الدكتورة العزيزة / بيان
... نحن دائما في حيرة من أمرنا , تكسوا ساستنا إن كانوا معارضين أو في كراسي الحُكم أغشية من الحمق السياسي , لا أستطيع الا ان اسميه حمق سياسي. أنا شخصيا أعارض الحكومة القائمة في السودان , و لكنني دائما أتفحص الحقائق و الأحداث حتى أطلقها للملأ .
من وجهة نظر علمية و موضوعية , علينا أن نتكلم من موقع العارف المتمكن من عقله و علمه و ثقته بنفسه. لأن المبادئ الأخلاقية التي يتكلم عنها بعض الناس لا كلهم من المعارضة , قد تكون جرح و شرخ عريض في ثنايا التاريخ المترهل الذي بنته الحماقة و (السبهللة) , أنا أثق أن أقدارنا كسودانيين قد أوقعتنا في نتاج تربيتنا الخاطئة , نحن الذين يكذب أسلافنا لكي يبعدوا عنهم العيب , و نحن الذين يكذب أطفالنا لكي يبعدوا عنهم ضرر العقاب. و نحن الذين ضربنا في المدارس ضرب غرائب الإبل , و نحن الذين يتجنى علينا مربيين قاسين لا ينظر لأخطائهم في وسط مجتمع معهود فيه القسوة و (دس) الحقائق يمارسها المجتمع من أوله إلى آخره. و لا أنكر إن هذه الصفات فينا كلنا لأننا تشربناها.
لقد كنت أفكر يوما ما و بدهشة , لماذا نحن هكذا ؟ لماذا لا نتغير؟ لماذا لا يعرف الكبار رغبات الصغار؟ إذن هم فاشلون في أسرهم , لأنهم لا يحترمون رغبات الصغار , نحن لنا قلوب حاقدة و عقول حمقاء و ألسنة تلوي عنق الحقيقة . وعندما كتبت هذا الكلام لا أقصد به هذا الموقف بعينه و لكنه أثارني موضوع الكذب , نحن نكذب و نتمادى في الكذب و نطلب من طلابنا ألا يكذبون.
عندما كنا صغارا كان الشباب أو الأخوان الأكبر منا يضربوننا لكي لا نذهب للحفلات وهم يرقصون في وسطها , يستقبل ظهرك ألف سوط لأنك تدخن و لكنهم غير ممنوعين منه.
الكذب و الغش و الخداع أشياء يمارسها الكبار بدعوى المصلحة و لا يعرفون أنهم يورثونها للصغار. كثير من الجبابرة يقفون فوق جماجم الضعفاء و جثثهم وهم ينادون بالعدل والحرية , و عندما يفقدون الكراسي تستضيفهم الدول الأجنبية فيفعلون ما بدا لهم. و أنا بصورة عامة أشبه الذين لا يجدون شيء يكتبون عنه بأنهم ضعفاء ثقافيا و الذين يغوضون بناء الحقائق يجب أن يعتزلهم الناس قولا و فعلا . فليس كل من حس بإحساس إن يكتبه عليه مناقشته و لكن لا يعطي لنفسه حق الإضافة التاريخية للوطن. الكل يتكلم عن السياسة و لكن القليلون فقط هم الصادقون.
... و أقولها مليون مرة إن محنتنا ليست في السياسة بل في الوعي و العقل و ضعف الثقافة الواعية. سوف لا ينتهي مسلسل العنف في السودان و لا الخصومة الفاجرة في عالم السياسة , نحن نريد أن نبني بشر و حتى من شخوصنا المتهالكة , و أنا أعترف أننا بقايا أذرع أدران المجتمع.
لا يعقل في عالم ما يعيش فيه الإنسان ألا يتدارك أخطاءه و إن تداركها لا يستطيع تغيرها .
و أخيرا أقول إن صوت القوة و الفحولة و الفتوة ليس من نسج خيال مجتمع عاش على ذاكرة نقية , و لكنها محنتنا التربوية التي نمت على صهيل سوط (العنج) الذي كان في السابق معلق على جدار كل بيت. وكانوا سابقا ً يقولون للفتى عندما يتزوج عليك بتعليق سوط (العنج) فان رأته الزوجة أصابتها الرهبة و أذعنت.
هذا هو واقعنا و جرت عليه العادة فالخوف ولد الكذب و الغش و الخداع و عدم التقدير الصحيح و حتى نفسيا أصبح المجتمع محبط من يوم ولادته لذا لا تفرق معه إن عاش بهذا الحال أو بغيره. ناهيك عن جرثومة الإشاعة و خاصة في مجتمع كالسودان لا ينفصل عن مشرق عربي وإسلامي بالمسمى و ليس حقيقة. الإشاعة أصبحت علم يضرب أجزاء الوطن و صروحه من صحافة و إعلام و سياسة. هل سمعتم بمراكز تربوية تهتم بالمجتمع كمؤسسات طوعية؟ هل سمعتم بمعاهد تهتم بالبحث العلمي في شتى المجالات ؟ و ما أكثر العلماء في السودان! هل سمعتم عن مؤسسات صحفية ضخمة تبني عالم من الحقيقة و الخبر؟ هل وجدتم صحيفة لا تكتب عن السياسة كل يوم و تلوك نفس الكلام الذي كتبه طلاب شهرة؟ لم أسمع عن الصحفيين الخبراء أو الإعلاميين الخبراء أنهم يعدون لبناء مراكز دراسية لتحقيق الخبر و المعلومة و الحدث بطريقة علمية. لا أعرف انهم جريئين في طرح تجاربهم في شكل شفافية بعد توبتهم السياسية و اعتزال الحياة. فقط يستضيفهم التلفاز ليحكوا تاريخهم الذي لا أعتقد انه ذو فائدة من غير توثيق.
مع تمنياتي بالتوفيق...
التعديل الأخير تم بواسطة أحمد يوسف حمد النيل ; 25-07-2007 الساعة 01:23 PM.
|