ أَهْلَ الآخِرَةِ وَاحِداً .
المِيْجَر : أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى مِثْلُ كِتَابِ اللَّهِ .. كِتَابُ اللَّهِ لايَزِيْدُ وَلايَنْقُصُ . فَرَح : حَقِيْقَة لَمْ نَسْمَعْ بِالقُرْآنِ زَادَ أَوْنَقَصَ آيَةً .
ضَمْرَة : يَجِبُ أَنْ تَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ؛ فَالقُرْآنُ سَيَظَلُّ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَطْوِىَ اللَّهُ الأَرْضَ بِمَنْ وَمَا عَلَيْهَا ؛ فَهَلْ سَيَظَلُّ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى هَكَذَا؟
(اسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيْم) ؛ عِبَارَةٌ نَطَقَهَا الجَمِيْعُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ ؛ إِلاَّ وَدّالبَاشْكَاتِب وَوَدّالعَالْيَابِى .. وَدّالعَالْيَابِى الَّذِى رُبَّمَا قَالَ فِى أَعْمَاقِهِ :"أَجَل ؛ آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ هِىَ هِىَ لاتَزِيْدُ وَلاتَنْقُصُ ؛ وَلَكِنَّ مَعَانِيْهَا تَزِيْدُ وَتَتَطَوَّرُ بِتَطَوُّرِعَقْلِ الإِنْسَانِ وَبِالتَّقَدُّمِ العِلْمِىِّ ؛ الَّذِى يَكْتَشِفُ فِى كُلِّ يَوْمٍ شَيْئاً جَدِيْداً يَجِدُهُ الإِنْسَانُ مَدْعُوْماً بِالقُرْآنِ ؛ لَمْ يَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ السَّابِقُوْنَ . أَجَل ؛ مَعَانِى القُرْآنِ تَزِيْدُ وَلاتَنْقُصُ". لَقَدْ قَالَ وَدّالعَالْيَابِى ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ بِالفِعْلِ ؛ لِذَا لَمْ يَسْمَعْ رِضْوَانَ يَقُوْلُ :
ـ لَقَدْ أَصْبَحَ قُوْزْ قُرَافِى وَلاأَحَدَ يَحْمِيْهِ مِنْ أَلْسِنَةِ أَبْنَائِهِ .. قُوْزْ قُرَافِى أَصْبَحَ كَعَيْنٍ لاهُدْبَ لَهَا .
لَمْ يَسْمَعْ وَدّالعَالْيَابِى قَوْلَ رِضْوَانَ ذَاْكَ ؛ إِذْ كَانَتْ فِى دَاخِلِهِ مُجَاذَبَةٌ كَمُجَاذَبَةِ جَمَلٍ يُحَاوِلُوْنَ إِدْخَالَهُ فِى مَرْكَبٍ لِلمَرَّةِ الأُوْلَى فِى حَيَاتِهِ . وَفَجْأََةً ـ وَلِدَهْشَتِهِ ـ سَمِعَ صَوْتَهُ يَنْطَلِقُ رَغْماً عَنْهُ :
ـ كَانَ النَّاسُ فِى قُوْزْ قُرَافِى مُسَالِمِيْنَ ؛ حَتَّى إِنَّكَ لَتُمْسِكُ الطَّائِرَ بِيَدِكَ وَهُوَ يُغَرِّدُ .. أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى لَمْ يَدْخُلْهُمُ الشَّرُّ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَدَخَّلَتْ فِى حَيَاتِهِمْ يَدٌ أُخْرَى خَفِيَّةٌ ؛ يَعْرِفُوْنَهَا حَقَّ المَعْرِفَةِ .
لَوْعَنَّ لِوِدَاعَةَ أَنْ يَحْسِبَ سَنَوَاتِ عُمْرِهِ ؛ لأَحَسَّ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ خَمْسِيْنَ رَجُلاً بَالِغاً سَمِيْناً يَرْكَبُوْنَ عَلَى كَتِفَيْهِِ ؛وَلأَدْرَكَ أَنَّ الزَّمَنَ أَثْقَلُ مِنَ الإِنْسَانِ .. رُبَّمَا لأَنَّهُ مَخْلُوْقٌ قَبْلَهُ . لَكِنَّ وِدَاعَةَ لَمْ يَحِسِبْ سَنَوَاتِ عُمُرِهِ ؛ وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ أَحَسَّ بِالثِّقَلِ عَلَى كَتِفَيْهِ وَهُوَ يَسْأَلُ :
ـ يَاوَدّالعَالْيَابِى : أَىُّ يَدٍ تَقْصِدُ بِكَلامِكَ هَذَا؟
العَوَّام : طَبْعاً يَقْصِدُ يَدَ الفَاضِل وَدّالبُر ؛ مَنْ تَظُنُّهُ يَقْصِدُ غَيْرَهُ؟
المِيْجَر : مِنْ أَيْنَ لِلفَاضِل وَدّالبُر تِلْكَ العَقْلِيَّةُ المُرَتَّبَةُ الَّتِى يُمْكِنُهُ بِهَا أَنْ يُنِيْمَ قَرْيَةً كَامِلَةً ؛ وَلِيَهْدِمَ هُوَ أَوِالنِّيْلُ الجُسُوْرَ؟
صِبيْر : وَدّالبُر إِنْسَانٌ تَفْكِيْرُهُ مُشَوَّشٌ ؛ فَهُوَ يُفَكِّرُ فِى أَكْثَرَ مِنْ شَىْءٍ فِى وَقْتٍ وَاحِدٍ .
رُضْوَان : ذَلِكَ لأَنَّ شَرَايِيْنَهُ تَجْرِى فِيْهَا كُلُّ فَصَائِلِ الدَّمِ .
عِنْدَ هَذَا الحَدِّ بَلَغَ الضَّجَرُ بِقَاسِمٍ مَبْلَغَهُ؛ وَهُوَ الَّذِى يَكْرَهُ مِثْلَ هَذِهِ الفَلْسَفَاتِ . وَقَدْ كَانَ بِحَقٍّ عَاقِلاً لَمَّا لَمْ يَحْضُرْ بَقِيَّهَ الحِوَارِ ..
صِبيْر : جُنُوْنُ وَدّالبُر جُنُوْنٌ قَدِيْمٌ ؛ فَقَدْ قَالَ لِى عَمِّى تَبيْقُ إِنَّهُ قَدْ جُنَّ فِى نَفْسِ اليَوْمِ الَّذِى دَفَنُوا فِيْهِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان .
عبدالعَاطِى : وَدّالبُر رَجُلٌ أَخْطَأَتْ قَدَمُهُ الكُرَةَ .
هُنَا الْتَفَتَ وِدَاعَةُ إِلَى العَوَّامِ :
ـ أَيَقْصِدُ عبدالعَاطِى أَنَّ الدُّنْيَا كَرَوِيَّةٌ؟
ضَمْرَة : بَلْ يَقْصِدُ أَنَّ الكُرَةَ مُرَاوِغَةٌ مِثْلُ الدُّنْيَا .
صِبيْر : بَلْ يَقْصِدُ عبدالعَاطِى أَنَّ الدُّنْيَا مُرَاوِغَةٌ مِثْلُ الكُرَةِ .
المِيْجَر :عبدالعَاطِى يَقْصِدُ أَنَّ أَقَدَامَ النَّاسِ مَاعَادَتْ تَسْتَطِيْعُ اللَّعِبَ عَلَى سَطْحٍ كَرَوِىٍّ .
ضَمْرَة : فِى الحَقِيْقَةِ كُلُّ شَىْءٍ تَغَيَّرَ حَتَّى كَرَوِيَّةُ الأَرْضِ وَحَتَّى أَقْدَامُ النَّاسِ ؛ لأَنَّ اللَّعِبَ لَمْ يَعُدْ نَظِيْفاً كَمَا كَانَ فِى السَّابِقِ .
هُنَا قَالَ عبدالعَاطِى وَهُوَ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ أَقْرَبَ إِلَى الهَدِيْلِ مِنْهُ إِلَى الضَّحِكِ الصِّرَاحِ ؛ فَلَعَلَّ عِبَارَتَهُ الَّتِى أَثَارَتْ كُلَّ هَذَا الحِوَارِ لَمْ تَكُنْ تَعْنِى بِالنِّسْبَةِ لَهُ أَيّاً مِنْ هَذِهِ التَّعْقِيْدَاتِ ؛ إِنَّمَا هِىَ عِبَارَةٌ فَلَتَتْ مِنْ طَرَفِ لِسَانِهِ ؛ وبِطَرَفِ لِسَانِهِ قَالَ :
ـ الَّذِى يَسْكُنُ الفَلَوَاتِ لاتُخِيْفُهُ الخَرَابَاتُ ؛ وَنفْسُ وَدّالبُر فَلاةٌ مِنَ الفَلَوَاتِ . العَوَّام : وَدّالبُر إِنْسَانٌ مَنْبُوْذٌ مِنَ الحَيَاةِ ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسِيْرُ وَيَمْشِى ظِلُّهُ فِى اتِّجَاهٍ مُعَاكِسٍ لِسَيْرِهِ .
هُنَا اعْتَدَلَ وِدَاعَةُ فِى جِلْسَتِهِ ؛ فَقَدْ كَانَ يَجْلِسُ كَالفِعْلِ المَاضِى .. وَالمَاضِى أَبَداً يَتَنَاقَصُ حَتَّى مَايَبْقَى فِى الذَّاكِرَةِ مِنْهُ شَىْءٌ .. اعْتَدَلَ وِدَاعَةُ فِى جِلْسَتِهِ لِيَقُوْلَ :
ـ حَقّاً لَقَدْ أَغْلَقَ وَدّالبُر قَنَاطِرَهُ فِى وَجْهِ تَيَارِ الحَيَاةِ .. وَدّالبُر رَجُلٌ لاتَتِّسِعُ إِبْرَتُهُ لِخَيْطَيْنِ مَعاً . وَجَدْتُهُ مَرَّةً يَتَفَحَّصُ وُجُوْهَ النَّاسِ بِعِنَايَةٍ ؛ فَسَأَلْتُهُ عَمَّ تَبْحَث؟) فَأَجَابَنِى بِذُهُوْلٍ أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِى) .
العَوَّام : أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ وَدّالبُر رَجُلٌ ضَلَّ ـ مِثْلُ كُلِّ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى ـ طَرِيْقَهُ إِلَى نَفْسِهِ .
رُضْوَان : ذَلِكَ لأَنَّهُ قَدْ ضَلَّ طَرِيْقَهُ إِلَى اللَّهِ . ضَمْرَة : حَقِيْقَة الطَّرِيْقُ إِلَى اللَّهِ يَمُرُّ بِالنَّفْسِ .
عبدالعَاطِى : وَدّالبُر رَجُلٌ دَخَلَ الدُّنْيَا مِنْ قَفَاهَا .
العَوَّام : بَلْ دَخَلَ الدُّنْيَا بِقَفَاهُ .
صِبيْر : وَدّالبُر كَانَ لابُدَّ أَنْ يَدْخُلَ الدُّنْيَا بِقَفَاهُ ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ .. وَدّالبُر كُلُّهُ قَفَا.
وَدّالعَالْيَابِى : بَلِ الدُّنْيَا كُلُّهَا قَفَا ؛ فَدَخَلَهَا وَدّالبُر مِنْ هَذَا القَفَا .
فَرَح : لَقَدْ لاحَظْتُ فِى وَدّالبُر شَيْئاً غَرِيْباً ؛ فَهُوَ يَنْظُرُ دَائِماً إِلَى الأَرْض . وِدَاعَة : لايَنْظُرُ إِلَى قَدَمِهِ إِلاَّ مِنْ عَلا فَوْقَ رَأْسِه .



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس