عرض مشاركة واحدة
قديم 15-05-2007, 07:04 AM   #[5]
عالم عباس
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

العزيز الشقليني:

ثم أن الليل لما جنّ عليه (في مخدعه الرئاسي)،وقد انقطعت أرجل السابلة، إلا من العسس وحرسه الخاص الذين يذرعون الردهة جيئة وذهاباً، حتى ينام لينهض فجر الغد أكثر نشاطاً لمزاولة مهامه الرئاسية. ابتلع تلك العقاقير المهدئة المعتادة لتعينه على النوم، وهيهات!

تقلب في فراشه، وأطياف الذين وقع عليهم بالإعدام تطارده، وتسائله. هو يعرفهم بسيماهم ويعرف بعض عائلاتهم فرداً فرداً، وبعضهم كان رفيق سلاحه، وثمة أسماء لا يعلم بها، (ولكنه يثق في أجهزة نظامه)!
أخذت هذه الأشباح تتشبث بتلابيبه وخناقه، كان يتخيل مشهدهم في المشانق، وهم يتلوون على الحبال ريثما تسقط جثثهم الهامدة، وكان يتصور أن بعضهم قد قتل رمياً بالرصاص، وامتثل أمامه مشهد أحد جنود الأعداء يوم أصابته الرصاص فلم يمت لبرهة وهو يتخبط في دمائه وحشرجته، تذكر كيف استل مسدساً وأجهز عليه،وكيف انتفض الجسد ثم استقر! أصابته رعشة وهو يتذكر الموقف! (ماذا لو أن محاولته تلك قد فشلت، أترى كان سيعلق مشنوقاً أم يحاكم عسكرياً فيعدم بجريمة الخيانة!)

ما هي الخيانة! (هل هو الفرق بين نجاح الانقلاب وفشله)!
تذكر أن الحكم والسلطة لا يستقيمان دون سفك الدماء، واستعرض في مخيلته الخوارج وأفعالهم، واستعرض سيرة معاوية بن أبي سفيان، وكره أن يكون مثل الحجاج،( لكنه تمنى أن لوكان له عامل كالحجاج، إذن لكفاه بعض هذا الوزر)، تذكر الخلفاء أجمعين وذودهم عن حياض الدين وقتلهم الأعداء، أو ليس هو من يقتدي بهم، ثم أحس بالخجل وأحس بضآلته، وهوانه(أحقاً هذا في سبيل الله والحق والدين)، تذكر عباس السفاح والمنصور، وتذكر طغاة التاريخ ممن كان (في صباه) يكن لهم الاحتقار،. أحس بفداحة ما يحملون والتمس لهم العذر! هم ليسوا طغاة، ولكنهم ضحايا، ضحايا الظروف التي وضعتهم في تلك المواقف الفاصلة!

طاف بمعاصريه، واستعرض تاريخ موطنه، وانتقى أفضلهم حكما (كما يرى)، ورأى كيف أنهم استأصلوا خصومهم (لم يهتم كثيراً بالمبررات، يكفيه أنهم قتلوا أو أمروا بالقتل وحسب).

ثم هاهو مضيفه نفسه، كم قتل وسحل وشرد! وإذن فهو ليس بدعاً من الملوك والقادة والحكام! كيف يكون حاكماً ولا يقتل!

ثم تذكر أصحابه، وتذكر من تذكر، ما بال النوم لا يأتي، وماذا فعل؟ ألأنه وقع على قائمة بإعدام مجموعة من (الخونة، أعداء الثورة؟)هؤلاء يريدون ليطفئوا نور الله ...، والله متم نوره... ترى كيف إذا لم يصادق على الحكم؟ ثم تذكر عبارة أنه تم إعدامهم بالفعل. فتوقف. كيف يتم إعدامهم دون إذنه مسبقاً، وهو لم يصادق عليهم، كيف تجاوزوه؟ أو ليس هو الرئيس؟ كيف يحدث هذا دون قرار منه؟ ثم ساءل نفسه أو يستطيع فعلاً كان أن يرفض؟، وهل صحيح هو المسيطر على الأمور؟ أهو حقاً راضٍ عما يجري؟

ما تزال أشباح زملائه الذين وقع بإعدامهم تطارده و أصوات أبنائهم وأهليهم، هل يستطيع النظر في وجوههم من بعد؟
هاهو يعزي نفسه بأن كل ما يفعله إنما من أجل شعبه، وإن كان هنالك تفلت هنا وهناك، وإن كانت بعض أرواح قد أزهقت فلربما كان العزاء أنه فعل ذلك لينقذ العدد الكبر من شعبه، ولولا أن سارع ودبر هذا الأمر لوثب إليه غيره، ولصار الحال أسوأ!

لابد أن الله أرسله لينقذ هذا الشعب!
هو بالتأكيد مؤيد من قبل الله، وإلا فكيف نصره الله إن كان كما يقول الموتورون الحاقدون !

طال به الليل، فلو كان النوم بشراً لأرغمه على الحضور، ولربما وقع على اسمه ضمن من يعاقبون (بعصيان الأوامر)، آه لو استطاع السيطرة على ذلك! هل سينام؟ هل سيحس بالأمن، لم كل هذه الأعين من حوله تبدو مرحبة ولكنه يحس بأحقادها تحت الثياب! ترى، ماذا لو رشوا هؤلاء الحراس فاغتالوه؟
إن العدل لم يمنع ابن الخطاب من أن يغتال ولا علي، ولا عثمان، والأغرب أن السفاحين يموتون على فراشهم من لدن الحجاج والمنصور وحتى هولاكو وغيرهم! فليسلك إذن سبيل النجاة، حتى يبقى لأداء رسالته السامية!

لم ينم ولم تنقطع صور القتلى! وكم قد أحس في قرارة نفسه بضآلته وهوانه وكم احتقر نفسه، ولكن هذا هو الصباح قد أتى، وربما تقدم له قائمة جديدة للإعدام، فهل يستطيع أن يرفض؟ 0(هي لله، هي لله لا للسلطة ولا للجاه).
لعل الفاتحة والدعاء عند ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني أن يتقبل، وأن ينصر الله أمته به، إذ هي لله، هي لله لا للسلطة ولا للجاه).!

وهنا أدرك شهريار الصباح، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها، ويقول :
[align=center]مضى الأملاك فانقرضوا وداسوا *** سراة ملوكنا وهم تجار
وقوفٌ في ظلال الدم تُحْمَى *** دراهمُها ولا يُحْمَى الذمار
فلو ذهَبَتْ سنات الدهر عنه *** وألقِيَ عن مناكبه الدثار
لعدّل قسمة الأرزاق فينا *** ولكن دهرنا هذا حِمار
[/align]



التوقيع: [align=center]مقالات أخري ل عالم عباس[/align]
عالم عباس غير متصل   رد مع اقتباس