عرض مشاركة واحدة
قديم 22-03-2009, 04:51 PM   #[7]
imported_تاج السر الملك
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_تاج السر الملك
 
افتراضي

في عربة القطار الأخيرة‘ جلست بجانب عمتي‘ مستندا بجسدي الصغير على عطر ثوبها و روائح الجنة في أعطافها‘ كانت تنظر المدي من مقعدها بجانب نافذة العربة المتأرجحة‘ مستكينة الى صمتها
و همهمة تسبيحها‘ و صوت الصافرة المختنق ينطلق نذيرا للأبقار التي تتهادى دون خوف عابرة نفس الطرقة التي تقطعها ذهابا و ايابا كل يوم‘ يدها اليسرى و اكمام جلبابها المرقش‘ حذاء النافذة
و أصابع اليمنى تحرث في رأسي العاري الحليق بين الفينة و الأخرى‘ حرثا متوترا لا يكف حتى يبدأ من جديد‘ لا يبدأ حتى يتوقف فكأنما مفاصل الفقرات فيها قد تجمدت وبعثتها الحرارة من جديد. يبعث حرث الرأس
غبطة و فرحا و دفئا مقدس في جسدي و روحي‘ فرح لا يشبه اى فرح آخر خبرته‘ تزداد الألفة من تردده المحسوب بيني و بين عمتي‘ و تعتريني الطمأنينة العذبة من تردده الحذر‘ أغمض عيني في ثقة و دعه‘ فيتهيأ لي المدى الشاحب خارج النافذة‘ و أعمدة الكهرباء و البرق
و الأعشاب المثابرة‘ صور تنعكس في عيونها‘ و تأخذ طريقها الى ذاكرتي‘ أرهف السمع‘ فتغمرني لحون الشوق في اشعار اهلهاالتي تستل من افئدتهم ‘ مثل الشوك الذي يستبيح جلودهم السمراء
و رائحة المدائح تصطخب في انفاسها و ترددها المنتظم.
ظلت اصابعها تعبث براسي طوال الرحلة الشاقة ‘ اشتد عزمها‘ فنقرت نقرا في منتصف رأسي بحذق رجل التلغراف ذي العوينات السميكة‘ فتنزل على الشعر و زرقته‘ و اشتد في تنزله حتي غبت عن الوعى.
نحونا جنوبا صعدا‘و لكنها لم تكن تحب سفر الصعيد‘ بقدر شوقها لرؤية أخيها الأصغر‘ عمي ( الفاضل)‘ و لا كان الفاضل يحلم بالبقاء في غير السافل‘ ذكرى يحن اليها‘ فيذرف شوقه مطرا من الشعر‘ و رأسه
بين قوسين من كفيه الكبيرتين‘ في حيرة منذ ان تطأ اخته بقدميها الصغيرتين فناء داره‘ و العراك لا ينفك الا لينشب بينها و بين زوجته‘ و لا ينتهي الا حين تغادر عمتي الدار.
و حين تشرع في الأعداد للسفر‘ تنكسر الأفئدة تحت سطوة الصفح‘ و تهمي دموع‘ و ينشب عناق و عفو و معافاة‘ ووصايا و هدايا و (زوادة) و (جرم)‘ و حديث عن الموت‘
و شعر طليق ينبت في فناء الدار‘ شعر عميق ذو جرس و ضرس‘ تزرعه اصابعهم جميعا في رأسي العاري الحليق‘ يبذلونه جميعا بقوة و عزم و اصرار
كان شعرا فضفاضا‘ حارقا و شافيا مثل بلسم‘ موشى بذوائب ( الخضرة المنتصرة)‘ يسبح في زرقة السماء مثل سعف النخل في ( الغريبة)‘ لا يطال الناس تمره‘ و لا اهل الغريبة يقدرون
على عبور النهر لملاقاة القطار.



imported_تاج السر الملك غير متصل   رد مع اقتباس