عرض مشاركة واحدة
قديم 05-05-2015, 07:47 AM   #[29]
عكــود
Administrator
الصورة الرمزية عكــود
 
افتراضي

ثمّ أطلّت كاميليا!

تصف المطاعم والملاهي طاولاتها على أرض حديقة كبيرة ذات ممر يقسمها نصفان مُلحقة بالمطعم. يتصدّرها مسرح للفرق الغنائية التي تصدح بالغناء والموسيقى طوال الليل. بين الطاولات والمسرح، تكون باحة الرقص التي يتزايد فيها أعداد الراقصين/ات طرديّاً مع مرور الوقت.

اخترنا طاولتنا بحيث تكون مقابلة للبوابة الرئيسية وبعيدة نسبيّاً من المسرح. جلسنا أربعتنا وبين ضحك وسمر وانبساط، مضى الوقت وقارب الزمن من انتصاف الليل. الأنوار خافتة ولكنها كانت كافية لتبيّن ذات الفستان الأبيض واللون شديد الإسمرارالتي دخلت من البوابة الرئيسية يتبعها شعر أسود فاحم يتطاير من خلفها مع هبّات "نسايم الليل" وخطواتها التي تشبه مشية وصفها عكير الدامر:
تتقسّم مقاطع في المشي وتتحرّن
زي فرخ القطا الأماتو ركّن وفرّن

أكثر من عنق أدارتها تلك المشية، وأكثر من همس أثارته بين الجالسين وهم يطالعونها ويشيعونها بنظراتهم ليروا أين سيستقر ذلك الجمال، واستقر الهودج على طاولتنا!!

قصدتنا وسلّمت ووجّهت حديثها لأحدنا:
- هل أنت قريب لسيمبا الزائييري، فأنت تشبهه كثيراً؟
- يا مرحب بك، رغم أنّي لا أعرف سيمبا، فأنا من السودان؛ لكنّ يمكنك أن تعتبرينني قريبه، فهو أفريقي وجار.
أسهب صاحبنا في الحديث عن رابطة الدم الإفريقي، حتّى ظننته أحد ثوّار أفريقيا الذين ينادون بوحدة الدم والتاريخ؛ ثمّ أردف:
- تفضلّي بالجلوس معنا.
تردّدت قليلاً، ثمّ جلست، قائلة:
- لا بأس، يبدو أنّكم مضيافين وخفيفي الظل، سأجلس قليلاً لأتعرّف عليكم، وإسمي كاميليا.

وهكذا كان .. وهكذا كانت الضيافة على أكملها بحيث أنستها نيّتها في الجلوس "قليلاً" فاتمّت السهرة معنا، ملتصقة بشبيه "سيمبا" الزائييري الذي كان في غاية الإمتنان لسيمبا وللتراب الأفريقي.
عرفنا أنّها ليست في عطلة صيفية فهي تعمل بائعة في كشك لأغراض البحر من عوّامات وملابس سباحة ولعب أطفال وخلافو، وأنّها تقضي كل فترة الصيف هنا وتقضي وقت فراغها على البلاج طلباً للإسمرار. هذا فسّر درجة اللون الذي يصبغ الجسد الفاتن.
رحم الله صلاح أحمد إبراهيم، فقد كنّا مثله نحتاج إزميل فدياس وروحاً عبقرية وتل مرمر!

بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل بكثير، غادر ثلاثة منّا إلى الخيمة تاركين الجوز السعيد لتدبير حاله. غادروا وهم يرددون، بحسرة، مقاطع من الشعر الغزلي لحاج الماحي:
يا قزاز الروم الرهاف
العطر في بطنو ينشاف
عاشة حبة دم الرعاف
شالا صقراً قالو ختّاف

شالا ود دكيلي الخبير
شالا شقّابا العتامير
سكنا ارقو الفوق للحفير
من عصر ترقد فوق سرير
وتنكبت بي توبو الكبير

لم يروا صاحبهم إلاّ ضحى الغد تفيض قسماته بالرضى والإبتسام، فجاد بوصف "الطفل الأسمر ذو النظّأرة البيضاء" المذكور أعلاه.

-تمّت-



التوقيع:
ما زاد النزل من دمع عن سرسار ..
وما زال سقف الحُزُن محقون؛
لا كبّت سباليقو ..
ولا اتقدّت ضلاّلة الوجع من جوّه،
واتفشّت سماواتو.
عكــود غير متصل   رد مع اقتباس