سلام يا دكتور،
الركزة للبطان سرّها عجيب ودق السوط منتشر في أغلب المناطق في الشمال. في بعضها انحسر وفي البعض الآخر مازال يمارس.
في مناطقنا انحسر وصار نادراً جداًً. لكني أذكره تماماً ونحن في مرحلة الصبا، كنا نشاهده، والأكيد، كنا نتوق وبصدق أن نركز مع الراكزين غير أن عامل السن كان يحول دون ذلك.
فيا ناصر، الركزة أسبابها الجو المحيط وما رسخ في الوجدان من تقاليد، لكن من الصعب تبرير دوافعها والسؤال عن ماذا يريد الراكز أن يثبت. فالراكز تتملكه "هوشة" وعند البعض، عدم وعي عند سماع الدلوكة والزغاريد ومشاهدة الشبابيل، كما وصفها ود بادي في قصيدته "هوي يا وليد" وقد أورد حسن مقطع منها عاليه.
تلك الحالة كنت قد كتبت عنها في بوست عبد الواحد الصبي الفارس ووصفت الجو المحيط بها:
اقتباس:
بدأت دقّة العرضة . .
في تلك اللحظة بالتحديد كان خير السيد مقابلاً لعبد الواحد وجهاً لوجه وبينهما خطوات معدودات، وبدأت العرضة بينهما.
كان الجميع مبتهجاً وقد بلغ الطرب منهم مبلغ . . فتيات ونساء يرقصن داخل الدارة يمارسن حركة الكر والفر بينهن و بين صفوف الصفّاقين . . تكر الراقصة فيتراجع الصف، تفر الراقصة فيكر الصف خلفها، يتم ذلك بتناسق تام بين حركة الصف، رقص الراقصة، إيقاع الدلّوكة، اللحن المُغَنّى و نغمات الطنبور. . وقد أدمت الصفقة الكفوف. ما أنبل هذه الكفوف . . تدميها أخشاب الطواري المتشقّقة نهاراً، وهم يجابدون باطن الأرض، وتدميها الصفقة لرقصات القماري ليلاً وهم يجابدون خيوط الفرح.
في الدارة أيضاً مبشّرين لا يشاركون في الصفوف، ينتظرون شبّالاً يترك نزّه أثراً على كتوف جلاليبهم. البعض متبلّم محاذراً أن تفوح رائحة مصفّى التمور منه. بعضهم يبشّر باليمين وعلى اليسار سيجارة يتصاعد دخانها على ضوء الرتاين مع ذرّات الغبار المُثار بفعل أرجل الصفّاقين، والبعض الآخر جعل من البطّاريّة "ذات اللون الفضّي و التلاتة حُجار" إمتداداً ليده المرتفعة للتبشير و التّي تراجع كف ذراع الجلاّبية عنها حتّى بان حجاباً ضاغط على الساعد.
حمى وطيس الدلّوكة وارتفعت الزغاريد لعنان السماء، صارت عرضة عبدالواحد وهو ممسكاً بطنبوره بيده اليمُنى بديلاً عن عصاة مضبّبة تُستخدم في مثل هذه الحالات، صارت عرضته مثل الحركة الآليّة المتسارعة.
إشتدّ الإيقاع، وتصاعدت وتيرة عرضة عبدالواحد وكأنّه رجلاً آلياً يعرض في عوالم أُخرْ، واشتد الحماس. فجأة نفض عبد الواحد جلاّبيته والعرّاقي وبقي بالسروال الطويل ذو التكّة الملوّنة، محنيّاً ظهره للبُطان، فقد كان خير السيد يحمل سوطاً عنجاويّاً طويل. كان الموقف مهيباً وكان جسمه ينتح وعيناه مغمضتان، وكان "ضمّة لا شايف ولا بيسمع". أسرع إليه خير السيد وحضنه، فقد كان أصغر بكثير من أن يركز ناهيك عن أن يُجلد.
علت الزغاريد وزاد ذلك من ثبات أقدام الصبي اليافع على الأرض. حاول خير السيد أن يُخرجه من الدارة ولم يفلح وحده فلحقه آخرون يحملون عبد الواحد بين أياديهم خارج الدارة وقد إزداد جسمه إنتفاضاً.
تلك كانت صورة من شخصيّة عبدالواحد الشاعر، الفنّان، الفارس، الشجاع، العشوق.
|
التعديل الأخير تم بواسطة عكــود ; 08-04-2014 الساعة 03:47 PM.
|