السودان وحساسية الموقف :
صديقي المهندس عندما أخبرته أنه وفي حالة إنهيار سد النهضة ستغرق الخرطوم . فاجأني بأن دخل في موجة من الضحك الهستيري وهو لا يصدق ان كيف ستأتي المياه من أثيوبيا لتغرق الخرطوم .
كان يضحك وكأنه لم يسمع بأن هناك قنبلة في حجم بيضة الدجاجة يمكنها محونا من الوجود ، حقيقة الأمر أنه وللأسف فهذه معلومة عادية حتى لاتدخل ضمن المعلومات العلمية المعقدة ، إن انهيار السدود عموما تكون نتائجه كارثية فمن المعروف لدى الجميع ان بانهيار السد العالي ستختفي مصر من الوجود وعند انهيار سد مروي ستختفي الحياة مابعده وهكذا ، فالأمر لايعدو كونه طبيعة لاغرابة فيها .
ولكن ليس هذا الأمر فحتى حقيقة ان طبيعة الأرض التي سيقام عليها السد صخرية متكونة من سلسلة من الجبال البازلتية المتأثرة بعوامل التعرية لايمكن ان تشكل خطرا كبيرا يهدد أمان السد ، فاثيوبيا والدول والشركات المانحة المشاركة في انشاء السد لايمكن ان تدفع 7 مليار دولار في مشروع غير مأمون النتائج . وحتى الشركات العالمية التي ستقدم لتتولى عمليات الإنشاء لايمكن ان تخاطر بسمعتها وأموالها دون ضمان كافي لنجاح المشروع . وليس كما يزعم البعض ان أقصى معامل أمان للسد لايتعدى 1.5 .
هذا مايجعل تخوف السودانيين من إنهيار السد بعيد الإحتمال .
اما فيما يخص تأثير السد على السودان في النواحي الأخرى ، فيؤسفني أيها الإخوة المصريون أن أقول أن جميع خبراء السدود والمياه والكهرباء حتى الآن يجتمعون على أن سد النهضة بالنسبة للسودان نفعه أكثر من ضرره .
فسد النهضة الذي لايمكنه ان يمنع المياه من السودان ، يستطيع حجب كميات مهولة من الطمي خلفه ، تلك الكميات التي طالما ارهقت إمدادنا الكهربائي بسبب تأثيرها و (الأشجار الكبيرة والحيوانات الضخمة خصوصا في فترة الخريف) على التوربينات في جميع الخزانات التي تقع على النيل الأزرق . مما يعني إطالة عمر هذه الخزانات .
إضافة لذلك سيعمل سد النهضة على تأمين جميع المدن السودانية الواقعة تحت فيضانات النيل الأزرق بتحكمه في سريان النيل ، فلن نسمع مجددا بغرق سنار او سنجو او أي مدينة سودانية أخرى .
علاوة على ذلك وقد يعد اهم الأسباب لموافقة السودانيين على السد هو التزام اثيوبيا ببيع الكهرباء للسودان بسعر التكلفة ، سعر التكلفة الذي يبلغ في سد النهضة 3 سنتات مقابل 17 سنتاً تلكفة الإنتاج في سد مروي بتكلفة مماثلة في السد العالي .
وإن كان من ضرر فسيكون بسبب تقليل السد لخصوبة الأرض الزراعية مما يجعل الإعتماد في المستقبل على الأسمدة الكيميائية كما هو الحال في مصر الآن .
ولكن :
والسياسة التي لاحب فيها ولاكره ولاقرابة فيها ولارحم إلا المصالح ، تلعب دورا كبيرا في موقف السودان من إنشاء سد النهضة .
بعض الناس يتحدثون عن خيار إسترداد حلايب وإنهاء الوصاية المصرية عليها مقابل دعم السودان للموقف المصري ، والبعض يقول ان حلايب موضوع سيادة وطنية لايقبل المزايدات والإتفاقات وفي اذهانهم ما فعله محمدأحمد المحجوب في 1958 عندما أرادت حكومته اجراء الإنتخابات السوداينة في حلايب ، فرفضت الحكومة المصرية ذلك وأرسلت كتيبة عسكرية الى هناك وأعلنت إجراء الإستفتاء المصري هناك بإعتبار حلايب دائرة مصرية ، فزار المحجوب جمال عبد الناصر وأجتمعا لمدة يوم كامل لم تثمر نتائجه غير قرار مصر بإيقاف الإستفتاء المصري وكذلك إيقاف الإنتخابات السودانية ، الأمر الذي رفضه المحجوب مخاطبا مجلس الأمن الذي اجرى جلسته بخصوص الموضوع يوم 20 فبراير 58 وأعلنت مصر في بداية الجلسة تنازلها عن إجراء الإستفتاء وقبولها بإجراء الإنتخابات السودانية اعرافا منها بأحقية السودان بحلايب . ولكن هناك أمر مهم ، هل الحكومة السودانية على إستعداد للدخول في هكذا نزاع مع حليفتها وأختها مسلمة الحكومة (مصر) ؟
الناظر للساحة السودانية يستبعد هذا الإحتمال ، فمنذ أن قررت أثيوبيا تغيير مسار النيل لم تنبت الحكومة السودانية ببنت شفة واضحة ، فأختلفت التصريحات من المسؤلين فكانت ردة الفعل الأولى من سفير السودان بمصر الذي انكر التصرف الأثيوبي وهدد بتصعيد الأمر للجامعة العربية ، فيما نشرت الخارجية تقرير فني يقول بأن السد لايشكل ضررا على السودان . فيما اكد ممثل السودان في اللجنة الثلاثية للسد ان تحويل مجرى النيل يعد خرقا للقوانين الدولية .
وحتى هذه اللحظة لايدري أحد إذا كان هذا الإرتباك المفتعل او الصمت المقصود هو نزاع تحت الطاولة اوهو توهان سياسي وغياب لرؤية إستراتيجية للعلاقات الخارجية . خصوصا وأن السودان وفي هذا المجال يتطلع في المستقبل للعديد من المشاريع التنموية التي يأتي الحديث عنها وعودا في القريب العاجل من تعلية خزان الرصيرص وتحديث نظام الري في مشروع الجزيرة والرهد والعديد من المشاريع الكبرى مثل سد الشريك وكجبار وغيرها .
أثيوبيا الحليف الأقرب في السنين الأخيرة للسودان ، لا ينقص عزمها في المضي قدما في بناء السد قرار السودان ورأيه ، فالسد بالنسبة لها مسالة حياة او موت ، مما يجب على الحكومة السودانية أخذه في الإعتبار ، اما على الصعيد المجتمعي فغالبية ان لم يكن جميع السودانيين (كما أوردنا في المقال السابق) يقفون على الجانب الأثيوبي أفريقي الإنتماء .. حتى أولائك الذين لايفقهون عن السد وتأثيره شيئا يقودهم اما حنقهم على المصريين او إنجزابهم للأثيوبيين الى ذلك الصف .
|