عام 88 السيول والفيضانات الشهيرة كنت مدعو فى حفل على شرف للأخ دفع الله زوج أخت الصديق عادل أمين (سمساعة) المحامى وهم رفقاء صبا . كان الحفل فى العمارات شارع 7 بمنزل العم مرغنى طه رحمه الله والد الشهيد عصمت مرغنى وكان موجود معنا العميد معاش عصام مرغنى .
عندما هطلت الأمطار دخلنا المنزل . طال إنتظارنا لتوقف المطر وزاد من قلقنا كمية تدفق المياه وتسربها داخل المنزل . فى البداية قام عادل وحيدآ لمكافحة تدفق المياه وإنضممنا له بعد أن زاد الأمر . شعرت بالقلق وقررت الرحيل لأن زوجتى وأختها وطفلتى وحدهم بعد أن توفت والدتها وإنتقلت أختها الأخرى الى بحرى بعد أن تزوجت .
هالنى الأمر عندما خرجت الى الشارع ووجدت سيارتى داخل بركة مياه غطت إطاراتها كاملة . قطعت المسافة فى الشارع الذى يقع خلف مستشفى إبن خلدون حتى شارع محمد نجيب حوالى الساعة والصف . كل خمسة أمتار تتوقف السيارة لدخول المياه فى مركز كهربئها وتحتاج عشرة دقائق للتجفيف . شارع محمد نجيب كان أعلى من مستوى المياه . بقليل من المعاناة قطعت الشارع الفاصل بين بيوت البنك العقارى والكلية المهنية . شارع الصحافة زلط كان محنة حقيقية لوجود حفر كبيرة يصعب مفاداتها فى الأحوال العادية .
تبرع أبناء المنطقة بالوقوف داخل الحفر وإرشاد السيارات بالبعد عنها . عند نقطة باشدار الشارع الذى يوصل جنوبآ الى أبو حمامة بمحازاة الخور وجنوبآ الى العمارات مرورآ بسوق القنا . كنت قد نفاديته فى طريق عودتى خوفآ من الخور رغم إنه طريقى التقليدى والأقرب الى المنزل . أيضآ وجدت أبناء الديم يقودون السيارات بعدآ عن الخور .
عند دكان صالح فى منزل صالح اليمانى وبجانب مربط خيوله منطقة مرتفعة هناك أوقفت سيارتى . واصلت سيرآ على الأقدام وسط يركة من المياه إبتلعت نصفى السفلى تمامآ . كنت أسير متوجسآ ببطؤ والشارع خالى تمامآ وصوت إنهيار المنازل مثل هدير الرعد لاأعرف من أين يأتى .
وصلت الى شارع منزلى وأنا متوجس من المصير . كان الشارع يرتفع عن المنزل وهذا ما كان يؤرقنى . وجدت خورآ خارج من المنزل جافآ تمامآ . دلفت داخل المنزل وجدت الخور داخله عبر الحوش حتى المبانى وكل شئ جافآ تمامآ وزوجتى وأختها فى هدؤ تام . ذكرا أولاد الحلة عندما لم يجدو سيارتى أفلسوا باب المنزل وقاموا بإخراج المياه وتوجهوا لمنطقة أخرى .
عندما سألتهم فى اليوم الثانى بأنى لم أجد أحد فى الطرقات قالوا بعد تأمين المنازل الجيدة و إخلاء المنازل الآيله للسقوط توجهنا للحى القدامى .
هؤلاء أهل الديم لا ينفعلون ولكن يتفاعلون بكل موضوعية ورباطة جأش . والمعقولية والموضوعية ديدنهم . وفى اليوم الثانى كيوم القيامة حيث كل يكسب بما إقترفت يداه . توزعت الأسر بدون هلع ونحيب وقناعة بالنصيب على بعضها البعض وتقاسموا اللقمة والمصير .
وهنا ظهرت المواطنة الحقيقية . الأسر المعزولة أصبحت معزولة فى العراء . لم تصلهم يد المساعدة لم تلفهم الشماتة . هناك أسرة منحلة نسائهن يحملن ويضعن ودخانهن إيجار وفسادهن ودار . لم يعترضهن أحد حقوقهن من التموين ولم يقام عليهن حد اليمين. إنتقلن الى هيكل بص متهالك بعد سقوط منزلهن . كان طعام أطفالهن و غطائهم يصلهم ولكن لا إيواء لهم .
من أراد المواطنة يصون الوطن من أبى جارت عليه المحن
|