عرض مشاركة واحدة
قديم 18-04-2014, 02:17 PM   #[2]
الوليد محمد الأمين
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الوليد محمد الأمين
 
افتراضي

وددت لو تصل هده الكلمات بطريقة أو بأخري ألي المعلم وهو علي فراش المرض , هناك في بوغوتا , أو لعله في ماكوندو . وددت قبل ذلك أن تتمكن الكلمات من أن تعبر للمعلم الكبير عن مدي امتناننا لصنيعه تجاهنا .
لقد أثر المعلم غابرييل غارسيا ماركيز في حيواتنا وفي طريقة نظرتنا للحياة بطريقة لامجال لسبر غورها غير العودة لقراءة حكاياته مرة أخري . وفيما خصنا نحن هنا في البلاد المسماة ببلاد السودان كانت حكايات المعلم كتابة بطريقة أخري لطريقة عيشنا وحكاياتنا وخرافاتنا . كانت مثل كتابة أخري وبلغة أخري لطبقات العارف بالله محمد النور ود ضيف الله ونسخة أخري عن معتقدات جداتنا وطريقة ايمانهم بالله ونظرتهم للدنيا والأشياء . غالب ظني أن المعلم لم يسمع عن بلاد اسمها السودان غير المجاعات والحروب العبثية , لذلك وددت أن أخبره كم أننا ممتنون له .
علمنا المعلم وبطريقته ان الحياة الانسانية هي واحدة , ان الناس يحبون بذات الطريقة في ضواحي كالاكوتا وفي غاليسيا وفي شوارع الخرطوم , وان الالم الانساني هو الالم الانساني : لا فرق في ذلك كونك ابيض او خلاسياً , اصفر أو أحمر . كان تأكيده دائما أن الحياة أجمل من أن نهدرها في الصراعات , اما وان حدث ذلك فقد كان للماركيز دائما ذلك النزوع الانساني الي فهم الاخر والسعي نحو استكناه مبرراته , لذلك ليس ثمة شر مطلق وان كان هناك نزوع دائما نحو الخير .
في واحدة من كتاباته كتب الماركيز يقول : " لقد كنت مؤمنا علي الدوام بأن الحب قادر علي انقاذ الجنس البشري من الدمار ، وهذه العلائم التي تبدو ارتدادا الي الوراء هي علي العكس من ذلك تماما في الحقيقة : انها أنوار أمل "(1).
أي حكمة هذه التي تقف خلف مثل هذا الكلام ، أي تجربة عميقة ومعرفة بخصائص النفس البشرية .
تكمن فلسفة المعاني هنا في بساطة الكلمات وفي ما يقف خلفها من مخزون التأمل في صنيع البشر . يا لها من تجربة ويالها من حياة يا غابرييل !
أود لو تصل هده الكلمات الي الماركيز وأن يترجمها أحدهم لحضرته ويخبره أننا كذلك قد تعلمنا منه الكثير الكثير . فالكتابات التي تكتب بحبر المحبة غيرها التي تكتب كيفما اتفق ، كان المعلم يكتب دائما بحبر المحبة ، بالتقدير للآخر ، ربما لذلك كان صديقا شخصيا لدكتاتور كوبا العجوز فيديل كاسترو ولواحد من مؤسسي حركة التحرير الفلسطينية (فتح) ايام كان هم الفلسطينيين الأول هو تحرير بلادهم : السيد ياسر عرفات .
في واحدة من لقاءاته وحواراته الكثيرة يقول جابرييل : " أشعر بالتعب ... ومع ذلك أستمر بالكتابة كي لا أموت " ! أي شغف هذا بالكتابة وأي التزام ! أي حكمة ومعرفة بمعني الحياة والعطاء وتقديس قيمة العمل تكمن خلف هذا الكلام !(2)
واذا كان المعلم الكبير واحداً من أبرع كتاب ما عرف بعد ذلك بالواقعة السحرية ، فلغابو كما يطلق عليه أصدقاؤه تحبباً رأيه المحدد في ذلك " أن عدم الاتساق هو جزء من واقعنا أيضاً. أن واقعنا في حد ذاته بعيد كل البعد عن الاتساق والتناسق . وهذا في الغالب يخلق مشكلات خطيرة للكتاب الذين لا يستطيعون العثور علي الكلمات التي تصف هذا الواقع ". (3)
وغني عن القول أنه وان كان المعلم يتحدث عن واقع بلاد الكرنفال وأرض والشوارع الضاجة بحكايات العاشقين ونميمة النساء اللاتينيات عند الظهيرة وغرابات البطريرك والجنرال في متاهته فان ذلك ينطبق علينا أيما انطباق ، يكفي فقط الرجوع لقراءة مائة عام من العزلة وخريف البطريرك . أن الحياة الانسانية هي واحدة وكذلك المآسي وان تعددت مظاهرها .
والآن أيها المعلم الكبير ، وأذ تتقاصر الكلمات وتعجز اللغة أمام لغة حضرتك وحكاياتك ، فانني أود أن اختم هده الكتابة بالقول اننا – انا وجميع الاصدقاء الدين عرفوك من علي بعد الكتابة والملايين من أمثالنا – نتمني لك عاجل الشفاء أيها المعلم والسلام عليك وعلي شعب كولومبيا العظيم .


1-من كتاب "كيف تكتب الرواية ومقالات أخري" – ترجمة صالح علماني – الناشر : دار الأهالي للطباعة و النشر والتوزيع – 1988.
2- من مقالة كاليب باخ - مجلة " أميركاس americas " ، يونيو 2003. النص العربي من مجلة الكرمل .
3- من كتاب " رائحة الجوافة " ، حوارات بيلينيو ابوليو مندوزا ، ترجمة فكري بكر محمود ، الاصدار الثاني 1999 .



الوليد محمد الأمين غير متصل   رد مع اقتباس