الموضوع
:
كي لا يستيقظ النمل - رواية - على الرفاعي
عرض مشاركة واحدة
11-12-2005, 02:00 PM
#[
44
]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
ـ عَالَم يحَيِّر! مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ آمنَة (قَارِيْقَا) ؛ وَلِذَا انْتَحَرَ لَيْلَةَ زَفَافِهِ حِيْنَ اكْتَشَفَ أَنَّهُ قَدْ أُدْخِلَ عَلَى أُخْتِهِ؟! وَقْبَلَ ذَلِكَ قَتَلَهَا وَقَتَلَ كُلَّ مِنْ لَهُ صِلَةٌ بِهَذَا الزَّوَاجِ ؛ فَقَتَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَحِرَ المَأْذُوْنَ الَّذِى عَقَدَ قِرَانَهُمَا وَحَمَّاداً وَلِىَّ أَمْرِهَا وَحَتَّى كَلْبَ قَارِيْقَا (شَنْدِّيَّة) ؛ مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ ذَلِكَ؟!
وَدّالبَاشْكَاتِب : هَذِهِ نَظَرِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ نَظَرِيَّةِ الجَوَازِ ؛ وَهِىَ نَظَرِيَّةُ الخَوَاجِيَّةِ أَيْضاً .
قَاَل وَدّ البَاشْكَاتِب ذَلِكَ وَكَتَبَ شَيئاً عَلَى الوَرَقَةِ ؛ وَالمِيْجَرُ يَسْأَلُ :
ـ هَلْ سَمِعْتُمْ بِأَحْدَثِ نَظَرِيَّةٍ؟
وَدّالعَالْيَابِى : قُلْ ؛ فَفِى هَذَا الزَّمَنِ كُلُّ شَىْءٍ غَرِيْبٍ مُمْكِن .
المِيْجَر: النَّظَرِيَّةُ الحَدِيْثَةُ تَقُوْلُ
إِنَّ قَارِيْقَا نَفْسَهَا لَيْسَتْ ابْنَةً لِعَمِّى النُّعْمَانِ.. قَارِيْقَا حَمَلَتْ بِهَا سِت الجِيْل بِتْ عَبْدَاللَّه سِفَاحاً مِنَ الأَعْرَابِىِّ اللَّبِيْب) . عبدالعَاطِى : وَحَسُّوْن وَعَوَضِيَّة؟
المِيْجَر : اصْبِرْ حَتَّى تَسْمَعَ بَقِيَّةَ القِصَّة . فَقَدْ وَجَدْتُ فِى نَتِيْجَةِ فَحْصٍ طِبِّىٍّ لِعَمِّى النُّعْمَانِ ضِمْنَ أَوْرَاقٍ قَدِيْمَةٍ لَهُ طَلَبَ مِنِّى حَرْقَهَا ؛ وَجَدْتُ فِى نَتِيْجَةِ ذَاْكَ الفَحْصِ الَّذِى أُجْرِىَ بِمُسْتَشْفَى مَرَوِىْ ؛ أَنَّ النُّعْمَانَ أَحْمَد طَهَ عَقِيْمٌ عُقْماً دَائِماً مُنْذُ أَنْ جَاءَ إِلَى الدُّنْيَا .
العَوَّام : وَهَلْ يَعْلَمُ عَمِّى النُّعْمَانُ ذَلِكَ؟
المِيْجَر : لاأَشُكُّ فِى ذَلِكَ .
صِبيْر: إِذَنْ صَدْرُعَمِّى النُّعْمَانِ يَنْطَوِى عَلَى أَخْطَرِ سِرٍّ يُمْكِنُ لِقَلْبِ بَشَرٍ أَنْ يَحْمِلَهُ طِيْلَةَ هَذِهِ السِّنِيْنَ .
ضَمْرَة : أَلاتَعْتَقِدوْنَ أَنَّ حَسُّوْناً وَلَدَ النُّعْمَانِ البَاحِث دَوْماً عَنِ الحَقِيْقَةِ؛ قَدْ وَقَفَ عَلَى ذَاْكَ التَّقْرِيْرِ الطِّبِّىِّ؟
وِدَاعَة : أُرَجِّحُ ذَلِكَ . بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَعْتَقِدُ أَنَّ الخَوَاجِيَّةَ هِىَ ابْنَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ لِحَسُّوْنٍ؛ أَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا بِذَلِكَ فَجَاءَتْ تَبْحَثُ عَنْ جُذُوْرِهَا بِقُوْزْ قُرَافِى؛ فَوَجَدَتْ ِقُوْزْ قُرَافِى وَلَمْ تَجِدْ جُذُوْرَهَا .
عبدالعَاطِى : هَذَا أَمْرٌ يَصْعُبُ إِثْبَاتُهُ .
وِدَاعَة : وَلَكِنْ مَعِىَ الدَّلِيْل .
مَدَنِى وَدّالعَازَّة : هَاتَهُ .
وِدَاعَة : لَمْ يَحِنْ وَقْتُهُ بَعْدُ .
رُضْوَان : أَنَا لَدَىَّ نَبَأٌ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَهُوَ أَنَّ عَوْضِيَّةَ هِىَ أُخْتُ المَامُوْنِ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَبِيْهِ .
صِبيْر : أَتَعْتَقِدُ أَنَّ المَامُوْنَ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ وَأَنْجَبَ مِنْهَا؟
رُضْوَان : هَذِهِ هِىَ الحَقِيْقَة .
صِبيْر : إِذَا صَدَّقْنَا أَنَّ اللَّبِيْبَ هُوَ وَالِدُ قَارِيْقَا ؛ فَمَنْ هُوَ وَالِدُ حَسُّوْنٍ عَلَى حَسَبِ نَظَرِيَّةِ عُقْمِ عَمِّى النُّعْمَانِ؟
عبدالعَاطِى : عَلَى كُلٍّ فَإِنَّ حَسُّوْناً قَدْ وُلِدَ وَبَابُ التَّوْبَةِ لَمْ يُقْفَلْ بَعْدُ .
فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَحَسَّ وَدّالعَالْيَابِى أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ يَعِيْشُ فِى الدُّنْيَا كَالمِسْوَاكِ فِى الفَمِ .. كَشَىْءٍ ضَئِيْلٍ فِى مُحِيْطٍ وَاسِعٍ . وَقَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ إِجَابَةً لِسُؤَالِ صِبيْرٍ الأَخِيْرِ ؛ قَالَ وَدّالبَاشْكَاتِب الَّذِى رَفَعَ رَأْسَهُ بَعْدَ إِطْرَاقَةٍ طَوِيْلَةٍ كَانَ يَسْتَمِعُ فِيْهَا صَامِتاً :
ـ يَاالمِيْجَر : قُلْتَ إِنَّكَ اطَّلَعْتَ عَلَى تَقْرِيْرٍ طِبِّىٍّ يُثْبِتُ عُقْمَ عَمِّى النُّعْمَانِ الدَّائِمَ .
المِيْجَر : نَعَمْ ؛ وَهُوَ فِى جَيْبِى الآنَ .
وَدّالبَاشْكَاتِب : هَاتَهُ .
مَاأَنْ قَرَأَ وَدّالبَاشْكَاتِب التَّقْرِيْرَ الطِّبِّىَّ بِحُرُوْفِهِ الإِنْجِلِيْزِيَّةِ الوَاضِحَةِ ؛ حَتَّى رَمَى بِهِ فِى وَجْهِ المِيْجَرِ وَهُوَ يَقُوْلُ بِغَضَبٍ :
ـ مَاأَجْهَلَ مَنْ لايُفَرِّقُ بَيْنَ الدُّوْسُنْتَارِيَا المُزْمِنَةِ وَالعُقْمِ الدَّائِمِ! ثُمَّ فَلنَفْتَرِضْ أَنَّ سِتَّ الجِيْلِ قَدْ حَمَلَتْ بِقَارِيْقَا سِفَاحاً مِنَ الأَعْرَابِىِّ اللَّبِيْبِ ؛ فَهَلْ حَمَلَتِ السُّرَّتِيَّةُ أَيْضاً سِفَاحاً وَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ؟
وَجَمَ المِيْجَرُ لِمَنْطِقِ وَدّالبَاشْكَاتِب القَوِىِّ هَذَا وَلَمْ يَدْرِ إِجَابَةً . وَكَأَنَّمَا أَرَادَ عَبْدُالعَاطِى أَنْ يَخْرُجَ بِالمَجْلِسِ قَلِيْلاً مِنْ هَذَا الجَوِّ القَاتِمِ ؛ قَالَ فَجْأَةً وهُوَ لايُحِسُّ بِدُخُوْلِ المَنُوْفَلِى فَجْأَةً أَيْضاً :
ـ دُكْتُوْر مَايْكِل رَجُلٌ أَخْلاقُهُ مِثْلُ أَخْلاَقِ شَرَكِ الفَأْر .
فَرَح : مَاذَا تَقْصِدُ؟
ضَمْرَة: يَقْصِدُ أَنَّهُ رَجُلٌ مُخَادِعٌ .
صِبيْر : شَرَكُ الفَأْرِ مُخَادِعٌ ؛ لأَنَّ الفَأرَ حَذِرٌ شَدِيْدُ الذَّكَاءِ .
وَدّالعَالْيَابِى : دُكْتُوْر مَايْكِل مَاقَصَدَ أَنْ يَكُوْنَ مُخَادِعاً ؛ إِلاَّ لأَنَّ النَّاسَ فِى أَخْلاَقِهِمْ مِثْلُ الفِئْرَانِ .
هُنَا حَدَثَ شَىْءٌ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوقَّعُ حُدُوْثَهُ ؛ فَقَدْ صَاحَ المَنُوْفَلِى :
ـ اللَّهُمَّ لارَأَيْنَا وَلاسَمِعْنَا .. وَلَكِنْ مَارَأْيُكُمْ أَنَّ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان لَمْ يَنْتَحِرْ ؛ وَلَكِنْ قَتَلَهُ دُكْتُوْر مَايْكِل الَّذِى سَمِعْتُكُمْ تَتَحَدَّثُوْنَ عَنْهُ الآن . أُقْسِمُ بِالمُحَرِّجَاتِ الثَّلاثِ أَنَّكُمْ سَتَصِلُوْنَ إِلَى هَذِهِ النَّتِيْجَةِ يَوْماً مَا .
فَانْتَهَرَهُ وَدّالبَاشْكَاتِب : اسْكُتْ يَابَو يَاسَكْرَان يَاحَيْرَان .
فَخَرَجَ المَنُوْفَلِى مِنْ بَيْتِ وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ بِأَسْرَعَ مِمَّا يَدْخُلُ ضَبٌّ مَخْبَأَهُ إِذَا أُفْزِعَ . ضَحِكَ الجَمِيْعُ ضَحْكَةً قَصِيْرَةً ؛وَعَادُوا لِيَسْتَمِعُوا إِلَى وِدَاعَةَ يَتَسَاءَلُ: ـ لِمَاذَا لاتَكُوْنُ الخَوَاجِيَّةُ قَدْ أَخْطَأَتْ فِى قَبْرِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ وَأَخَذَتْ إِلَى لنْدنَ عِظَامَ شَخْصٍ آخَرَ مِنْ جَبَّانَةِ تُوْرالقُوْز؟
رُضْوَان : هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نُصَدِّقَ أَنَّ العِظَامَ الَّتِى سَرَقَتْهَا الخَوَاجِيَّةُ وَدُفِنَتْ فِى مَقْبَرَةِ وِسْتِمِنِسْتَرأَبِّى؛ لَيْسَتْ عِظَامَ حَسُّوْنٍ ؛ بَلْ عِظَامُ شَخْصٍ آخَرَ مَجْهُوْلٍ؟ وَدّالعَالْيَابِى : الخَوَاجِيَّةُ دَقِيْقَةٌ فِى كُلِّ شَىْءٍ ؛ وَلَعَلَّكَ لَمْ تَنْسَ يَارُضْوَان أَنَّ قَبْرَ حَسُّوْنٍ عَلَيْهِ لَوْحَةٌ حَدِيْدِيَّةٌ مَكْتُوْبٌ فِيْهَا
هُنَا يَرْقُدُ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ الَّذِى أنْصَفَ الحَيَاةَ وَلَمْ يُنْصِفْهُ المَوْت) ؛ مِمَّا يَجْعَلُ الخَطَأَ فِى قَبْرِهِ أَمْراً مُسْتَحِيْلاً .
العَوَّام : لِمَاذَا لايَكُوْنُ الأَمْرُ كُلُّهُ مَسْرَحِيَّةً مَثَّلَتْهَا الخَوَاجِيَّة ؛ فَلاعِظَامَ حَسُّوْنٍ سَافَرَتْ إِلَى لنْدنَ وَلايَحْزَنُوْن ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَتِ الخَوَاجِيَّةُ أَنْ تَتَسَتَّرَ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ ؛ فَاخْتَلَقَتِ القِصَّةَ اخْتِلاقاً؟
قَاسِم : أَمْرٌ آخَرُ! مِثْلُ مَاذَا؟
وَقَبْلَ أَنْ يُجِيْبَهُ رِضْوَانُ ؛ قَالَ وَدّالسَّخِى :
ـ حَسْماً لِلأَمْرِ أَرَى حَفْرَ قَبْرِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان ؛ لِنَرَى إِنْ كَانَتْ بِهِ عِظَامٌ أَمْ لا .
المِيْجَر : أَنَسِيْتَ تَارِيْخَ نَبْشِ المَقَابِرِ بِقُوْزْ قُرَافِى؟
وَدّالسَّخِى : أَنْتَ بِطَبْعِكَ إِنْسَانٌ جَبَانٌ ؛ وَأَنَا سَوْفَ أَنْبُشُ أَمَامَكُمْ قَبْرَعَوْض ودْكُرَاع الفَرْوَة نَفْسِهِ .
المِيْجَر : اعْتَبِرُوْنِى جَبَاناً .. انْهِزَامِيّاً .. مُتَخَاذِلاً .. رِعْدِيْداً .. أَىَّ شَىْءٍ ؛ وَاعْفُوْنِى مِنْ مَوْضُوْعِ نَبْشِ قَبْرٍ بِجَبَّانَةِ تُوْرالقُوْز .
وَدّالعَالْيَابِى : بِاللَّهِ يَاعَالَم مَاذَا نَسْتَفِيْدُ مِنْ وُجُوْدِ عِظَامِ شَخْصٍ بِقَبْرِهِ أَوْعَدَمِ وُجُوْدِهَا؟ نَحْنُ نَبْحَثُ فِى قَضِيَّةٍ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيْرٍ .. نَبْحَثُ فِى كَرَامَةِ تُرَابٍ دِيْسَتْ بِمَوْتِ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان .. نَبْحَثُ عَنْ سَبَبِ مَوْتِ حَسُّوْنٍ ؛ أَهُوَ انْتِحَارٌ أَمْ قَتْلٌ؟
كَانَ وَدّالعَالْيَابِى سَيُوَاصِلُ الحَدِيْثَ ؛ لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ حِيْنَ سَمِعَ مَدَنِى وَدّالعَازَّة : ـ أَلَمْ تُلاحِظُوا شَيْئاً فِى تَنْوِيْمِ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى؟ أَلَمْ تُلاحِظُوا أَنَّهُ لَمْ تَقَعْ أَعْمَالُ تَخْرِيْبٍ فِى البُيُوْتِ كَإِشْعَالِ الحَرَائِقِ وَالسَّرِقَاتِ وَقَتْلِ النَّاسِ؟
فَرَحَ : وَهَلْ هُنَالِكَ تَخْرِيْبٌ أَكْثَرُ مِنْ تَحْطِيْمِ الجُسُوْرِ وَسُقُوْطِ البُيُوْتِ وَمَوْتِ الحَيَوَانَاتِ؟
عبدالعَاطِى : يَبْدُو أَنَّ الهَدَفَ الأَسَاسِىَّ لَيْسَ ذَلِكَ .. يَبْدُو أَنَّ الهَدَفَ الأَسَاسِىَّ هُوَ البَحْثُ عَنْ سِرٍّ رَهِيْبٍ ؛ لايَسْتَطِيْعُ البَاحِثُ عَنْهُ الوُقُوْفَ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ فِى حَالَةِ يَقِظَةٍ .
كَانَ وَدّالعَالْيَابِى يَسْتَمِعُ بِأُذُنَيْهِ بِشُرُوْدِ عَقْلٍ إِلَى عبدالعَاطِى ؛ وَمِنْ دَاخِلِهِ يَسْتَمِعُ بانْتِبَاهٍ إِلَى صَوْتٍ :"لَقَدْ آنَ الأَوَانُ كَىْ يُرَاجِعَ العَالَمُ مَوْقِفَهُ مِنْ قُوْزْ قُرَافِى" . ثُمَّ إِلَى صَوْتٍ آخَرَ :"بَلْ لَقَدْ جَاءَ الوَقْتُ الَّذِى يُرَاجِعُ فِيْهِ قُوْزْ قُرَافِى مَوْقِفَهُ مِنْ نَفْسِهِ ؛ وَمِنْ أَحْدَاثِهِ وَأَحْدَاثِ العَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ".
وَفَجْأَةً جَاءَهُمُ الصَّوْتُ وَاضِحاً مِنْ مُكَبِّرَاتِ صَوْتِ الجَامِعِ : (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْن . لَقَدْ تُوُفِّىَ إِلَى رَحْمَةِ مَوْلاهُ حاج إِبْرَاهِيْم وَدْ طيْرالسِّدِر ؛ نَرْجُو مِنْ جَمِيْعِ الشُّبَّانِ الخُرُوْجَ الآنَ إِلَى الجَبَّانَةِ لِحَفْرِ القَبْرِ) . تَفَرَّقَ الجَمِيْعُ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ ؛ وَصِبيْرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ : "التَّعَبُ الَّذِى تَعِبَهُ عَمِّى إِبْرَاهِيْم فِى الدُّنْيَا ؛ أَرْحَمُ مِنْهُ المَوْت" .
انْفَضَّ ذَاْكَ الاجْتِمَاعُ وَتَوَالَتْ بَعْدُهُ اجْتِمَاعَاتٌ وَاجْتِمَاعَاتٌ؛ وَدَارَتْ مُنَاقَشَاتٌ حَامِيَةٌ وَمُنَاقَشَاتٌ أَحْمَى مِنْهَا؛ وَوَدّالبَاشْكَاتِب يُمَحِّصُ وَيُمَحِّصُ حَتَّى ثَبَتَ لَهُ ـ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَى حَقِيْبَةِ أَوْرَاقِ حَسُّوْنٍ بِمُسَاعَدَةِ المَامُوْنِ وَبَشِيْرٍ وَلَدِ الجُزُوْلِى ـ أَنَّ تَارِيْخَ آخِرِ خَتْمِ دُخُوْلٍ لَحَسُّوْنٍ إِلَى وَطَنِهِ عَلَى جَوَازِ سَفَرِهِ قَرِيْبٌ جِدّاً مِنْ تَارِيْخِ انْتِحَارِهِ ؛ فَبَطَلَتْ نَظَرِيَّةُ أَنَّ حَسُّوْناً مَايَزَالُ حَيّاً . وَلَكِنَّ السُّؤَالَ بَقِىَ مُعَلَّقاً
هَلِ انْتَحَرَ حَسُّوْنٌ أَمْ قُتِلَ؟وَإِنْ كَانَ قَدْ قُتِلَ ؛ فَمَا الدَّافِعُ إِلَى قَتْلِهِ وَمَنْ قَاتِلُهُ؟) وَعَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَغْرِبِ المِيْجَرُ حِيْنَ وَجَدَ وَدّالبَاشْكَاتِب يَتَحَدَّثُ مَعَ الخَوَاجِيَّةِ بِإِنْجِلِيْزِيَّةٍ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً ؛ وَهُوَ الَّذِى يَعْلَمُ أَنَّ وَدّالبَاشْكَاتِب رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَلَقَ تَعْلِيْماً مُنْتَظِماً كَثِيْراً ؛ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ ثَقَّفَ نَفْسَهُ ثَقَافَةً رَفِيْعَةً لِلغَايَةِ فِى كُلِّ المَعَارِفِ خَاصَّةً فِى اللُّغَةِ الإِنْجِلِيْزِيَّةِ؛ حَتَّى إِنَّهُ عَمِلَ كَبِيْرَ مُتَرْجِمِيْنَ خَارِجَ وَطَنِهِ ؛ وَبَعْدَ مَوْتِ أَبِيْهِ جَاءَ وَاسْتَقَرَّ بِالبَلَدِ كَمَا يَفْعَلُ مُعْظَمُ أَبْنَاءِ البَلَدِ . بَعْدَ هَذِهِ المُحَادَثَةِ الَّتِى شَهِدَهَا المِيْجَرُ تَوَالَتْ مُحَادَثَاتٌ كَثِيْرَةٌ ؛ بَعْضُهَا بِإِنْجِلِيْزِيَّةٍ نَاصِعَةٍ حِيْناً وَبَعْضُهَا بِعَرَبِيَّةٍ وَاضِحَةٍ أَحْيَاناً ؛ انْتَهَتْ بِسُؤَالٍ ضَخْمٍ مِنْ وَدّالبَاشْكَاتِب .. سُؤَالٍ يَقِفُ كَالنَّصْبِ التِّذْكَارِىِّ :
ـ لَقَدْ أَوْشَكْنَا عَلَى الوُصُوْلِ إِلَى حَقِيْقَةٍ رَهِيْبَةٍ ؛ أَلا يُوْجَدُ فِى جُعْبَتِكِ يَالَيْلَى مَايُسْرِعُ بِنَا إِلَى النَّتِيْجَةِ؟
الخَوَاجِيَّة : لِلأَسَفِ لا .
لَكِنَّهَا أَرْدَفَتْ بَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ بِعُمْقٍ فِى عَيْنَىِّ وَدّالبَاشْكَاتِب :
ـ قَطْعاً هُنَالِكَ حَلْقَةٌ مَفْقُوْدَةٌ . لِمَاذَا لاتُسَافِرُ وَالمَامُوْنُ إِلَى الجَامِعَةِ الأَفْرِيْقِيَّةِ الَّتِى عَمِلَ حَسُّوْنٌ بِهَا آخِرَ مَاعَمِلَ فِى حَيَاتِهِ؟ وَأُصِرُّ عَلَى أَنْ يَصْحَبَكَ المَامُوْنُ لِسَبَبٍ قَوِىٍّ سَتَكْتَشِفُهُ فِيْمَا بَعْدُ . وَبِالطَّبْعِ كُلُّ مَصَارِيْفِ رِحْلَتِكُمَا سَتَكُوْنُ عَلَى حِسَابِى الخَاصِّ ؛ وَسَأَتَحَدَّثُ إِلَى المَامُوْنِ بِهَذَا الشَّأْنِ .
وَفِيْمَا بَعْدُ تَعَجَّبَ وَدّالبَاشْكَاتِب مِنْ سُرْعَةِ اسْتِجَابَةِ المَامُوْنِ لِلسَّفَرِ إِلَى الجَامِعَةِ الأَفْرِيْقِيَّةِ الَّتِى عَمِ لَ حَسُّوْنٌ بِهَا قُبَيْلَ انْتِحَارِهِ ؛ وَسَأَلَهُ :
ـ وَلَكِنَّنَا لانَعْرِفُ أَحَداً فِى ذَاْكَ البَلَدِ وَلانَعْرِفُ طَرِيْقَةَ حُصُوْلِنَا عَلَى المَعْلُوْمَاتِ ؛ أَلاتَرَى أَنَّ نَجَاحَ مُهِمَّتِنَا سَيَكُوْنُ شِبْهَ مُسْتَحِيْلٍ؟
المَامُوْنُ بِثِقَةٍ : أَنَا أَعْرِفُ عُنْوَانَ صَدِيْقٍ قَدِيْمٍ وَمُخْلِصٍ لِحَسُّوْنٍ فِى تِلْكَ الجَامِعَةِ ؛ وَسَيُذَلِّلُ لَنَا كُلَّ شَىْءٍ .
وَقُبَيْلَ مُغَادَرَتِهَمَا قُوْزْ قُرَافِى اجْتَمَعَ كُلٌّ مِنْ وَدّالبَاشْكَاتِب وَالمَامُوْنِ بِالخَوَاجِيَّةِ ؛ الَّتِى قَالَتْ لَهُمَا : (لاأُرِيْدُ التَّدَخُّلَ فِى الأَمْرِ إِلاَّ فِى اللَّحْظَةِ الحَاسِمَةِ ؛ وَسَأَتَحَمَّلُ كُلَّ النَّفَقَاتِ إِلَى نِهَايَةِ المَطَافِ . سَأَصِلُ إِلَى لنْدنَ بِإِذْنِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلا إِلَى الجَامِعَةِ الأَفْرِيْقِيَّةِ الَّتِى عَمِلَ حَسُّوْنٌ بِهَا؛ وَسَيَكُوْنُ الاتِّصَالُ الهَاتِفِىُّ بَيْنَنَا يَوْمِيّاً . وَأَعْطَتْهُمَا بِطَاقَةً خَاصَّةً بِهَوَاتِفِهَا عَلَيْهَا أَرْقَامُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِيْنَ هَاتِقاً ؛ وَوَدَّعَتْهُمَا بَعْدَ أَنْ قَالَتْ لِلمَامُوْنِ :
ـ أَرَى أَنْ تَحْصُلا قَبْلَ مُغَادَرَتِكُمَا الخُرْطُوْمَ عَلَى تَأْشِيْرَةِ دُخُوْلٍ إِلَى بِرِيْطَانِيَا أَيْضاً ؛ إِذْ أَعْتَقِدُ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ ؛ وَقَدْ لايَسْمَحُ الوَقْتُ وَقَوَانِيْنُ الهِجـْرَةِ بِعَمَلِ تَأْشِيْرَةِ دُخـُوْلٍ إِلَى بِرِيْطَانِيَا مـِنْ ذَاْكَ البَلَدِ الأَفْرِيْقِىِّ .
هَكَذَا سَافَرَ المَامُوْنُ وَوَدُّالبَاشْكَاتِبِ إِلَى صَمَّامَاتِ أَفْرِيْقيَا ؛ وَأَنْهَيَا مُهِمَّتَهُمَا بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ . بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ وَدُّالبَاشْكَاتِبِ إِلَى قُوْزْ قُرَافِى لِتَرْتِيْبِ أُمُوْرٍ كَثِيْرَةٍ ؛ وَوَصَلَ المَامُوْنُ إِلَى مَطَارِ هِيثْرُو(Heathrow) وَهُوَ يَسْتَمِعُ فِى صَالَةِ القَادِمِيْنَ إِلَى قَعْقَعَاتِ الكُعُوْبِ العَالِيَةِ : كَعْ .. طَقْ .. طَرَقْ .. كَعْ ؛ وكَأَنَّهَا تَقُوْلُ لَهُ
إِنَّكَ غَرِيْبٌ؛ وإنَّ صَاحِبَاتِ هَذِهِ الكُعُوْبِ لايَشْعُرْنَ بِوُجُوْدِكَ؛ لأَنَّكَ لاتُؤَثِّرُ فِى مَسِيْرَةِ الكَوْنِ.. تَمَاماً كَمَا لاتُغَيِّرُ قِطْعَةُ قُمَاشٍ مُتَّسِخَةً مَصِيْرَ الكَوْنِ ؛ حَتَّى وإِنْ صَارَتْ نَظِيْفَةً) ؛ وَهَكَذَا رَأَى فَأْراً يَجْلِسُ مُطْمَئِنّاً فِى تِلْكَ الصَّالَةِ؛ وَقَدْ تَثَاءَبَ الخَوَاجَةُ الجَالِسُ فِى مُوَاجَهَتِهِ حَتَّى بَانَتْ لَهَاتُهُ .آهـ .. مَاأَطْوَلَ تِلْكَ الحِوَارَاتِ وَمَاأَغْرَبَ تِلْكَ الحَوَادِثَ الَّتِى قَذَفَتْ بِالمَامُوْنِ إِلَى لنْدنَ! لَقَدْ سَافَرَ المَامُوْنُ إِلَى الجَامِعَةِ الأَفْرِيْقِيَّةِ الَّتِى عَمِلَ بِهَا حَسُّوْنٌ آخِرَ مَاعَمِلَ فِى حَيَاتِهِ ؛ لِيَبْحَثَ عَنْ حَسُّوْنٍ المَوْجُوْدِ دَاخِلَ نَفْسِهِ . لَقَدْ وَصَلَ المَامُوْنُ إِلَى لنْدنَ قَبْلَ شَهْرٍ مِنْ وُصُوْلِ وَدّالبَاشْكَاتِب إِلَيْهَا .. وَدّ البَاشْكَاتِب الَّذِى مَاأَنْ تَجَوَّلَ فِى لنْدنَ كُلِّهَا ؛ حَتَّى قَالَ مُحَدِّثاً نَفْسَهُ :"فِى لنْدنَ تَشْعُرُ أَنَّكَ فِى كُلِّ مَكَانٍ .. شَىْءٌ عَجِيْبٌ! كُلُّ الأَمْكِنَةِ فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ وَفِى نَفْسِ الوَقْتِ!" هَكَذَا وَصَلَ المَامُوْنُ وَوَدُّالبَاشْكَاتِبِ إِلَى لنْدنَ ؛ لِيَبْدَأا مَعاً الجَوْلَةَ الأَخِيْرَةَ مِنْ مُهِمَّتِهِمَا وذَلِكَ فِى عَقْرِ دَارِ(مِسْتَر طُمْسُن)؛ الرَّجُلِ (الأَنْجُلُو ـ سكْسُوْنِىِّ) الَّذِى دَفَنَهُ الفَتَى النُّعْمَان أَحْمَد طَهَ فِى طِيْنِ جَدْوَلِ (سَاقَة) حَامِد يَوْماً مَا!
التوقيع:
[align=center]
هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.
(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى خالد الحاج
زيارة موقع خالد الحاج المفضل
البحث عن المشاركات التي كتبها خالد الحاج