عرض مشاركة واحدة
قديم 03-06-2010, 03:27 AM   #[48]
imported_آدم صيام
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_آدم صيام
 
افتراضي


انتهزت الفرصة وطلبت من محدثي الذهاب إلى منزل الدكتور جالو.
شققنا عدة طرق مختصرة بين الأطيان والقطاطي المفصولة بأسوار متواضعة حتى وصلنا إلى بيته. بعد أن طرق الباب حضر إلينا بنفسه واضعاً على رأسه غترة السعوديين المخططة باللون الأحمر وأدخلنا إلى ناحية مكتبه الكائن داخل المنزل الطيني.
بعد المجاملة والترحيب ، سألته هل تلقّى بريداً يحمل شهاداتي للوظيفة المقدمة من الأستاذ إبراهيم أمين التعليم في زندر وقد تأخر ردكم بسبب التذاكر؟
فأجاب بأنه ليست له أدنى معرفة بذلك ولا يعرف شخص بهذا الاسم في تلك الزندر.
فسألته عن معهد اللغات الذي يديره.
فقال: إنه فكرة تحت الإنشاء ولم تتوفر بعد السيولة الكافية للشروع فيه. حينها أدركت أني ضحية لحسن ظن فاسد لا غير.
الدكتور جالو خريج جامعة سعودية ويجيد اللغة العربية بطلاقة مشبوبة بلهجة السعودية.
رجعنا أدراجنا حيث مطعم الخرطوم أجرجر أذيال الخيبة ونقطة اللاعودة. متفرساً في هكذا عقلية تنسج من العدم أحلاماً ولا في الخيال من أجل ماذا ولماذا!

علمت من الإخوة أن الطلاب السودانيين حضروا من نيجريا بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مخرجاً غير الالتحاق بجامعة نيامي التي فُتحت فيها كلية لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية على نفقة دول الخليج.
ثم ذكروا لي معاناتهم في الحصول على لقمة عيش ولولا هذا المطعم لنفق الجميع. لم يجدوا مفردة وإلا وصفوها لي بأن هذه البلاد هي الحفرة الحقيقية التي ما إن يقع فيها الفرد لا خروج له البتة. فأصابوني بإحباط لم يبارحني حتى خرجت من حدودها. كما ذكروا لي أن عدد السودانيين هنا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وأن أحدهم يعمل في المنظمة الكويتية بأسرته ناحية حي الموظفين.

عندما أدركنا وقت العصر وصلت سيارة ماركة أوبل رمادية عليها رجل أحمر طويل يضع طربوش ليبي أحمر كذلك على رأسه، نزل منها واستقبله الجميع بلقب (هاجي) الحاج، فأدركت أنه صاحب المطعم. سلّم على الجميع وقدمني السيد كيلي له فاستقبلني استقبالاًَ كريماً وهلل بمقدمي. لم تمض برهة من الوقت حتى دعاني إلى سيارته وذهبت معه إلى منزله، المنزل الوحيد الذي وقعت عليه عيناي مبني من طوب البلك الأسمنتي في تلك البلاد وتحرسه شاحنتان من خشية الفقر من شاكلة عابرات القارات.

سلّمت على أسرته المكونة من زوجه الطوارقية وعدة فتيات وقد قص لهم رحلتي ومبغى وصولي إلى هنا. ثم قدمت لنا زوجته طبقاً من الفواكه الإستوائية أراه لأول مرة، إنه فاكهة تتشبه أثداء النساء المتهدلة داخلها لب برتقالي يضم حبيبات سوداء في تراص يشبه لولب الجينات. إنها الباباي التي سمعت بها على أنها الفافاي و تأتي مع الشاحنات القادمة من جنوب السودان.

طلب مني أن أصحبه في نزهة تعريفية حول المدينة. مررنا بشارع ترصعه عواميد الإنارة بسفلته تبلغ كيلومترين لا غير. أخبرني محدثي بأن هذا هو أرقى شارع في المدينة. مررنا على مبنى فخيم قال إن هذا كان في السابق مصرفاً تم إنشاؤه على نفقة الصندوق الكويتي السعودي إلا أن الموظفين فيه نهبوا أمواله في غضون ستة أشهر وتم إغلاقه ليفترشه الشحاذون والمعاقون والعمي والمجذومون.
هذا هو السكن الشعبي الذي شادته جهات خيرية سعودية ولكن استأثر به الوزراء وعلية القوم. تفرجنا في سوق الخضار ذي الفواكه العجيبة والثمار التي أغلبها جذور نباتات. علمت من محدثي أن تلك الخضروات أغلبها مستورد من بوركينا فاسو.

حضر محمد علي في أوائل السبعينيات قادماً من ليبيا سائقاً لشاحنة فاستقر به المقام هنا، ومن يومها لم يرجع إلى ليبيا ولا إلى السودان. يحمله شوق قاتل حيال دنقلا العجوز وكل ما هو سوداني . حصل على جنسية تلك البلاد وتزوج من طوارقها ويعمل بالتجارة عبر دول تبدأ من النيجر وتنتهي في شرق أفريقيا، إذ تجمع تلك الدول اتفاقية تجارية ويربطها خط طيران أفريقي ولهم حرية التنقل والاتجار.

نصحني محمد علي إن كان لي مبلغاً يسيراً يمكنني أن أشتري سيارة أجرة يعود عليّ ثمنها في خلال سنة واحدة . فبإمكانه اختيار سائق أمين يعمل فيها بنظام الإيراد اليومي . فأعلمته أني جئت بحثاً عن هذا المال ولم أبلغه. حينها نصحني بالرجوع إلى ليبيا سراعاً فذلك خير لي ألف مرة من الموت البطيئ هنا.



imported_آدم صيام غير متصل