عرض مشاركة واحدة
قديم 04-12-2005, 11:03 AM   #[37]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

ودّالعَالْيَابِى : بَلْ لايَنْظُرُ إِلَى قَدَمِهِ إِلاَّ مَنْ أَدْرَكَ قِيْمَةَ رَأْسِه .
رُضْوَان : سَأَحْكِى لَكُمْ شَيْئاً ..فَفِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَانَتِ السَّمَاءُ مَسْكُوْنَةً بِالقَمَرِ ؛ فَرَأَيْتُ وَدّالبُر يَقِفُ فِى مُوَاجَهَتِهِ وَهُوَ يُمْسِكُ قَلَماً يُحَرِّكُهُ بِاتِّجَاهِهِ حَرَكَةَ مَنْ يَكْتُبُ ؛ فَلَمَّا كَلَّمْتُهُ فِى ذَلِكَ قَالَ لِىلَقَدْ كَتَبْتُ عَلَى القَمَرِ: تِذْكَار مِنَ الفَاضِل وَدّالبُر) ؛ عِنْدَذَاْكَ أَدْرَكْتُ أَنَّ جُنُوْنَ وَدّالبُرأَكْبَرُ مِنْ عُقُوْلِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى . المِيْجَر : وَدّالبُر مَجْنُوْنٌ وَجُنُوْنُهُ مَجْنُوْنٌ ؛ دَخَلَ الدُّنْيَا عَلَى حِيْنِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا .
"مَاسَمِعْنَا بِمِثْلِ هَذَا مِنْ قَبْلُ .. مَجْنُوْنٌ يَشْهَدُ لِمَجْنُوْنٍ بِالجُنُوْنِ!" هَكَذَا تَحَدَّثَ ضَمْرَةُ إِلَى نَفْسِهِ ؛ لَكِنَّ رِضْوَانَ لَمْ يَتْرُكْهُ يَسْتَرْسِلُ أَكْثَرَ ؛ إِذْ قَالَ : ـ جُرُوْحُ وَدّالبُر لَيْسَتْ فِى جِسْمِهِ ؛ لَكِنَّهَا فِى نَفْسِهِ وَرُوْحِهِ .
وِدَاعَة : وفِى عَقْلِهِ .
العَوَّام : إِذَا وَصِلَتِ الجُرُوْحُ إِلَى عَقْلِهِ فَعَلَيْكِ يَادُنْيَا أَلْفُ سَلامٍ .
المِيْجَر : بَلْ عَلَيْكَ يَا وَدّالبُر أَلْفُ سَلامٍ .
ضَمْرَة : وَرَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ يَعِيْشُ وَدّالبُر بَيْنَنَا ؛ فَإِنْ فَقَدْنَاهُ يَوْماً بَطَلَتْ حَيَاتُنَا كُلُّهَا ؛ وَدّالبُر فِى قُوْزْ قُرَافِى مِثْلُ سُوْرَةِ الفَاتِحَةِ فِى الصَّلاةِ .. الصَّلاةُ مِنْ غَيْرِ سُوْرَةِ الفَاتِحَة بَاطِلَة .
وَدّالعَالْيَابِى : وَدّالبُر يَعِيْشُ فِى قُوْزْ قُرَافِى كَذَنْبٍ لايُغْتَفَرُ ارْتَكَبَهُ غَيْرُهُ ؛ فَالذَّنْبُ لايَرْتَكِبُ نَفْسَهُ ؛ إلاَّ إِذَا اعْتَبَرْنَا بَعْضَ الآدَمِيِّيْنَ ذُنُوْباً أَوْبَعْضَ الذُّنُوْبِ آدَمِيِّيْنَ . الذَّنْبُ ضَحِيَّةُ الآخَرِيْنَ الذِّيْنَ لايَسْمَعُوْنَ وَقْعَ خُطَاهُمْ ؛ لأَنَّهُمْ لاسِيْقَانَ لَهُمْ . وَإِذَا اعْتَبَرْنَا وَدّالبُر ذَنْباً ؛ فَهُوَلا يَدَ لَهُ فِى وُجُوْدِهِ فِى حَالَةِ الجُنُوْنِ تِلْكَ فِى هَذَا العَالَمِ .
رُضْوَان : لَكِنَّهُ لابُدَّ أَنْ يُوْجَدَ ؛ لأَنَّهُ أَخْطَرُ أَمْرَاضِ جِلْدِ الأَرْضِ ؛ فَقَدْ ذَكَرَ أَحَدُ الفَلاسِفَةِ أَنَّ لِلأَرْضِ جِلْداً وَلِهَذَا الجِلْدِ أَمْرَاضُهُ ؛ وَأَخْطَرُ هَذِهِ الأَمَرَاضِ الإِنْسَانُ .هَذَا مَاذَكَرَهُ أَحَدُ الفَلاسِفَةِ ؛ وَأَنْتُمَ تَرَوْنَ أَنَّ الأرْضَ لَمْ تَسَعِ الإِنْسَانَ وَوَسِعَهَا بِجَهْلِهِ وَأَمْرَاضِه ِ.
وَدّالبَاشْكَاتِب : الأَرْضُ أَشْفَقَتْ مِنْ أَنْ تَحْمِلَ الأَمَانَةَ عِنْدَمَا عُرِضَتْ عَلَيْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ؛ وَالأَرْضُ تَحْمِلُ الإِنْسَانَ .. أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيْمَ ؛ لَقَدِ انْخَدَعَتِ الأَرْضُ ؛ وَهِىَ تَدْفَعُ الآنَ ثَمَنَ هَذِهِ الخُدْعَةِ .
عبدالعَاطِى : وَأَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى رَغْمَ ذَلِكَ رَاضُوْنَ بِكُلِّ شَىْءٍ .. رَاضُوْنَ بِتَنَاقُضِ الحَيَاةِ ؛ لأَنَّهُمْ مؤْمِنُوْنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَهُمْ فِى النِّهَايَةِ غَيْبِيُّوْنَ؛ وَالإِيْمَانُ الغََيْبِىُّ أَسْمَى دَرَجَاتِ الإِيْمَانِ .
ضَمْرَة : يَاعبدالعَاطِى : إِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا؟
وَدّالعَالْيَابِى : ولَكِنَّ اللَّهَ سَيَسْأَلُ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى يَوْمَ القِيَامَة يَاأَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى: لَقَدْ كُنْتُمْ فِى الدُّنْيَا عَاطِلِيْنَ ؛ فَفِيْمَ اسْتَنْفَدْتُمُ النَّشَاطَ الَّذِىأَعْطَيْتُكُمُوْهُ؟) وَسَيُجِيْبُ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى مُعْتَمِدِيْنَ عَلَى خُبْثِهِمُ الدُّنْيَوِىِّ الَّذِى لايُجْدِى فِى تِلْكَ الدَّارِ : (رَبَّنَا أَضَرَّ بِنَا طُوْلُ الأَمَلِ وقِصَرُ الأَجَلِ .. رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ) .
وِدَاعَة : بَعْدَ كُلِّ هَذَا الكَلامِ الفَارِغِ المُمِلِّ عَنِ الجِنِّ وَالمَجَانِيْنَ ؛ لَمْ تُجِبْ حَتَّى الآنَ عَنْ سُؤَالِى يَاوَدّالعَالْيَابِى : (مَاذَا تَقْصِدُ بِأَنَّ يَداً خَفِيَّةً ـ رَغْمَ أَنَّ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى يَعْرِفُوْنَهَا حَقَّ المَعْرِفَةِ ـ كَانَتِ السَّبَبَ فِى كُلِّ مَا نَحْنُ فِيْهِ الآن؟)
وَدّ البَاشْكَاتِب : وَدّالعَالْيَابِى يَقْصِدُ أَنَّنَا جُبَنَاءُ أَمَامَ أَنْفُسِنَا ؛ وَلَمْ نَسْأَلْهَا مَنْ أَنَامَ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى وَتَسَبَّبَ فِى هَدْمِ الجُسُوْرِ ؛ وَأَدْخَلَنَا فِى كُلِّ هَذِهِ التَّجَارِبِ المُرَّةِ ؛ حَتَّى أَصْبَحَتْ حَيَاتُنَا نَزَّاعَةً لِلشَّوَى؟)
وِدَاعَة : وَمَاهِىَ إِجَابَةُ هَذَا السُّؤَالِ الَّذِى لَمْ نَسْأَلْهُ أَنْفُسَنَا؟
وَدّالبَاشْكَاتِب : إِجَابَتُهُ : (نَحْنُ الَّذِيْنَ فَعَلْنَا كُلَّ ذَلِكَ .. نَحْنُ أَهْلُ هَذِهِ المَنْطِقَةِ بِلااسْتِثْنَاءٍ .. فَعَلَهُ الحَسَدُ والحِقْدُ والضَّغِيْنَةُ فِى نُفُوْسِنَا) .
صِبيْر : لايُغَيِّرُ اللَّهُ مَابِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ .
ضَمْرَة : وَلَكِنْ لِمَاذَا نَسِيْتَ الغِيْبَةَ وَالنَّمِيْمَةَ يَاوَدّالبَاشْكَاتِب؟ اجْلِسْ فِى أَىِّ مَجْلِسٍ لاتَجِدُ سِوَى الغِيْبَةِ وَالنَّمِيْمَةِ ؛ حَتَّى صِرْنَا نَغْتَابُ المَجَانِيْنَ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ قَبْلَ لَحَظَاتٍ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : الغِيْبَةُ والنَّمِيْمَةُ فِى بَعْضِ جَوَانِبِهِمَا إِحْدَى حَسَنَاتِ الفَيْضَانِ .. ظَاهِرَةٌ إِيْجَابِيَّةٌ ؛ إِذْ صَارَ النَّاسُ يَكْشِفُوْنَ الذَّاتَ بِقُسْوَةٍ مِنْ خِلالِ انْتِقَادِ الآخَرِيْنَ إِلَى دَرَجَةِ التَّجْرِيْحِ ؛ مِنْ مُنْطَلَقِ الحُبِّ لَهُمْ .
وَلأَنَّ المَامُوْنَ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً مِنْ كُلِّ ذَلِكَ ؛ فَقَدْ كَتَبَ خِطَاباً لابْنِهِ حَسُّوْنٍ خَتَمَهُ بِعِبَارَةِ البَلَدُ بِخَيْرٍ ؛ وَالنَّاسُ مَازَالُوا يَتْلُوْنَ سُوْرَةَ الكَهْفِ نَهَارَ كُلِّ جُمُعَةٍ) . وَلَكِنْ أَحَقّاً مَازَالَ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى بِخَيْرٍ؟ هَذَا لايُهِمُّنَا فِى هَذِهِ اللَّحْظَةِ ؛ الَّذِى يُهِمُّنَا أَنَّ ضَمْرَةَ وَهُوَ فِى طَرِيْقِهِ إِلَى بَيْتِهِ أَخَذَ يُفَكِّرُ :"سَامَحَ اللَّهُ النِّيْلَ ؛ وَلاجَزَى خَيْراً مَنْ أَنَامَ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى فِى ذَاْكَ اليَوْمِ المَشْؤُوْمِ . لَقَدْ كَانَتْ لِفَيَضَانِ النِّيْلِ الَّذِى غَطَّى كُلَّ الأَرَاضِى الزِّرَاعِيَّةِ آثَارٌ سَيِّئَةٌ لِلغَايَةِ ؛ إِحْدَى ثَمَرَاتِهَا المُبَاشِرةِ مَجَالِسُِ الغِيْبَةِ تِلْكَ الَّتِى لَمْ يَنْجُ مِنْهَا أَحَدٌ قَطُّ . ذَلِكَ لأَنَّ النَّاسَ قَدْ وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ لاحِيْلَةَ وَلاعَمَلَ لَهُمْ إِلاَّ إِطْلاقَ اللِّسَانِ .. اغْتَابُوا كُلَّ مَنْ وَمَاهُوَ مَوْجُوْدٌ؛ وَمَايُمْكِنُ أَنْ يُوْجَدَ؛ وَمَالايُمْكِنُ أَنْ يُوْجَدَ .. المَرْؤُ أَصْبَحَ يَغْتَابُ حَتَّى نَفْسَهُ لأَنَّهَا غَائِبَةٌ عَنْهُ .. قَاتَلَ اللَّهُ الفَرَاغَ الَّذِى جَلَبَ لِلنَّاسِ كُلَّ هَذِهِ الآفَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ . لَقَدْ صَدَقَ وَدّالبَاشْكَاتِب حِيْنَ قَالَ لِى مَرَّةً إِنَّ مِقْدَارَ الكَلامِ الَّذِى اسْتَهْلَكَهُ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى فِى الفِتْرَةِ الوَجِيْزَةِ مُنْذُ بِدَايَةِ الفَيْضَانِ وَحَتَّى الآنَ ؛ أَكْثَرُ مِنْ ضِعْفِ مِقْدَارِ الكَلامِ الَّذِى يَسْتَهْلِكُهُ سُكَّانُ قَارَتَىِّ أُوْرُوْبَا وَأُسْتُرَالْيَا مُجْتَمِعِيْنَ فِى عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ)" . قَالَ ضَمْرَةُ ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ ؛ وَفِى نَفْسِهِ أَيْضاً أَضَافَ :"إِنْ كَانَتْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ فِى الدُّنْيَا حِصَّةٌ مِنَ الكَلامِ مُحَدَّدَة .. إنْ كَانَ النَّاسُ يَتَسَاوُوْنَ فِى حِصَّةِ الكَلامِ .. كُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ نَفْسُ حِصَّةِ أَىِّ إِنْسَانٍ آخَرَ فِى الدُّنْيَا ؛ إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ قُوْزْ قُرَافِى جَمِيْعاً سَيَكُوْنُوْنَ مِنَ البُكْمِ .. حِصَّةُ أَىِّ إِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى سَتَنْفَدُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ عُمُرُهُ العِشْرِيْنَ .. لَنْ تَجِدَ إِنْسَاناً وَاحِداً فِى قُوْزْ قُرَافِى يَتَكَلَّمُ وَهُوَ فِى الثَّلاثِيْنَ مِنْ عُمْرِهِ . لَيْتَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ فِى الدُّنْيَا حِصَّةً مَعْرُوْفَةً مُحَدَّدَةً مِنَ الكَلامِ؛ إِذَنْ لَكُنَّا ارْتَحْنَا مِنْ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى وَمِنْ كَثْرَةِ حَدِيْثِهِمْ" . مَرَّةً أُخْرَى تَحَدَّثَ ضَمْرَةُ إِلَى نَفْسِهِ :"وَلَكِنْ يَاإِلَهِى! أَلا آثَارَ إِيْجَابِيَّةً لِفَيْضَانِ النِّيْلِ هَذَا؟ هَلْ تَخْلُو مَجَالِسُ الغِيْبَةِ تِلْكَ مِنِ انْتِقَادٍ جَادٍّ لِلنَّفْسِ وَلِلمُجْتَمَعِ وَلِلمُمَارَسَاتِ؟ أَلا تُحَاوِلُ مِثْلُ تِلْكَ المَجَالِسِ مُنَاقَشَةَ مَسَائِلَ ظَنَّ النَّاسُ طَوِيْلاً أَنَّهَا عَصِيَّةٌ عَلَى الحَلِّ؟ أَلايُمْكِنُ أَنْ تُسْتَغَلَّ مِثْلُ تِلْكَ المَجَالِسِ لِتَكُوْنَ نَوَاةً لِتَوْحِيْدِ الرَّأْىِ فِى مَسَائِلَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيْهَا طَوِيْلاً .. مَسَائِلَ لَمْ يَجِدُوا مِنْ قَبْلُ الوَقْتَ الكَافِىَ لِمُنَاقَشَتِهَا بِعَقْلٍ مُسْتَنِيْرٍ وَبَصِيْرَةٍ نَافِذَةٍ ؛ أَوْعَلَى الأَقَلِّ لِطَرْحِهَا طَرْحاً جَدِيْداً وَالتَّفْكِيْرِ فِيْهَا تَفْكِيْراً مُخْتَلِفاً؟" هَكَذَا كَانَ ضَمْرَةُ يُفَكِّرُ وَهُوَ فِى طَرِيْقِهِ إِلَى بَيْتِهِ . وَلَكِنْ هَلْ صَدَقَ المَامُوْنُ فِى مَاجَاءَ فِى خِطَابِهِ إِلَى ابْنِهِ حَسُّوْنٍ؟ أَحَقّاً مَازَالَ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى بِخَيْرٍ؟
(6)
ضَحِكَتْ إِحْدَى المُمَرِّضَاتِ بِمُسْتَشْفَى مَرَوِىْ وَهِىَ تُحَاوِلُ عَبَثاً إِيْقَافَ المِيْجَرِ عَلَى رِجْلَيْهِ ؛ فَيَئِنُّ أَنِيْناً يَحْمِلُ مِنَ العَارِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْمِلُ مِنَ الأَلَمِ ؛ وَقَدْ تَلَطَّخَتْ مَلابِسُهُ بِبُرَازٍ لَزِجٍ عَفْنٍ . لَقَدْ كَانَ المِيْجَرُ يَشْكُو مِنْ أَلَمٍ فِى ظَهْرِهِ وَكَسْرٍ فِى تَرْقُوَتِهِ ؛ بَيْنَمَا قَاسِمٌ مَايَزَالُ فِى حَالَةِ فِقْدَانِ الوَعْىِ ؛ وَهُوَ يُنَادِى مَوْتَى قُوْزْ قُرَافِى بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِداً وَاحِداً ؛ أَمَّا مَدَنِى وَدّالعَازَّة فَعِظَامُ فَخِذِهِ الأِيْمَنِ تَكَادُ تُرَى ؛ وَمَايَعْتَمِلُ فِى أَعْمَاقِهِ كَانَ جَلِيّاً عَلَى وَحْهِهِ .. لَقَدْ كَانَ وَجْهُهُ يَبْدُو كَوَجْهِ مَنْ بَلَعَ إِبْرَةً عَلَى الرِّيْقِ . كُسُوْرٌ وَجُرُوْحٌ وَخُدُوْشٌ وَكَدَمَاتٌ ؛ وَسِتَّةٌ مِنْ شُبَّانِ قُوْزْ قُرَافِى يَرْقُدُوْنَ رَقْدَةً لاهَوَادَةَ فِيْهَا ؛ وَحاج الدُّسُوْقِى وَبَعْدَ أَنْ غَسَلَ يَدَيْهِ مِنْ وَجْبَةِ الفَطُوْرِ وَأَمْسَكَ كُوْبَ الشَّاىِ بِيَدِهِ اليُمْنَى؛ يَحْكِى لِقَرِيْبٍ لَهُ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ فِى المَطْعَمِ المُلْحَقِ بِمُسْتَشْفَى مَرَوِىْ. وَقَدِ اسْتَغْرَبَ قَرِيْبُهُ ذَاْكَ مِنْ طَلَبِ حَاج الدُّسُوْقِى لِمَزِيْدٍ مِنَ السُّكَّرِوَقَدْ شَرِبَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَا بِالكُوْبِ ؛ لَكِنَّ حَاج الدُّسُوْقِى لَمْ يَتْرُكْ لَهُ حُرِّيَّةَ الاسْتِغْرَابِ ؛ فَقَدْ خَاطَبَهُ :
ـ الفِعْلَةُ الَّتِى فَعَلَهَا وَدّالعَالْيَابِى وَجَمَاعَتُهُ لَيْسَتْ فِعْلَة رِجَال .
ثُمَّ وَاصَلَ بَعْدَ أَنْ ضَحِكَ بِاشْمِئْزَازٍ :
ـ سِتَّةُ رِجَالٍ تُخِيْفُهُمُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَتُرْقِدُهُمُ المُسْتَشَفَى؛ وَالسَّابِعُ الَّذِى تَمَكَّنَ مِنَ الفِرَارِ انْطَلَقَتْ فِى بَطْنِهِ النَّارُ وَشَرِبَ مِنَ المَاءِ فِى يَوْمٍ وَاحِدٍ ؛ مَاكَانَ يَعْجَزُ عَنْ شُرْبِهِ فِى شَهْرٍ كَامِلٍ!
كَانَ عبدالعَاطِى يُتَابِعُ حَدِيْثَ حَاج الدُّسُوْقِى ؛ فِيْمَا عَيْنَاهُ تَحُطَّانِ بِرِفْقٍ عَلَى مُمَرِّضَةٍ رَشِيْقَةٍ تَتَنَاوَلُ فَطُوْرَهَا . وَلَمْ يَلْبَثْ صَوْتُ حَاج الدُّسُوْقِى أَنْ وَصِلَهُ وَاضِحاً :
ـ المَسْأَلَةُ وَمَافِيْهَا أَنَّ هَذَا عَيْبٌ كَبِيْرٌ . سَبْعَةُ رِجَالٍ يَتَهَجَّمُوْنَ عَلَى امْرَأَةٍ غَرِيْبَةٍ فِى آخِرِ اللَّيْلِ وَيُهَدِّدُوْنَهَا لِسَرِقَةِ مَالِهَا ؛ أَلَيْسَ هَذَا عَيْباً مَابَعْدُهُ عَيْبٌ لأَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى؟
هُنَا عَادَتْ عَيْنَا عبدالعَاطِى ـ وَعَيْنُ عبدالعَاطِى أَبَداً عَيْنٌ زَائِغَةٌ ـ مِنِ اغْتِرَابِهِمَا فِى جَسَدِ المُمَرِّضَةِ المُتَنَاسِقِ ؛ لِيُشَارِكَ فِى الحَدِيْثِ :
ـ الَّذِى وَضَحَ الآنَ أَنَّ الخَوَاجِيَّةَ مُدَرِّبَةُ (كَارَاتيْه) مَاهِرَة .. وَدّالعَالْيَابِى عَدِمَ السِّن ؛ وَفَرَح كَسَرَتْ ظَهْرَهُ ؛ وَالعَوَّام فِى الرَّمَقِ الأَخِيْرِ ؛ وَصِبيْر هَرَبَ ؛ وَلَوْلا أَنَّهَا تَرَفَّقَتْ بِهِمْ لَكَانُوا جَمِيْعاً الآنَ فِى عَالَمٍ آخَرَ .
بَصَقَ حاج الدُّسُوْقِى عَلَى الأَرْضِ وَقَالَ مُخَاطِباً عبدالعَاطِى :
ـ دَعْنَا مِنْ فَلْسَفَةِ أَوْلادِ هَذَا الزَّمَنِ .
وَفَجْأَةً خَاطَبَهُ قَرِيْبُهُ :
ـ أَلا تَعْتَقِدُ يَاحاج الدُّسُوْقِى أَنَّ فِى الأَمْرِ شَيْئاً آخَرَغَيْرُ السَّرِقَة؟
أَطْرَقَ عبدالعَاطِى إِلَى الأَرْضِ وَشَرَدَ بِذِهْنِهِ مَعَ صُفُوْفٍ مِنَ النَّمْلِ طَوِيْلَةٍ ؛ تَحْمِلُ ذَرَّاتِ سُكَّرٍ مِنْ كِيْسِ قُمَاشٍ مَقْدُوْدٍ يُخْفِيْهِ صَاحِبُ المَطْعَمِ فِى صُنْدُوْقٍ مِنَ (الكَرْتُوْنِ) تَحْتَ (التَّرَبِيْزَةِ) الَّتِى يَضَعُ عَلَيْهَا أَدَوَاتِ عَمَلِهِ . وَلَكِنَّ السُّؤَالَ مَازَاْلَ قَائِماً : (هَلْ فِى الأَمْرِ شَىْءٌ آخَرُغَيْرُالسَّرِقَة؟)
لَعَلَّ عبدالعَاطِى لَوْسَمِعَ نُبَاحَ (بُوْنِى) فِى تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَا تَلَكَّأَ فِى الإِجَابَةِ . لَقَدْ عَادَتِ الكَلْبَةُ (بُوْنى) إِلَى الخَوَاجِيَّةِ بَعْدَ طُوْلِ فِرَاقٍ وَتَمَسَّحَتْ بِسَاقَيْهَا عِنْدَ لَحْظَةِ لِقَائِهِمَا ؛ وَالخَوَاجِيَّةُ تَمْسَحُ بِشَوْقٍ عَلَى ظَهْرِهَا ؛ وَقَدْ تَلاشَتِ الفَوَارِقُ بَيْنَ عَوَاطِفِ البَشَرِ وَمَشَاعِرِ الكِلابِ . كُلُّ هَذِهِ الصُّوْرِ وَالحِوَارَاتِ وَالمُمَرِّضَةُ مَاتَزَالُ تَضْحَكُ بِرَثَاءٍ ؛ وَهِىَ تُحَاوِلُ دُوْنَ جَدْوَى إِيْقَافَ المِيْجَرِ عَلَى رِجْلَيْهِ ..تَضْحَكُ بِرَثَاءٍ مِنْ سِتَّةِ شُبَّانٍ جَلَدَتْهُمُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ وَفَرَّ السَّابِع.ُ وَبِدَوْرِهَا فَرَّتِ الدِّمَاءُ مِنْ عُرُوْقِ المِيْجَرِ وَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ ؛ حِيْنَ رَأَى الخَوَاجِيَّةَ تَقِفُ عِنْدَ سَرِيْرِ مَدَنِى وَدّالعَازَّة وَتَنْحَنِى عَلَيْهِ وَتُوَاسِيْهِ ؛ وَإِنْ كَانَتْ نَظْرَاتُهَا تَقُوْلُ لَهُ لَعَلَّ وَجْبَةَ عَشَاءِ البَارِحَةِ كَانَتْ دَسِمَة) . وَلَكِنَّ وَدّالعَالْيَابِى سَمِعَ صَوْتَهَا وَاضِحاً وَهِىَ تَقِفُ عِنْدَ سَرِيْرِهِ لَقَدْ تَقَدَّمْتُ بِبَلاغٍ ضِدّكُمْ ؛ وَبَعْدَ أَنْ تَقُوْمَ الشُّرْطَةُ بِاسْتِجْوَابِكُمْ وَيَعْلَمَ كُلُّ أَهْلِ المَنْطِقَةِ بِفِعْلَتِكُمْ ؛ سَأَقُوْمُ بِشَطْبِ البَلاغِ) . لَكِنَّ وَدّالعَالْيَابِى حِيْنَ رَأَى الخَوَاجِيَّةَ تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً نَازِيَّةً بِطَرَفِ فَمِهَا ؛ أَدْرَكَ أَنَّ الحَرْبَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمَاعَتِهِ سَتَكُوْنُ ذَرِّيَّةً . وَلَكِنَّ السُّؤَالَ مَازَالَ مُعَلَّقاً هَلْ فِى الأَمْرِ شَىْءٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَة؟)
حَسَناً تِلْكَ قِصَّةٌ أُخْرَى؛ اكْتَمَلَتْ بَعْدَ مُنَاقَشَاتٍ طَوِيْلَةٍ بَدَأَهَا رِضْوَانُ مُتَسَائِلاً : ـ هَلْ قَرَأْتُمْ كِتَابَ الخَوَاجِيَّة عَنْ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان؟
عبدالعَاطِى : أَتَقْصِدُ كِتَابَ قُوْزْ قُرَافِى المَنْبَعُ وَالمَصَبُّ؟)
رُضْوَان : أَجَل .
ضَمْرَة ؛ بِنَبْرَةِ مَنْ لايَثِقُ كَثِيْراً بِمَعْلُوْمَاتِهِ الجُغْرَافِيَّةِ : عُنْوَانُ الكِتَابِ يُوْحِى بِأَنَّ مُجْتَمَعَ قُوْزْ قُرَافِى مُجْتَمَعٌ مُغْلَقٌ؛ فَالمَنْبَعُ وَالمَصَبُّ لايَجْتَمِعَانِ إِلاَّ فِى بُحَيْرَةٍ مُغْلَقَةٍ .
المِيْجَر : الخَوَاجِيَّةُ تَعْنِى عَكْسَ ذَلِكَ ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَالمُهِمُّ .. الَّذِى يُحَيُّرُنِى هُوَ إِهْدَاءُ الكِتَابِ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى رَغْمَ كُلِّ شَىْءٍ)؛ مَاذَا تَقْصِدُ الخَوَاجِيَّةُ بِهَذَا الإِهْدَاءِ؟
صِبيْر : الخَوَاجِيَّةُ تَقْصِدُكَ بِهَذَا الإِهْدَاءِ يَاالمِيْجَر .
وِدَاعَة : هَلْ تَعْنِى بِذَلِكَ أَنَّ المِيْجَرَ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ؟
صِبيْر : بَلْ تَعْنِى أَنَّهَا تُحِبُّ قُوْزْ قُرَافِى ؛ رَغْمَ وُجُوْدِ أَمْثَالِ المِيْجَرِ فِيْهِ . العَوَّام : الخَوَاجِيَّةُ تَقْصِدُ أَنَّ قُوْزْ قُرَافِى هُوَ بَلَدُ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان رَغْمَ ظُلْمِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى لَهُ ؛ لِعَدَمِ تَقْدِيْرِهِ النَّابِعِ مِنْ عَدَمِ فَهْمِ شَخْصِيَّتِهِ ؛ أَوْفَهْمِهَا فَهْماً خَاطِئاً .
ضَمْرَة : بَلْ تَقْصِدُ أَنَّ حَسُّوْناً مَاكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى؛ وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ .
وَدّالعَالْيَابِى: بَلْ تَقْصِدُ أَنَّهَا تُهْدِى الكِتَابَ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى ؛ رَغْمَ مُمَارَسَاتٍ كَثِيْرَةٍ فِيْهِ تُضَايِقُهَا .
وَدّالسَّخِى : بَلْ تَقْصِدُ بِـ (رَغْم كُلِّ شَىْءٍ) أَنَّهَا تُهْدِى الكِتَابَ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى؛ رَغْمَ أَنَّهَا لاتَمْلِكُ حَقَّ الكِتَابَةِ عَنْ قُوْزْ قُرَافِى؛ لأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ؛ إِلاَّ أَنَّهَا فِى النِّهَايَةِ قَدْ كَتَبَتْ عَنْه ُ.
فَرَح : بَلْ تَقْصِدُ رَغْمَ تَجَاهُلِ العَالَمِ لِقُوْزْ قُرَافِى الَّذِى أَنْجَبَ حَسُّوْناً . عبدالعاطِى وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى فَرَحٍ : الخَوَاجِيَّةُ تَقْصِدُ رَغْمَ غَبَاءِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى؛ لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ العَالَمَ قَدْ خَلَّدَ حَسُّوْناً وتَجَاهَلَهُمْ .



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس