عرض مشاركة واحدة
قديم 11-12-2005, 01:58 PM   #[43]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

[align=center]كي لا يستيقظ النمل - رواية -الأستاذ على الرفاعي
(3)
[/align]



قَاسِم : حَقِيْقَة كُلُّ شَىْءٍ لَهُ قِسْمَتُهُ الَّتِى قَسَمَهَا اللَّهُ لَهُ .
العَوَّام : صَدَقْتَ يَارُضْوَان ؛ فَكُلُّ شَىْءٍ فِيْهِ الشَّقِىُّ وَالسَّعِيْدُ ؛ وَالحَجَرُ الأَسْوَدُ أَسْعَدُ حَجَرٍ فِى الدُّنْيَا .. يُقَبِّلُهُ النَّاسُ وَيَتَزَاحَمُوْنَ عَلَيْهِ بِالمَنَاكِبِ ؛ وَهُوَ فِى النَّهَايَةِ حَجَرٌ مِنْ جِنْسِ الحِجَارَةِ . لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ عَائِلَةَ جَدِّى النُّعْمَانِ تَتَوَارَثُ الشَّقَاءَ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ .
وَدّالعَالْيَابِى : أَنَا لِى رَأْىٌ آخَرُ .. أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ حَسُّوْناً وَلَدَ النُّعْمَانِ قَدْ ضَرَبَ فِى الأَرْضِ وَالنَّاسُ يَبْحَثُوْنَ عَنْهُ وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ ؛ وَقَدْ وَجَدَهُ النَّاسُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ؛ لَكِنَّهُ أَنْكَرَهُمْ وَأَمْعَنَ فِى الهَرَبِ مِنْهُمْ . إِلَى أَنْ كَانَ يَنْظُرُ ذَاتَ مَرَّةٍ إِلَى صُوْرَتِهِ فِى مِرْآةٍ وَحَدَّقَ فِى عَيْنَيْهِ بِتَرْكِيْزٍ شَدِيْدٍ ؛ فَرَأَى فِيْهِمَا النِّيْلَ وَالنَّخِيْلَ وَالحَدَائِقَ وَالطُّيُوْرَ وَأَطْفَالاً يَلْعَبُوْنَ ؛ فَلَمَّا تَمَعَّنَ أَكْثَرَ الأَطْفَالِ ضَحِكاً وَمُشَاكِسَةً عَرَفَهُ ؛ فَقَدْ كَانَ هُوَ نَفْسهُ .. لَقَدْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِى طُفُوْلَتِهِ ؛ فَرَمَى بِالمِرْآةِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ حَتَّى تَنَاثَرَتْ قِطَعاً ؛ وَعَادَ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى طِفْلاً كَبِيْراً مُعْدَماً مِنْ مَالِ الدُّنْيَا .
المِيْجَر : مَنْ لاَيَحْتَرِمِ المَالَ يَحْتَقِرْهُ النَّاسُ ؛ وَالاحْتِقَارُ فِى النَّاسِ مَوْجُوْدٌ مُنْذُ أَنْ وُجِدَ المَالُ ؛ وَالنَّاسُ وُجِدُوا قَبْلَ المَالِ .
ضَمْرَة : حَسُّوْنٌ يَحْتَقِرُ المَالَ لأَنَّهُ خَبِرَ الحَيَاةَ ؛ وَقَدْ خَبِرَ الحَيَاةَ لأَنَّهُ قَدِ اتَّعَظَ بِالمَوْتِ ؛ حَسُّوْنٌ فَأْسٌ لَمْ يُوْلَدْ حَدَّادُهَا بَعْدُ . أَنَا أَتَّفِقُ مَعَ عبدالعَاطِى فِى أَنَّ حَيَاةَ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان كَانَتْ مَأْسَاةً كُلَّهَا ؛ لَكِنَّنِى أَخْتَلِفُ مَعَهُ فِى نَوْعِ تِلْكَ المَأْسَاةِ وَأَبْعَادِهَا . أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ مَأْسَاةَ حَسُّوْنٍ الحَقِيْقِيَّةَ تَكْمُنُ فِى أَنَّهُ حِيْنَ يَكُوْنُ فِى لنْدنَ ؛ فَإِنَّهُ يَعِيْشُ مَعَ أَهْلِهَا بِعَاطِفَةِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى ؛ وَعِنْدَمَا يَجِىءُ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى كَانَ يَعِيْشُ مَعَ أَهْلِهِ بِعَقْلِيَّةِ أَهْلِ لنْدنَ . هَذَا التَّنَاقُضُ هُوَ الَّذِى حَطَّمَ قَلْبَ حَسُّوْنٍ وَأَتْعَبَ عَقْلَهُ .
العَوَّام : لَكِنْ أَلايَجْلِبُ مِثْلُ هَذَا العِلْمِ الَّذِى يَتَمَتَّعُ بِهِ حَسُّوْنٌ ؛ وَالَّذِى رَأَيْتُمُوْهُ وَقَرَأْتُمُوْهُ فِى صَنَادِيْقِهِ بِأَنْفُسِكِمْ ؛ لِصَاحِبِهِ العَدَاءَ؟
وَدّالسَّخِى : أَعْتَقِدُ أَنَّ لِحَسُّوْنٍ أَعْدَاءً بِعَدَدِ الرَّمْلِ .
رُضْوَان : لايَصْلُحُ صَدِيْقاً مَنْ لاأَعْدَاءَ لَهُ .
كَانَتْ أَصْوَاتُهُمْ وَهُمْ يَتَحَاوَرُوْنَ تَصِلُ إِلَى أُذُنَىِّ وَدّالبَاشْكَاتِب الصَّامِتِ طِيْلَةَ ذَاْكَ الحِوَارِ ؛ كَبَثِّ إِذَاعَةٍ فِى الصَّحْرَاءِ مَحْظُوْرَةٍ فِى زَمَنِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ العَاشِرَة . وَفَجْأَةً نَهَضَ وَخَاطَبَ الجَمْعَ بِتُؤْدَةٍ :
ـ لَقَدْ قَدَّمْنُمْ أُطْرُوْحَاتٍ تَخْجَلُ مِنْ طَرْحِ نَفْسِهَا ؛ وَمَالِهَذَا اجْتَمَعْنَا . لَقَدْ أَنْهَيْنَا البَحَثَ المُضْنِىَ فِى صَنَادِيْقِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ وَنُرِيْدُ أَنْ نَخْرُجَ بِنَتِيْجَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ تُفَسِّرُ سِرَّ انْتِحَارِ حَسُّوْنٍ ؛ الَّذِى لَمْ تُشِرِ الخَوَاجِيَّةُ إِلَيْهِ فِى كِتَابِهَا عَنْ حَسُّوْنٍ . فَرَجُلٌ فِى غَزَارَةِ عِلْمِ هَذَا العَبْقَرِىِّ لايُمْكِنُ أَنْ يَنْتَحِرَ بِهَذِهِ السُّهُوْلَةِ؛ بَلْ لِسَبَبٍ قَوِىٍّ لايُؤَدِّى إِلَى نَتِيْجَةٍ غَيْرِ الانْتِحَارِ . فَهَلْ وَصَلْنَا إِلَى أَىِّ نَتِيْجَةٍ؟
صِبيْر : إِنَّنَا مَانَكَادُ نَبْلُغُ غَايَةً؛ حَتَّى نَجِدَ أَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ الجَوْلَةَ مِنْ جَدِيْدٍ . لَقَدْ أَصْبَحْنَا كَمَنْ عَلَى رَأْسِ نَخْلَةٍ طَوِيْلَةٍ يَئِنُّ عُرْجُوْنُهَا مِنْ كَثْرَةِ التَّمْرِ ؛ وَلَمَّا هَمَّ بِقَطْعِ أَوَّلِ عُرْجُوْنَةٍ سَقَطَ مِنْجَلُهُ عَلَى الأَرْضِ ؛ وَلَيْسَ تَحْتَ النَّخْلَةِ أَحَدٌ يَقْذِفُ بِهِ إِلَيْهِ .
ضَمْرَة : ذَلِكَ لأَنَّنَا نَبْغِى الكَمَالَ البَشَرِىَّ .
وَدّالعَالْيَابِى : لايَظْهَرُ الكَمَالُ فِى أَشْيَاءَ ؛ إِلاَّ بَعْدَ وُضُوْحِ النُّقْصَانِ فِى أَشْيَاءٍ أُخَرَ .
وِدَاعَة : إِنَّنَا كَمَنْ يَبْحَثُ عَنْ إِبْرَةٍ فِى قَاعِ بِئْرٍ مَلِيْئَةٍ بِالمَاءِ .
المِيْجَر : لَقَدْ أَخْطَأَتْ دَلْوُنَا قَعْرَ البِئْرِ .
عبدالعَاطِى : بَلْ أَصْبَحْنَا كَرَجُلٍ انْقَطَعَ حَبْلُ دَلْوِهِ فِى بِئْرِ غَيْرِهِ .
هَكَذَا اتَّصَلَ الحَدِيْثُ ؛ وَقَدْ كَانَ وَدّالبَاشْكَاتِب حِيْنَ يُغْمِضُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَيَنْظُرُ بِالأُخْرَى إِلَى أَسْفَلَ فَيَرَى مُعْظَمَ جَانِبِ أَنْفِهِ ؛ يُدْرِكُ أَنَّ صُوْرَةَ الأَشْيَاءِ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ ؛ عَلَى الأَقَلِّ فِى نَظَرِهِ . وَهَذَا مَارَآهُ مَدَنِى وَدّالعَازَّة يَفْعَلُهُ فِى تِلْكَ الجَلْسَةِ ؛ ثُمَّ يَنْهَضُ وَيَقُوْلُ لَهُمْ :
ـ اعْطُوْنِى بَعْضَ الوَقْتِ وَسآتِيْكُمْ بِالخَبَرِ اليَقِيْنِ .
ثُمَّ مَالَبِثَ الجَمِيْعُ أَنْ تَفَرَّقُوا إِلَى بُيُوْتِهِمْ بِصَمْتٍ شَدِيْدٍ .
لَمْ يَدْرِ وَدّالبَاشْكَاتِب لأَيَّامٍ عَدِيْدَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِمَ بَدَا لَهُ أَهْلُ قُوْزْ قُرَافِى كَقَتَلَةٍ يَنْتَظِرُوْنَ مَالَ الدِّيَةِ مِنْ زَكَاةٍ لَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُهَا بَعْدُ؟ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ شِعَارُ السَّكَاكِيْنِ المَرْفُوْعُ : (يَاسَكَاكِيْنَ العَالَمِ اتَّحِدِى)؟ لَمْ يَدْرِ ـ فِى الوَاقِعِ ـ لِمَ بَدَتْ لَهُ كُلُّ سَكَاكِيْنِ العَالَمِ وَقَدْ فَقَدَتْ حِدَّتَهَا وَجَسَارَتَهَا فِى لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ؟ كَأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَزَعَ سِرَّهُ مِنَ الحَدِيْدِ فِى لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَسُبْحَانَ مِنْ يَضَعُ سِرَّهُ فِى أَضْعَفِ خَلْقِهِ ؛ وَالحَدِيْدُ فِيْهِ بَأْسٌ شَدِيْدٌ ؛ وَكُلُّ مَخْلُوْقٍ نَزَعَ اللَّهُ سِرَّهُ مِنْهُ فَهُوَ ضَعِيْفٌ ؛ وَإِنْ بَدَا قَوِيّاً أَمَامَ النَّاسِ . أَتُرَى كَانَ وَدّ البَاشْكَاتِب قَوِيّاً حِيْنَ سَأَلَتْهُ الخَوَاجِيَّة :
ـ إِلَى أَيْنَ وَصَلْتُمْ يَاوَدّالبَاشْكَاتِب؟
فَأَجَابَهَا :
ـ لاأَدْرِى بِالضَّبْطِ .
الخَوَاجِيَّة : إِنَّكُمْ لَنْ تَصِلُوا إِلَى أَكْثَرَ مِمَّا وَصَلْتُ إِلَيْهِ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : لِنَرَ . وَلَكِنْ بِكُلِّ أَمَانَة يَالَيْلَى عِبيْد ؛ هَلْ كَتَبْتِ كُلَّ مَاتَعْرِفِيْنَ عَنْ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ أَمْ أَنَّكِ تَحْتَفِظِيْنَ لِنَفْسِكِ بِحَقَائِقَ لاتَوَدِّيْنَ البَوْحَ بِهَا لأَسْبَابٍ شَخْصِيَّة؟
الخَوَاجِيَّة : سَوْفَ أُجِيْبُ عَنْ سُؤَالِكَ هَذَا بَعْدَ أَنْ أَلْتَقِىَ بِالمَامُوْن .
وَعِنْدَ لِقَائِهَا بِهِ سَأَلَتْهُ :
ـ أَلاتَذْكُرُ يَامَامُوْنُ ذَاْكَ الخِطَابَ الَّذِى أَرْسَلْتُهُ لَكَ مِنْ لنْدنَ ؛ بَعْدَ مُغَادَرَتِى قُوْزْ قُرَافِى بِعَامٍ؟
المَامُوْن : كَيْفَ لاأَذْكُرُهُ؟ مَازِلْتُ أَحْتَفِظُ بِهِ ؛ وَكَأَنَّنِى قَدِ اسْتَلَمْتُهُ مَنَ البَرِيْدِ اليَوْمَ ؛ وَلَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً سِوَى بَشِيْر وَدّالجُزُوْلِى .
الخَوَاجِيَّة : أُرِيْدُ ذَاْكَ الخِطَابَ الآنَ .
المَامُوْن : لِمَاذَا؟
الخَوَاجِيَّة : تَعْلَمُ يَامَامُوْنُ أَنَّ شُبَّانَ قُوْزْ قُرَافِى يَبْحَثُوْنَ عَنِ السَّبَبِ الرَّئِيْسِىِّ لانْتِحَارِ حَسُّوْنٍ ؛ وَقَدْ آنَ الأَوَانُ لِيَعْرِفُوا كُلَّ مَاأَعْرِفُ عَنْ حَسُّوْنٍ وَانْتِحَارِهِ ؛ ذَلِكَ كَىْ يَقْتَنِعُوْا فَيَتِنَكَّبُوْا هَذِهِ السَّبِيْلَ .
هَكَذَا سَلَّمَتِ الخَوَاجِيَّةُ ذَاْكَ الخِطَابَ إِلَى وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ الَّذِى مَاأَنْ قَرَأَهُ كُلَّهُ حَتَّى أَصْدَرَ صَوْتاً يُشْبِهُ صَوْتَ الدِّيْكِ حِيْنَ تُحَلِّقُ فَوْقَهُ الحَدْأَةُ ؛ شَأْنُهُ حِيْنَ يُعْجِبُهُ شَىْءٌ أَوْيَسْتَغْرِبُ أَمْراً . لَقَدْ فَرِحَ وَدّالبَاشْكَاتِب بِهَذَا الخِطَابِ فَرَحاً دُوْنَهُ فَرَحُ مَنِ اكْتَشَفَ قَارَّةً بِأَكْمَلِهَا .. فَرَحاً لَمْ يَفْرَحْ (كُوْلَمْبُس) مِثْلَهُ حِيْنَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اكْتَشَفَ أَمِيْرِيْكَا ؛ وَهُوَلايَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ مَنِ اكْتَشَفَهَا ؛ وَأَنَّ العَرَبَ قَدِ اكْتَشَفُوْهَا قَبْلَهُ . وَبَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنَ الخِطَابِ عِدَّةَ نُسَخٍ ؛ جَمَعَ وَدّ البَاشْكَاتِب فِى المَسَاءِ أَفْرِقَةَ العَمَلِ الَّتِى يَرْأَسُهَا ؛ وَبَعْدَ أَنْ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نُسْخَةً مِنَ الخِطَابِ خَطَبَ فِيْهِمْ : (هَذَا الخِطَابُ وَثِيْقَةٌ لاتُقَدَّرُ بِثَمَنٍ ؛ فَلْيَدْرُسْهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِعَقْلِهِ وَبِهُدُوْءٍ لِمُدَّةِ أُسْبُوْعٍ نَلْتَقِى بَعْدَهُ بِمَنْزِلِى ؛ لِنَقِفَ عَلَى النَّتِيْجَةِ الَّتِى يَخْرُجُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ؛ ذَلِكِ لِنَصِلَ إِلَى نَتِيْجَةٍ نِهَائِيَّةٍ نَحْسِمُ بِهَا أَمْرَ انْتِحَارِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان) .
مَاأَنِ انْقَضَى الأُسْبُوْعُ إِلاَّ وَكَانَ ظِلُّ شَجـَرَةِ النِّيْمِ المُنْتَصِبَة قَرِيْباً مِنْ بَابِ
مَنْزِلِ وَدّالبَاشْكَاتِب مِنَ الخَارِحِ ؛ يَقِفُ تِيْهاً فِى نُوْرِ القَمَرِ وَقَدْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَشْجِبُ كُلَّ أَنْوَاعِ الظَّلامِ .. وَالظِّلُّ لايَظْهَرُ إِلاَّ فِى الضَّوْءِ وَإِلاَّ فِى النُّوْرِ . لَقَدْ رَبَطَ عبدالعَاطِى حِمَارَتَهُ فِى جِذْعِ شَجَرَةِ النِّيْمِ تِلْكَ .. وَوَدّالبَاشْكَاتِب مُرٌّ كَحَطَبِ أَشْجَارِ النِّيْمِ .. وَالأَرْضَةُ أَكَلَتْ كُلَّ شَىْءٍ فِى قُوْزْ قُرَافِى ـ حَتَّى ضَمَائِرَ النَّاسِ ـ إِلاَّ حَطَبَ النِّيْمِ . لَقَدْ رَبَطَ عبدالعَاطِى حِمَارَتَهُ فِى جِذْعِ شَجَرَةِ النِّيْمِ وَوَقَفَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ؛ وَلِحِمَارَةِ عبدالعَاطِى تِلْكَ قِصَّةٌ ؛ فَقَدْ رَأَى عبدالعَاطِى حِمَارَةَ حاج الرَّضِى تَحُكُّ بِحَافِرِ رِجْلِهَا الخَلْفِيَّةِ خَلْفَ أُذُنِهَا ؛ وَكَأَنَّهَا تُفَكِّرُ فِى حَلِّ مَشَاكِلِ هَذَا الكَوْنِ المُعَقَّدَةِ بَعْدَ أَنْ عَجَزَ الإِنْسَانُ عَنْ حَلِّهَا . لَقَدْ بَدَتْ لَهُ حِمَارَةُ حاج الرَّضِى فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَكَأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ مَشَاكِلَهَا وَمَشَاكِلَ بَنِى جِنْسِهَا ؛ الَّتِى مِنْ أَقْوَى وَأَخْطَرِ أَسْبَابِهَا الإِنْسَانُ ؛ وَانْهَمَكَتْ تُفَكِّرُ فِى حَلِّ مَشَاكِلِ الإِنْسَانِ المُعَقَّدَةِ وَالمُزْمِنَةِ ؛ فِيْمَا عَجَزَ حاج الرَّضِى عَنْ مُجَرَّدِ التَّفْكِيْرِ فِى حَلِّ مَشَاكِلِهِ الشَّخْصِيَّةِ . فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ البَعِيْدَةِ تَذَكَّرَ عبدالعَاطِى قَوْلَ صِبيْرٍ لَهُ عَمِّى الرَّضِى رَجُلٌ مَلابِسُهُ تُفَكِّرُ أَفْضَلَ مِنْهُ) . فِى ذَاْكَ الوَقْتِ ابْتَسَمَ عبدالعَاطِى وَهُوَ يَسْأَلُ نَفْسَهُ :"لِمَ لايُفَكِّرُ عَمِّى الرَّضِى مِثْلُ هَذِهِ الحِمَارَة؟ بَلْ لِمَ تَكُوْنُ هَذِهِ الحِمَارَةُ أَعْقَلَ مِنْ صَاحِبِهَا؟" عِنْدَ ذَاْكَ الحَدِّ أَكْبَرَ عبدالعَاطِى حِمَارَةَ حاج الرَّضِى تِلْكَ وَقَرَّرَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا ؛ وَهُوَ الَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ المَالَ هُوَ حَلُّ كُلِّ مَشَاكِلِ عَمِّهِ الرَّضِى . لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ ؛ أَمَّا الآنَ فَقَدْ نَظَرَعبدالعَاطِى إِلَى حِمَارَتِهِ المَرْبُوْطَةِ فِى جِذْعِ نِيْمَةٍ عِنْدَ بَيْتِ وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ فَابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً لَيْسَتْ كَابْتِسَامَتِهِ حِيْنَ رَأَى تِلْكَ الحِمَارَةَ تَحُكُّ بِحَافِرِهَا خَلْفَ أُذُنِهَا . ابْتَسَمَ الآنَ ابْتِسَامَةً بَدَتْ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَسْتَشِرْ بَقِيَّةَ أَخَوَاتِهَا عَنْ إِعْلانِهَا عَنْ نَفْسِهَا .. كَشَىْءٍ انْفَصَلَ عَنْ أَصْلِهِ .. كَبَعِيْرٍ شَرَدَ مِنْ قَطِيْعِهِ . هَكَذَا غَرِقَ عبدالعَاطِى فِى تَأَمُّلاتِهِ ؛ وَلَكِنَّ وَدّالبَاشْكَاتِب الَّذِى كَانَ يَنْظُرُ فِى سَاعَتِهِ أَخْرَجَهُ مِنْ تَأَمُّلاتِهِ تِلْكَ :
ـ لَقَدْ خَيَّبْتَ ظَنَّنَا فِى سَاعَةِ (بِقْ بِنْ) ؛ رَمْزُ الزَّمَنِ المُنْضَبِطِ .
عبدالعَاطِى : أَنَا سَاعَتِى سَاعَةُ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى .. سَاعَةٌ دَاخِلِيَّةٌ تُحِسُّ بِالحَدَثِ قَبْلَ وُقُوْعِهِ .
وَبِدَاخِلِ بَيْتِ وَدّالبَاشْكَاتِب ـ وَقَدِ اَنْقَضَى الأُسْبُوْعُ ـ أَحَسَّ عبدُالعَاطِى بِدِفْءٍ فِى قَلْبِهِ ثُمَّ بِحَرَارَةٍ وَكَأَنَّ النَّارَ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ ؛ وَهُوَ يَشْهَدُ النِّقَاشَ الَّذِى بَدَأَهُ ضَمْرَةُ :
ـ أَعْتَقِدُ أَنَّ أَخْطَرَ فِقْرَةِ فِى هَذَا الخِطَابِ ؛ هِىَ الفِقْرَةُ الَّتِى تَتَحَدَّثُ عَنْ تَفْرِيْغِ شَخْصٍ مِنْ شَخْصِيَّتِهِ الأَصْلِيَّةِ وَتَعْبِئَتِهِ بِشَخْصِيَّةٍ أُخْرَى .
المِيْجَر : وَهَذَا هُوَ رَأْىِ أَيْضاً .
وَدّالعَالْيَابِى :الَّذِى حَدَثَ بِالضَّبْطِ هُوَ أَنَّ حَسُّوْناً وَلَدَ النُّعْمَانِ قَدِ اشْتَرَكَ قَبْلَ الخَوَاجِيَّةِ فِى هَذِهِ التَّجْرِبَةِ مَعَ صَدِيْقِهِ دُكْتُوْر(مَايْكِل) .. عَبَّأَا شَخْصاً يُشْبِهُ حَسُّوْناً تَمَاماً بِشَخْصِيَّةِ حَسُّوْنٍ ؛ وَأَوْقَرَا فِى عَقْلِهِ البَاطِنِ أَنْ يُحِبَّ (قَارِيْقَا) وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَقْتُلَهَا لَيْلَةَ زَفَافِهِ وَيَنْتَحِرَ ؛ وَهَذَا مَاحَدَثَ بِتَفَاصِيْلِهِ .
فَرَح : وَمَاذَا يَسْتَفِيْدُ حَسُّوْنٌ مِنْ ذَلِكَ؟
صِبيْر : إِنَّهَا خِدْمَةٌ يُقَدِّمُهَا لِلعِلْمِ الَّذِى يَعْبُدُهُ .
العَوَّام : هَبْ أَنَّنَا صَدَّقْنَا ذَلِكَ ؛ فَمَا الدَّاعِى لأَنْ يَشْحَنَا الخَوَاجَةَ(مِسْتَر نُعْمَان) بِشَخْصِيَّةِ ابْنٍ وَهْمِىٍّ لِحَسُّوْن؟
وَدّالعَالْيَابِى : لَعَلَّ حَسُّوْناً بَعْدَ نَجَاحِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ القَاسِيَةِ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَافَعَلَ؛ وَخَاصَّةً عَلَى الآلامِ الَّتِى سَبَّبَهَا لِعَمِّى النُّعْمَانِ . وَلَمَّا كَانَ لايَسْتَطِيْعُ العَوْدَةَ بِشَخْصِهِ بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ الجَمِيْعُ مِنْ مَوْتِهِ ؛ فَقَدْ عَادَ فِى شَخْصِ ابْنٍ وَهْمِىٍّ لَهُ لِيُخَفِّفَ عَنْ عَمِّى النُّعْمَانِ بَعْضَ الشَّىْءِ ؛ بَلْ لِيَتَزَّوَجَ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى كَمَا رَسَمَا لَهُ ؛ لَعَلَّهُ يُخَلِّفُ ابْناً يَرَى فِيْهِ عَمِّى النُّعْمَانُ بَعْضاً مِنْهُ .. يَرَى فِيْهِ ابْنَهُ حَسُّوْناً .
وَدّالبَاشْكَاتِب : هَذِهِ نَظَرِيَّةٌ جَدِيْرَةٌ بِالمُنَاقَشَةِ وَالدِّرَاسَةِ .. نَظَرِيَّةُ أَنَّ حَسُّوْناً وَلَدَ النُّعْمَانِ مَايَزَالُ حَيّاً . وَلَكِنْ كَيْفَ نُثْبِتُ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ؟
وَدّالعَالْيَابِى : هَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ ؛ أَلَمْ تَقُلِ الخَوَاجِيَّةُ فِى خِطَابِهَا لِلمَامُوْنِ إِنَّهَا أَرْجَعَتْ جَوَازَ سَفَرِ حَسُّوْنٍ إِلَى حَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ؟
وَدّالبَاشْكَاتِب : أَجَل .
وَدّالعَالْيَابِى : إِذَنْ السِّرُّ يَكْمُنُ فِى جَوَازِ السَّفَرِ هَذَا . نَرْجِعُ إِلَى جَوَازِ سَفَرِ حَسُّوْنٍ فِى حَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ وَنَبْحَثُ عَنْ آخِرِ تَارِيْخٍ يَحْمِلُهُ خَتْمُ دُخُوْلِهِ الوَطَنَ ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ سَنَوَاتٍ كَثِيْرَةٍ مِنِ انْتِحَارِهِ فَهُوَ غَيْرُ الجَوَازِ الَّذِى دَخَلَ بِهِ آخِرَ مَرَّةٍ . وَفِى هَذِهِ الحَالَةِ يَكُوْنُ هُنَالِكَ جَوَازٌ آخَرُ اسْتَخْرَجَهُ حَسُّوْنٌ .. رُبَّمَا بِسَبَبِ امْتِلاءِ الجَوَازِ السَّابِقِ أَوِانْتِهَاءِ مُدَّةِ صَلاحِيَّتِهِ الكُلِّيَّةِ ؛ هَذَا الجَوَازُ الآخَرُ هُوَ الَّذِى رُبَّمَا دَخَلَ بِهِ شَبِيْهُهُ الوَطَنَ ؛ أَوْيَحْمِلُهُ حَسُّوْنٌ الآنَ بَعْدَ تَجْدِيْدِهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ . أَمَّا إِنْ كَانَ خَتْمُ دُخُوْلِهِ الوَطَنَ آخِرَ مَرَّةٍ يَحْمِلُ تَارِيْخاً قَرِيْباً مِنْ تَارِيْخِ انْتِحَارِهِ ؛ فَقَدْ بَطَلَتْ نَظَرِيَّةُ أَنَّ حَسُّوْناً مَايَزَالُ حَيّاً مِنْ أَسَاسِهَا .
ضَمْرَة : أَتَقْصِدُ يَاوَدّالعَالْيَابِى أَنَّهُ فِى حَالَةِ وُجُوْدِ فَارِقٍ زَمَنِّىٍّ كَبِيْرٍ بَيْنَ تَارِيْخِ دُخُوْلِ حَسُّوْنٍ لِوَطَنِهِ لِلمَرَّةِ الأَخِيْرَةِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِهِ المَوْجُوْدِ بِحَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ وَتَارِيْخِ انْتِحَارِه ِ؛ يُوْجَدُ فِى هَذِهِ الحَالَةِ جَوَازٌ آخَرُ لِحَسُّوْنٍ يَسْتَعْمِلُهُ الآنَ ؛ غَيْرُ الجَوَازِ المَوْجُوْدِ بَحَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ؟
وَدّالعَالْيَابِى : هُوَ ذَاْكَ بِالضَّبْطِ .
وِدَاعَة : أَتُرَى الخَوَاجِيَّةَ لَمْ تُدَقِّقْ فِى تَارِيْخِ خَتْمِ دُخُوْلِ حَسُّوْنٍ لِلوَطَنِ لِلمَرَّةِ الأَخِيْرَةِ ؛ وَذَلِكَ فِى الجَوَازِ المَوْجُوْدِ فِى حَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ؟
وَدّالعَالْيَابِى: رُبَّمَا .
قَاسِمٌ فِى نَفْسِهِ : "هَذَا نَبَأٌ تَسْقُطُ لَهَوْلِهِ اللُّقْمَةُ مِنَ الفَمِ" .
قَالَ قَاسِمٌ ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى وَدّالبَاشْكَاتِب وَهُوَ يَجْلِسُ بِهُدُوْئِهِ المَعْهُوْدِ وَيُسَجِّلُ شَيْئاً عَلَى وَرَقَةٍ أَمَامَهُ ؛ ثُمَّ رَآهُ يَقِفُ فَجْأَةً وَيَقُوْلُ :
ـ المُهِمَّةُ الأُوْلَى هِىَ التَّأَكُّدُ مِنْ تَارِيْخِ آخِرِ خَتْمِ دُخُوْلٍ لِلوَطَنِ يَحْمِلُهُ جَوَازُ سَفَرِ حَسُّوْنٍ المَوْجُوْدُ بِحَقِيْبَةِ أَوْرَاقِهِ .
وَلَمْ يُكْمِلْ كَلامَهُ ؛ إِذْ سَمِعَ صَوْتَ رِضْوَانَ :



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس