عرض مشاركة واحدة
قديم 11-12-2005, 02:01 PM   #[45]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

(7)
تَلَفَّتَ المَامُوْنُ فِى قَاعَةِ المَحْكَمَةِ الوَاسِعَةِ وَمَاعَلَيْهَا مِـنَ اللَّوْحَاتِ
وَالأُبَّهَةِ ؛ فَوَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى البَابَا وَرَئِيْسِ رَابِطَةِ العَالَمِ الإِسْلامِىِّ يَجْلِسَانِ مُتَجَاوِرَيْنِ .. رُبَّمَا تَأْكِيْداً لِمَبْدَإِ أَنَّ أَصْلَ الإِنْسَانٍ وَاحِدٌ ؛ أَوْبِعِبَارَةٍ أَكْثَرعُمْقاً أنَّ خَالِقَ الكَوْنِ وَالإِنْسَانِ وَاحِدٌ . وَمِنْ زِيِّهِمْ مَيَّزَ المَامُوْنُ أَعْضَاءَ هَيئَةِ المُحَلَّفِيْنَ الَّتِى مَقَرُّهَا فِى (جِنِيْف) ؛ وَمُمَثِّلِى هَيْئَةِ حُقُوْقِ الإِنْسَانِ الَّتِى مَقَرُّهَا فِى لنْدنَ . وَمِنْ مَقْعَدِهِ دَاخِلَ هَذِهِ القَاعَةِ ؛ كَانَ وَدّالبَاشْكَاتِب يُحَدِّثُ نَفْسَه: "كَانَتِ الصُّوْرَةُ سَتَكْتَمِلُ إِنْ ضَمَّتِ القَاعَةُ أَشْخَاصاً آخَرِيْنَ إِلَى جَانِبِ حَسُّوْن وَدّالمَامُوْن ؛ الَّذِى يَجْلِسُ وَسْطَ هَذَا العَدَدِ الَّذِى لامَثِيْلَ لَهُ مِنْ أَفْرَادِ الجَالِيَاتِ السُّوْدَانِيَّةِ الَّذِيْنَ تَسَابَقُوا إِلَى لنْدنَ مِنْ جَمِيْعِ أَنْحَاءِ أُوْرُوْبَا وَأَمِيْرِيْكَا .. الصُّوْرَةُ سَتَكُوْنُ أَكْمَلَ لَوْ ضَمَّتِ القَاعَةُ مُبَارَكاً بْنَ بَشِيْر الجُزُوْلِى لِيَبْحَثَ عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ ؛ وَابْنَ الخَوَاجَةِ لِيَبْحَثَ عَنْ أَبِيْهِ (أَنْدَرْسُوْن) ؛ وَحَاتِماً بِنَ عِبيْد لِيَبْحَثَ عَنْ كُلِّ هًؤُلاءِ وَعَنْ نَفْسِهِ .. لِيَبْحَثَ عَنِ الحَقِيْقَةِ الَّتِى رَاحَ حَسُّوْن وَدّالنُّعْمَان كَبْشَ فِدَاءٍ لَهَا" . لَكِنَّ أَفْكَارَ وَدّالبَاشْكَاتِبِِ تِلْكَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا دُخُوْلُ المُتَّهَمِ قَاعَةَ المَحْكَمِةِ مُنْحَنِىَ القَامَةِ ؛ وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ كُلَّ آثَامِ أَهْلِ الجُزُرِ البِرِيْطَانِيَّةِ وَآلامَ أَسْنَانِهِمْ . وَقَدْ بَدَا شَعْرُهُ كَبُخَارِ إِبْرِيْقَ عَلَى الجَمْرِ .. أَبْيَضَ يَعْبَثُ بِهِ الهَوَاءُ؛ وَالدُّخَانُ لايَغْلِى إِبْرِيْقَ ؛ وَعَقْلُهُ مَازَالَ جَمْرَةً مُتَّقِدَةً . لَكِنَّ وَدّالبَاشْكَاتِبِ حِيْنَ رَآهُ يَجْلِسُ كَالجَزَرِ الأَصَمِّ .. كَشَىْءٍ لايُمْكِنُ تَحْلِيْلُهُ ؛ أَدْرَكَ أَنَّ الأَمْرَ لَنْ يَكُوْنَ سَهْلاً . بَيْدَ أَنَّهُ حِيْنَ نَظَرَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى رَآهُ يَجْلِسُ كَسُؤَالٍ تَخْجَلُ مِنْهُ إِجَابَتُهُ . وَفِى نَفْسِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَظَرَ المَامُوْنُ إِلَى المُتَّهَمِ؛ فَبَدَا لَهُ لاكَقَرَارٍ لَمْ يُنَفَّذْ فَحَسْبُ؛ بَلْ كَقَرَارٍ لَمْ يُتَّخَذْ بَعْدُ. وَقَفَ مُحَامِى المُتَّهَمِ الَّذِى يَرْأَسُ هَيْئَةَ الدِّفَاعِ ؛ وَقَالَ :
ـ أَنَا لَدَىَّ اعْتِرَاضَانِ : الاعْتِرَاضُ الأَوَّلُ أَنَّ هَذِهِ المَحْكَمَةَ تُعْقَدُ الآنَ فِى قَاعَاتِ البَرْلَمَانِ البِرِيْطَانِىِّ ؛ فِيْمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تُعْقَدَ فِى المَحْكَمَةِ رَقْمِ وَاحِد (أُوْلد بِلى) ؛ أَكْبَرُ مَحَاكِمِ الجِنَايَاتِ فِى لنْدن . وَالاعْتِرَاضُ الثَّانِى عَلَى رَئِيْسِ المَحْكَمَةِ ؛ أَنَا أَعْتَرِضُ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ رَئِيْسُ المَحْكَمَةِ غَيْرَ بِرِيْطَانِىٍّ .
قَالَ مُحَامِى المُتَّهَمِ ذَلِكَ وَجَلَسَ بِأَدَبٍ جَمٍّ ؛ وَوَقَفَ رَئِيْسُ القَضَاءِ فِى بِرِيْطَانْيَا بِهَيْبَةٍ تَتِجَلَّى فِى رَأْسِهِ الأَصْلَعِ وَمَنْكَبَيْهِ العَرِيْضَيْنِ ؛ وَقَالَ :
ـ الاعْتِرَاضُ الأَوَّلُ مَرْفُوْضٌ؛ إِذْ أَنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ سِيَاسِيَّة أَكْثَرُ مِنْهَا جِنَائِيَّة. ثُمَّ إِنَّهُ لاتُوْجَدُ قَاعَاتٌ مُنَاسِبَةٌ فِى لنْدنَ تُوَاكِبُ أَهَمِيَّةَ هَذِهِ القَضِيَّةِ وَتَتَّسِعُ لِهَذَا العَدَدِ مِنَ الحُضُوْرِ ؛ الَّذِى لَمْ تَشْهَدْهُ أَىُّ قَضِيَّةٍ فِى كُلِّ العَالَمِ عَبْرَ التَّارِيْخِ؛ سِوَى قَاعَاتِ البَرْلَمَانِ البِرِيْطَانِىِّ وَمُلْحَقَاتِهَا . الاعْتِرَاضُ الثَّانِى مَرْفُوْضٌ ؛ فَرَئِيْسُ المَحْكَمَةِ حَاصِلٌ عَلَى دَرَجَةِ الدُّكْتُوْرَاةِ مِنْ هُنَا .. مِنْ بِرِيْطَانْيَا ؛ وَبِتَقْدِيْرٍ غَيْرِ مَسْبُوْقٍ وَلَمْ يُحْرِزْهُ أَحَدٌ بَعْدُهُ. وَقَدْ كَانَ رَئِيْسَ القَضَاءِ فِى بَلَدِهِ؛ ثُمَّ أَصْبَحَ رَئِيْسَ هَيْئَةِ تَشْرِيْعِ القَوَانِيْنِ فِى بِرِيْطَانْيَا بَعْدَ مَنْحِهِ الجِنْسِيَّة البِرِيْطَانِيَّة التَّشْرِيْفِيَّة ؛ رَغْمَ اعْتِرَاضَاتِهِ الشَّدِيْدَةِ عَلَى هَذِهِ الجِنْسِيَّةِ وَتَحَفُّظَاتِهِ المُعْلَنَةِ عَلَيْهَا. وَهُوَ إِلَى جَانِبِ كُلِّ ذَلِكَ يَتَمَتَّعُ بِرُتْبَةٍ شَرَفِيَّةٍ (QC) مِنَ المَلِكَةِ ؛ إِضَافَةً إِلَى أَنَّهُ الآنَ سِكِرْتيْرُ عَامِّ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ ؛ وَالَّذِى يَعْدِلُ بَيْنَ الدُّوَلِ يَعْدِلُ بَيْنَ الأَفْرَادِ ؛ وَهَلِ الدُّوْلُ فِى آخِرِ الأَمْرِ إِلاَّ مَجْمُوْعَةَ الأَفْرَادِ؟ هُنَا قَالَ وَدّالبَاشْكَاتِب فِى نَفْسِهِ :"رُبَّمَا يَكُوْنُ رَئِيْسُ هَذِهِ المَحْكَمَةِ أَوَّلَ وَآخِرَ َ


عَبْدٍ مُسْلِمٍ فِى التَّارِيْخِ يَتَوَلَّى مَنْصِبَ سِكِرْتيْرِ عَامِّ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ(1)" . قَالَ وَدّالبَاشْكَاتِب ذَلِكَ فِى نَفْسِهِ؛ وَهُوَ مَازَالَ يَسْتَمِعُ إِلَى رَئِيْسِ قَضَاءِ بِرِيْطَانْيَا يُوَاصِلُ حَدِيْثَهُ :
ـ ثُمَّ إِنَّ رَئِيْسَ هَذِهِ المَحْكَمَةِ إِضَافَةً إِلَى مَاذَكَرْتُ ؛ يُجِيْدُ عَشْرَ لُغَاتٍ حَدِيْثاً وَكِتَابَةً وَقِرَاءَةً إِجَادَةً تَامَّةً ؛ إِلَى جَانِبِ العَرَبِيَّةِ وَالإِنْجِلِيْزِيَّةِ والاسْبرَانْتُو وَالعِبْرِيَّةِ وَالأَمْهَرِيَّةِ ؛ وَهُوَ حُجَّةٌ فِى قَوَانِيْنِ كَافَّةِ الدُّوْلِ النَّاطِقَةِ بِهَذِهِ اللُّغَاتِ. حِيْنَذَاكَ نَظَرَ وَدّالبَاشْكَاتِب إِلَى مُحَامِى المُتَّهَمِ ؛ فَرَآهُ يَجْلِسُ كَقُرَادَةٍ فِى أَنْفِ بَعِيْرٍ أَجْرَبَ. وَحِيْنَ نَظَرَ إِلَى الفَتَيَاتِ رَائِعَاتِ الحُسْنِ اللاَّئِى يَتَوَلَّيْنَ سِكِرْتَارِيَّةَ
المَحْكَمَةِ وَيَقُمْنَ بِالتَّرْجَمَةِ ؛ أَدْرَكَ أَنَّ لَيْلَ أُوْرُوْبَا لَمْ يَعُدْ لِبَاساً .
بَعْدَ الإِجْرَاءَاتِ الشَّكْلِيَّةِ الطَّوِيْلَةِ لِبَدْءِ مُحَاكَمَةٍ كَهَذِهِ؛ رُفِعَتُ الجَلْسَةُ لِتَتَوَاصَلَ الجَلْسَاتُ فِيْمَا بَعْدُ . لَقَدْ تَشَابَكَتِ الخُيُوْطُ ؛ وَإِنْ نَسِىَ المَامُوْنُ كُلَّ شَىْءٍ ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَنْسَى تِلْكَ الجَلْسَةَ الَّتِى اسْتُجْوِبَ فِيْهَا مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن ؛ فَقَدْ سَأَلَهُ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ :
ـ هَلْ تَعْرِفُ قَرْيَةً اسْمهَا قُوْزْ قُرَافِى؟
مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن : (صَمْتٌ) .
ــــــــــــ
(1)أََصْبَحَ اسْمُ السِّكِرْتيْرِ العَامِّ للأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الآنَ : (الأَمِيْنَ العَامَّ للأُمَمِ المُتَّحِدَةِ) . المُؤَلِّف .
الاتِّهـَام : هَـلْ أَنْتَ مُتَزَوِّجٌ؟
أَنْدَرْسُوْن : (صَـمْتٌ) .
الاتِّهَام : هَلْ لَكَ ابْـنٌ؟ أَنْدَرْسُوْن : (صَمْت)ٌ .
الاتِّهَام : هَلْ تَعـْرِفُ امْرَأَةً اسْمُهَا الحُجْرَة محَمَّدصَالِح؟
أَنْدَرْسُوْن ؛ بَعْدَ صَمْتٍ مُمِلٍّ : كُلُّ الأَمْرِ يَبْدُو لِى كَحُلْمٍ لاأَسْتَطِيْعُ تَمْيِيْزَ تَفَاصِيْلِهِ .. كَشَىْءٍ كَانَ وَفِى نَفْسِ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ .
هُنَا طَلَبَ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ أَنْ يُدْلِىَ دُكْتُوْر (جيْرَالد) بِإِفَادَتِهِ عَنْ مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن؛ فَقَالَ :
ـ مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن لايُدْرِكُ شَيْئاً عَنْ تِلْكَ الحِقْبَةِ الَّتِى اسْتَجْوَبَهُ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ بِشَأْنِهَا ؛ لأَنَّهُ عَاشَ فِيْهَا طَبِيْعَةً غَيْرَ طَبِيْعَتِهِ الَّتِى خَلَقَهُ اللَّهُ بِهَا ؛ لَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ مَاقَبْلَهَا . لَقَدْ قُمْتُ بِعِلاجِهِ عَلَى نَفَقَةِ (جُوْهَانَا رِيْد) بِصُعُوْبَةٍ بَالِغَةٍ ؛ بِمُعَاوَنَةِ فَرِيْقٍ مِنْ أَمْيَزِ الأَطِبَاءِ وَالعُلَمَاءِ الإِنْجِلِيْزِ وَالأَمِيْرِيْكَانِ .
ـ (شُكْراً سَيِّدِى القَاضِى) .
عِبَارَة قَالَهَا مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ وَأَشَارَ إِلَى مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن قَائِلاً لَهُ :
ـ لَخِّصْ لَنَا حَيَاتَكَ المَاضِيَةَ فِى كَلِمَاتٍ .
مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن : لاأَتَذَكَّرُ مِنْ حَيَاتِى المَاضِيَةِ إِلاَّ شَيْئاً وَاحِداً : أَنَّنِى قَدْ كُنْتُ تِلْمِيْذاً ذَكِيّاً فِى المَدَارِسِ وَرَجُلاً غَبِيّاً فِى الحَيَاةِ .
ـ (شُكْراً مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن) .
عِبَارَة قَالَهَا مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ ؛ وَقَالَ مُخَاطِباً القَاضِى :
ـ هَذَا ـ سَيِّدِى القَاضِى ـ وَاحِدٌ مِنْ ضَحَايَا هَذَا المُتَّهَمِ الَّذِى يَجْلِسُ فِى هَذِهِ اللَّحْظَةِ فِى قَفَصِ الاتِّهَامِ .
نَظَرَ وَدّالبَاشْكَاتِب إِلَى مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن ؛ فَبَدَا لَهُ كَشَىْءٍ غَيْرِ أَصِيْلٍ فِى الحَيَاةِ .. بَدَا لَهُ كَسُجُوْدِ السَّهْوِ .. لَيْسَ تَمَاماً كَسُجُوْدِ السَّهْوِ .. كَشَىْءٍ طَارِىءٍ لِتَصْحِيْحِ غَفْلَةٍ فِى الحَيَاةِ صَنَعَهَا الإِنْسَانُ .. مَاأَخْرَقَ الإِنْسَانَ حِيْنَ يَصْنَعُ غَفْلاتِ الحَيَاةِ ؛ وَمَا أَجْهَلَهُ حِيْنَ يُحَاوِلُ تَصْحِيْحَهَا! هَكَذَا كَانَتِ الخَوَاطِرُ تَتَدَفَّقُ عَلَى ذِهْنِ وَدّالبَاشْكَاتِب ؛ وَقَدْ نُوْدِىَ عَلَى خَبِيْرٍ عَالَمِىٍّ فِى وَسَائِلِ القَتْلِ العِلْمِىِّ .
فِى نَفْسِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ نَظَرَ المَامُوْنُ إِلَى دُكْتُوْر (كَتَكُو) ؛ فَرَآهُ كَسَهْمٍ أَفْرِيْقِىٍّ مَسْمُوْمٍ مُعَدٍّ لِلانْطِلاقِ ؛ وَقَدْ بَدَأَ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ يَسْتَجْوِبُ الخَبِيْرَ العَالَمِىَّ :
ـ هَلْ قُمْتَ بِفَحْصِ الضَّوْءِ الَّذِى عُثِرَ عَلَيْهِ فِى المَصَابِيْحِ الكَهْرَبَائِيَّةِ الَّتِى وُجِدَتْ فِى مَعْمَلِ المُتَّهَمِ بِمَسْكَنِهِ بِحَىِّ (مَاىْ فيْر؟)
الخَبِيْرُ العَالَمِىُّ : أَجَل قُمْتُ بِفَحْصِ ذَاْكَ الإِشْعَاعِ وَمَعِىَ فَرِيْقٌ مِنَ العُلَمَاءِ وَالأَطِبَاءِ ؛ وَاقْتَنَعْنَا جَمِيْعاً بِأَنَّهُ أَحْدَثُ اخْتِرَاعٍ عِلْمِىٍّ سَيُثِيْرُ عَاصِفَةً ؛ لايَعْلَمُ مَدَاهَا إِلاَّ اللَّهُ خَالِقُ الإِنْسَانِ .. اخْتِرَاع خَطِيْر فَوْقَ إِدْرَاكِ كُلِّ مَاوَصَلَ إِلَيْهِ العِلْمُ الحَدِيْثُ .
مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ : وَكَمْ عَدَدُ تِلْكَ المَصَابِيْحِ الَّتِى قُمْتُمْ بِفَحْصِهَا؟
الخَبِيْرُ العَالَمِىُّ : أَرْبَعَةٌ .
مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ : وَأَيْنَ هِىَ الآن؟
الخَبِيْرُ العَالَمِىُّ : مُوْدَعَة بِمِنَصَّةِ المَحْكَمَةِ .
وَفَجْأَةً أَخْرَجَ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ مِصْبَاحاً كَهْرَبَائِيّاً صَغِيْراً مِنْ جَيْبِهِ ؛ وَسَأَلَ الخَبِيْرَ العَالَمِىَّ :
ـ هَلْ هَذَا مِنْ نَفْسِ نَوْعِ تِلْكَ المَصَابِيْحِ؟
أَخَذَ الخَبِيْرُ العَالَمِىُّ المِصْبَاحَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفَحَّصَهُ ؛ ثُمَّ أَجَابَ :
ـ نَعَمْ ؛ بِالتَّأْكِيْدِ نَعَمْ ؛ لَكِنَّهُ مُفْرَغٌ تَمَاماً مِنَ الإِشْعَاعِ .
ـ(شُكْراً سَيِّدِى القَاضِى) .
قَالَ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ ؛ وَوَضَعَ المِصْبَاحَ الكَهْرَبَائِىَّ فِى جَيْبِهِ . وَقَدْ شَاهَدَ المَامُوْنُ القَاضِىَ وَهُوَ يَعُدُّ المَصَابِيْحَ الكَهْرَبَائِيَّةَ المَوْضُوْعَةَ أَمَامَهُ ؛ بَيْنَمَا كَانَ المُتَّهَمُ يَبْدُو فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ كَفَأْرٍ وَقَعَ فِى مِصْيَدَةِ الفِئْرَانِ . وَمَاهِىَ إِلاَّ دَقَائِقَ حَتَّى طَلَبَ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ شَهَادَةَ دُكْتُوْر (كَتَكُو) .. هَاقَدِ انْطَلَقَ السَّهْمُ الأَفْرِيْقِىُّ المَسْمُوْمُ ؛ وَدُكْتُوْر كَتَكُو يَتَحَدَّثُ بِصَوْتِهِ الأَبَحِّ :
ـ بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن النُّعْمَان تَوَصَّلَ إِلَى تَرْكِيْبَةِ ثَلاثَةِ عَقَاقِيْرَ ؛ يُمْكِنُ عَنْ طَرِيْقِ أَحَدِهَا تَحْدِيْدُ دَوْرِ الإِنْسَانِ فِى الحَيَاةِ وَهُوَ بَعْدُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ .
ـ مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ : أَبِنْ لِلمَحْكَمَةِ المُوَقَّرَةِ ذَلِكَ .
دُكْتُوْر كَتَكُو : بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن تَوَصَّلَ إِلَى تَرْكِيْبَةِ عَقَّارٍ يُمْكِنُ أَنْ يُغَذَّى بِهِ الجَنِيْنُ وَهُوَ فِى الرِّحِمِ ؛ بِحَيْثُ يُنَمِّى خَلايَا مُعَيَّنَةً فِى دِمَاغِهِ تَنْمِيَةً مُضَاعَفَةً لِتِلْكَ الَّتِى فِى دِمَاغِ الجَنِيْنِ العَادِّىِّ ؛ فَيُوْلَدُ الطِفْلُ عَالِماً . بَلْ وَيُمْكِنُ تَحْدِيْدُ نَوْعِ نُبُوْغِهِ : إِنْ كَانَ فِى الرِّيَاضِيَّاتِ أَوِالطَّبِيْعِيَّاتِ أَوِالآدَابِ أَوِالفُنُوْنِ بِأَنْوَاعِهَا ؛ فَلِكُلِّ تَخَصُّصٍ عَقَّارٌ يُغَذِى الخَلايَا الدِّمَاغِيَّةَ الَّتِى تَخْتَصُّ بِالمَجَالِ الَّّذِى يُرِيْدُوْنَ لِلْمَوْلُوْدِ أَنْ يَنْبُغَ فِيْهِ . وَمِنْ شَأْنِ هَذَا العَقَّارِ أَنْ يَأْتِىَ المَوْلُوْدُ وَعَلَى مَدَى حَيَاتِهِ ؛ ضَعِيْفَ البِنْيَةِ بَعْضَ الشَّىْءِ كَبِيْرَ الرَّأْسِ كَثِيْراً . وَعَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أُرِيْدَ أَنْ يَأْتِىَ المَوْلُوْدُ عَامِلاً أَوْجُنْدِيّاً مَثَلاً ؛ يُغَذَّى وَهُوَ فِى الرَّحْمِ بِعَقَّارٍ يُسَبِّبُ خُمُوْلاً وَضُمُوْراً شَدِيْدَيْنِ فِى خَلايَا الدِّمَاغِ ؛ وَمِنْ شَأْنِ هَذَا العَقَّارِ أَنْ يُقَوِّىَ الجَسَدَ ؛ فَيَأْتِى صَاحِبُهُ قَوِيّاً عِمْلاقاً ذَا طَاقَةٍ كَبِيْرَةٍ عَلَى العَمَلِ وَقَابِلِيَّةٍ أَقَلَّ لِلإِصَابَةِ بِالأَمْرَاضِ . وَبِالطَّبْعِ يَعْتَمِدُ ذَلِكَ عَلَى السَّيْطَرَةِ عَلَى نَوْعِ المَوْلُوْدِ ؛ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؛ وَهُوَ بَعْدُ فِى الرِّحِمِ . وَقَدِ اسْتَطَاعَ بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن حَلَّ هَذِهِ المُعْضِلَةِ ؛ وَذَلِكَ عَنْ طَرِيْقِ تُوَصُّلِهِ إِلَى تَرْكِيْبَةِ عَقَّارٍ آخَرَ يُمَكِّنُ مِنَ التَّحَكُّمِ فِى نَوْعِ المَوْلُوْدِ .
مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ : وَهَلْ أَطْلَعَكَ بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن عَلَى تَرْكِيْبَاتِ مَاذَكَرْتَ مِنْ عَقَاقِيْرَ؟
دُكْتُوْر كَتَكُو : لَمْ يُطْلِعْنِى عَلَيْهَا ؛ فَالحَذَرُ الشَّدِيْدُ مِنْ صِفَاتِ العُلَمَاءِ .
مُمَثِّلُ الاتِّهَامِ : هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ المُتَّهَمَ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ تَرْكِيْبَاتِ تِلْكَ العَقَاقِيْرِ؟ دُكْتُوْر كَتَكُو : رُبَّمَا نَعَمْ ؛ وَرُبَّمَا لا .
لَعَلَّ وَدّالبَاشْكَاتِب قَدْ أَدْرَكَ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ الكَوْنَ لَمْ يُخْلَقْ سُدًى ؛ وَأَنَّ العَقْلَ البَشَرِىَّ لَيْسَ هُوَ غَايَةَ الوُجُوْدِ .. رُبَّمَا خُيِّلَ إِلَيْهِ فِى تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ بِشَىْءٍ . هَذَا فِى الوَقْتِ الَّذِى كَانَ المُتَّهَمُ يَنْظُرُ فِيْهِ إِلَى مِسْتَر أَنْدَرْسُوْن وَقَدْ فَغَرَ فَاهُ كَنَفَقِ (المَانْشِ) ؛ الَّذِى جَرَتْ مُحَاوَلَةُ فَتْحِهِ فِى سَنَةِ 1880ميلادِيَّةٍ وَلَكِنَّهَا فَشِلَتْ .. أَتُرَى تَنْجَحُ المُحَاوَلَةُ فِى القَرْنِ المِيْلادِىَّ العِشْرِيْنَ؟عَلَى كُلٍّ فَإِنَّ وَدّالبَاشْكَاتِب لَمْ يَفْشَلْ فِى تَمَعُّنِ وُجُوْهِ الجَالِسِيْنَ فِى قَاعَةِ المَحْكَمَةِ الوَاسِعَةِ ؛ فَرَأَى جَمِيْعَ رُؤَسَاءِ بِرِيْطَانْيَا السَّابِقِيْنَ الَّذِيْنَ هُمْ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ وَرَئِيْسَ بِرِيْطَانْيَا الحَالِىَّ ؛ وَكَثِيْراً مِنْ أَعْضَاءِ مَجْلِسَىِّ اللُّوْردَاتِ وَالعُمُوْمِ ؛ وَقََدْ جَلَسَ أَمَامَهُمْ كُلُّ سِكِرْتِيْرِىِّ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ السَّابِقِيْنَ الَّذِيْنَ لَمْ يُبَارِحُوا الدُّنْيَا .
كَانَ ذَلِكَ حَالُ وَدّالبَاشْكَاتِب فِى تِلْكَ الجَلْسَةِ؛ أَمَّا المَامُوْنُ فَقَدْ رَاحَ يَسْتَعْرِضُ فِى ذِهْنِهِ فِى اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ لِلجَلْسَةِ الحَاسِمَةِ ؛ رُبَّمَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيْبٍ ؛ مُقَابَلَةَ دُكْتُوْر كَتَكُو لَهُ حِيْنَ زَارَهُ فِى بَلَدِهِ الَّذِى عَمِلَ حَسُّوْنٌ بِجَامِعَتِهِ آخِرَ مَاعَمِلَ فِى حَيَاتِهِ . رَاحَ المَامُوْنُ يَسْتَعْرِضُ فِى ذِهْنِهِ تِلْكَ المُقَابَلَةَ وَذَاْكَ الحِوَارَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ جَلَسَا مُنْفَرِدَيْنِ ؛ إِذْ لَمْ يَلْحَقْ وَدّالبَاشْكَاتِب بِهِ إِلاَّ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِخَطَإٍ وَقَعَ لِحَجْزِ سَفَرِهِ بِالطَّائِرَةِ مِنَ الخُرْطُوْم . كَأَنَّهُ فِى هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَسْمَعُ صَوْتَ دُكْتُوْر كَتَكُو يَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ بِالإِنْجِلِيْزِيَّةِ :
ـ (مَرْحَباً بِالمَامُوْن عُمَرَ الشَّيْخ ؛ وَلَعَلَّ بَشِيْر وَدّالجُزُوْلِى بِخَيْر) .
المَامُوْن : (هَلْ تَعْرِفُنَا؟)
دُكْتُوْر كَتَكُو : (بَلْ أَعْرِفُ مُعْظَمَ أَهْلِ قُوْزْ قُرَافِى .. أَعْرِفُ حَتَّى تِبِيْق ؛ فَقَدْ كَانَ بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن دَائِمَ الحَدِيْثِ عَنْكُمْ) .
وحِيْنَ نَطَقَ اسْمَ تَبيْقَ ؛ وَقَدْ نَطَقَهُ بِكَسْرِ التَّاءِ والبَاءِ مَعاً ؛ ضَحِكَ دُكْتُوْر كَتَكُو ضَحْكَةً أَفْرِيْقِيَّةً لاشِيَّةَ فِيْهَا تَحْمِلُ رَائِحَةَ القَرَنْفُلِ ؛ وَالمَامُوْنُ يَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلاءِ الأَفَارِقَة لَهُمْ صَبْرٌ عَجِيْبٌ عَلَى مُمَارَسَةِ وَأَدَاءِ الضَّحِكِ .. إِنَّهُمْ يَنْغَمِسُوْنَ فِى الضَّحِكِ وَيَنْغَمِسُ فِيْهِمْ بِكَامِلِ تَفَاصِيْلِهِ وَتَفَاصِيْلِهِمْ . لَقَدْ ذَكَّرَتْ ضَحْكَةُ دُكْتُوْر كَتَكُو تِلْكَ المَامُوْنَ بِفِرَاءِ حَسُّوْنٍ الَّذِى أَحْضَرَهُ مِنْ بَلَدِ دُكْتُوْر كَتَكُو وَعَلَّقَهُ فِى غُرْفَةِ نَوْمِ أَبِيْهِ ؛ وَذَلِكَ فِى إِحْدَى عُطْلاتِهِ . خَرَجَ المَامُوْنُ مِنْ تِلْكَ الذِّكْرَى الَّتِى سَبَّبَتْهَا لَهُ ضَحْكَةُ دُكْتُوْر كَتَكُو ؛ لِيَسْتِمِعَ إِلَيْهِ يَقُوْلُ : ـ (بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن يَحْتَفِظُ لَكَ وَلِبَشِيْرٍ بِصُوْرٍ فُوْتُوغْرَافِيَّةٍ كَثِيْرَةٍ . وَلَكِنْ بِاللَّهِ عَلَيْكَ كَيْفَ حَالُ قُوْزْ قُرَافِى؟ وَهَلْ حَاجُ النُّعْمَانِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاة؟) المَامُوْن عَمِّى النُّعْمَانُ بِخَيْرٍ؛ وَقَدْ عَادَ شَابّاً بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ ورُزِقَ تَوْأَمَيْن .ِ أَمَّا قُوْزْ قُرَافِى فَقَدْ أَلَمَّتْ بِهِ كَارِثَة ؛ فَقَدْ دَاهَمَنَا النِّيْلُ فَأَقَمْنَا لَهُ السُّدُوْدَ وَسَهِرْنَا عَلَيْهِ مَايَقْرُبُ مِنْ شَهْرٍ ؛ وَلَكِنَّ القَرْيَةَ كُلَّهَا حَتَّى حَيَوَانَاتِهَا أُنِيْمَتْ ذَاتَ يَوْمٍ وَهَدَمَ النِّيْلُ ـ الَّذىأَغْرَقَ كُلَّ مَزَارِعِهَا ـ كَثِيْراً مِنْ بُيُوْتِهَا بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ ـ أَوْأُحْدِثَتْ ـ صُدُوْعاً فِى أَنْحَاءَ كَثِيْرَةٍ مِنَ الجُسُوْرِ) .
وَكَأَنَّ الحَدِيْثَ عَنْ تِلْكَ الكَارِثَةِ مِمَّا يَتَحَاشَاهُ المَامُوْنُ ؛ الأَمْرُ الَّذِى يُدَعِّمُهُ سَؤَالُهُ لِدُكْتُوْر كَتَكُو :
ـ (وَهَلْ يَحْتَفِظُ حَسُّوْنٌ أَيْضاً بِصُوَرٍ لأَصْدِقَائِهِ؟)
دُكْتُوْر كَتَكُو : (بُرُوْفِيسُور حَسُّوْن كَانَ كَثِيْرَ المَعَارِفِ ؛ وَلَكِنَّ أَصْدِقَاءَهَ الحَقِيْقِيِّيْنَ يُعَدُّوْنَ عَلَى أَصَابِعِ اليَدِ الوَاحِدَةِ ؛ فَبُرُوْفِيسُور حَسُّوْن كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ المَصَائِبَ كُلَّهَا تَأْتِى مِنْ قِبَلِ الأَصْدِقَاءِ غَيْرِ المُخْلِصِيْنَ ؛ وَكَانَ دَائِمَ القَوْلِ لِى : < ابْن آدَم يَدْخُـل سَبِيْبَة(1) وَيَمْرُق مُصِيْبَة > . لَكِنَّهُ مَـعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس