عرض مشاركة واحدة
قديم 13-03-2008, 06:58 PM   #[13]
شوقي بدري
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية شوقي بدري
 
افتراضي

مواصلة موضوع الإحساس بالظلم :

أول مرة أحس بالعنصرية واختلاف الناس وأنا لم أبلغ الخامسة من عمري كان ماكرجوك وهو أحد أهلنا الدينكا وكان يعمل كجنايني في منزل الحكومة الضخم الذي كنا نسكن فيه لأن إبراهيم بدري كان مفتش المركز في زمن الإستعمار كانت هذه وظيفة لا يبلغها السودانيون ، كان ماكرجوك يتسلق شجرة المنقة الضخمة وأختي نضيفة تشير عليه . وفجأة اتجه إلي الإتجاه المضاد فسألته نضيفة ماشي وين وكان رده في منقة هنا لونها زي لون شوقي . وكنت أحسب وقتها أن كل الناس هم نفس الناس وليس هنالك إختلاف في الألوان وتلك كانت أول مرة أعرف أن هنالك إختلاف بين الناس . وماكرجوك كان أقرب شخص إلي في المنزل لا أفترق عنه طيلة اليوم. وكنت أتعبه بالأسئلة . وهو أول إنسان يشير إلي أن رأسي قوي .
بدأت بعدها أفهم المشاكل العنصرية واسمع الجلابة والشماليين يتحدثون بطريقة مسئة عن الجنوبيين وكان هذا يؤلمني أشد الألم .
كان معنا طيلة الوقت من عرفت بعمتي فضل الموجود وهي والدة نضيفة وفضل الله وخلف الله وهو إبن صافيات وكنت كل الوقت أظن أنهم عماتي وأولاد عماتي إلي أن أتينا إلي أم درمان وبدأت أسمع الآخرين يتحدثون عن الخدم والعبيد . وحتى هنا في السويد أضطررت عدة مرات أن أحسم بعض الشماليين عندما كانوا يرددون بالله السويدية الجميلة دي تسمي ليها بتها "نضيفة" اسم خدم ؟ .

أول مظهر من الظلم يقع علي شخصيا وأظن أنه أثر علي حياتي وهو أن خالتي أيقظتنا في الصباح وارتدينا أحسن الثياب وكنت أسأل : ماشين جنينة النزهة ؟ وكان الرد أيوة . وهيأت نفسي ليوم جميل في حديقة الحيوان مع الشقيق الشنقيطي ، وفجأة تتوقف السيارة والسائق ليقابلني العم أحمد الحاج إدريس وهو مساعد حكيم وتمت عملية الختان بدون أن أستشار أو يخبرني أي شخص بما يحدث . وعندما رجعنا إلي المنزل كنت في حالة هستيرية وكنت أبكي وأصرخ وأقول أنني أريد القطعة التي أخذوها إلي أن نمت من التعب .
وكنت ولا أزال أعتبر أن هذا أكبر تعدي علي شخصي .

المدرسة ب>ات بأن ذهبت إلي مدرسة سنجة الأولية وكان الناظر وقتها حسن نجيلة مؤلف كتاب( ملامح من المجتمع السوداني) . ولكن تلك الفترة كانت فترة إختيارية أذهب عندما أريد. وكان الأستاذ حسن نجيلة يحضر إلي الوالد الذي كان يملي عليه كتاب "ملامح من المجتمع السوداني" وحسن نجلة يذكر في الكتاب : وقال لي الشيخ وأشعل غليونه والشيخ هو إبراهيم بدري ، لأن أحداث الكتاب دارت عن فترة جمعية الإتحاد واللواء الأبيض وحوادث 24 وعندما تكونت جمعية الإتحاد لم يكن حسن نجيلة قد بلغ العاشرة من عمره .
وإبراهيم بدري كان كذلك الجيل يرفض أن يذكر إسمه ويبعد عن الأضواء.
عندما انتقلنا إلي أم درمان سكنا في حي الملازمين. وبالرغم من أن محمد شبيكة كان يدير مدرسة النهضة وعبيد عبد النور زوج عمتي يدير مدرسة بيت الآمانة والأحفاد مفتوحة أصر إبراهيم بدري علي إدخالنا مدرسة الأمريكان وأدخل شقيقاتي مدرسة الإرسالية. وكان يقول ديل أولاد مسلمين وحا يتعلموا الدين الإسلامي لكن كويس لو إتعلموا حياة المسيحيين وكيف يتعاملوا ويتقبلوا المسيحيين .
وفي اليوم الأول إستقبلتنا مسذ ميري وهي بملامح شمالية صميمة . إلا أنني مدفوعا بظلم الختان كنت متمردا وغاضبا من كل الكبار فرفضت أن أمكس وهربت من المدرسة ، وعندما أرادت مسذ ميري الإمساك بي أسمعتها من الشتائم ما لم تمن تعرف أنه موجود إلا أنها لم تضربني ولم تغضب . وعندما دعوني في اليوم الثاني كانت في غاية اللطافة ونادت علي كمال محمد عبد الرحمن كبيدة وقالت لي هذا سيكون صديقك واعطتنا كرة تنس جديدة وطلبت منا أن نلعب في الحديقة ، وبما أن اليوم كان يوم إثنين يوليو فقد كانت الأرض مغطاة بالحشائش بسبب الخريف وكانت حديقة المدرسة مليئة بالزهور والفراشات والعصافير . وصار كمال أول صديق لي وتزاملنا في مدرسة الأحفاد الثانوية فيما بعد ، إلا أنه كان في مجموعة الأولاد الكويسين ومؤدبين .
مسذ فيث كانت مدرسة مساعدة وهي أول من درسنا الحروف والكلمات الإنجليزية ، كانت رقيقة يحبها الإنسان وكانت تقول أن إسمها ليس فيس ولكن بالثاء لأن فيس تعني بالإنجليزية وجه ولكن اسمها يعني إيمان أو ثقة وهي كذلك كانت بملامح أقرب لملامح شمال السودان أو الأثيوبيات . وبعد سنتين إنتقلت إلي مسسذ هيلين وهي إمرأة بيضاء طويلة القامة وفي هذه المدرسة لم يكنوا يضربوننا بل يحذروننا من الكذب وأكثر شيء كان مكروها في تلك المدارس كان الكذب . وفجأة يقع الظلم مرة أخري فلقد ظهر الأستاذ عبيد عبد النور فجأة في مدرستنا وهو متجهم وطلب مني وشقيقي الشنقيطي أن نتبعه ووجدنا نفسنا في مدرسة بيت الأمانة ، وكان الأستاذ شعيب بحجمه الضخم هو ناظر المدرسة الأولية وضابط المدرسة كان الشيخ الرياحي الذي صار ناظر مدرسة حي العرب الأولية . ووجد كل منا نفسه وسط أكثر من سبعين طالبا محشورين في فصل صغير ومع أقل كلمة أو لفتة يقع السوط علي الرأس والظهر وكانت النقلة كبيرة ومزعجة . وعندما حضر السائق لأخذنا من المدرسة قالوا له إنهم قد انتقلوا إلي مدرسة جديدة وحتى والدي لم يكن يعرف وكنت أستغرب مالذي كان يعطي الأستاذ عبيد عبد النور الحق في أن يتصرف فينا . وفجأة صار والدي مفتش المركز والذي يحترمه ويهابه الجميع ويناديه الدينكا بماريل وتعني الثور الكبير الأبيض أو بنج وتعني الرجل الكبير أو الشيخ . هذا الرجل كان يخضع لعبيد عبد النور الذي كان أكبر منه سنا وتربطهم مدينة رفاعة .
أذكر أن شقيقي الشنقيطي كان يبكي بحرقة لأنه ترك أصدقائه ولكن بالنسبة لي كانت المدرسة جيدة فأغلب طلبة المدرسة كانوا أولاد الإشلاق وهو إشلاق البوليس أو إشلاق سجن أم درمان وكان الكثر من الأولاد يحضرون بدون قرش الفطور وقد يستجدون من الآخرين أو يختفون فطورهم أو يخيفونهم لتقاسم الفطور واستدعي الأمر التمرس علي الدفاع عن النفس وأخذ الحق باليد ولا يزال حاجبي الأيسر يحمل قطعا من ضربة زجاجة من زميلي علي جاد الله .
من مظاهر الظلم كذلك أن الأستاذ التقلاوي كان يأتي لإعطاء دروس مسائية لشقيقي الشنقيطي وهذا قبل أن ألتحق أنا بالمدرسة وأذكر أنه طلب مني قائلآ أمش جيب مصاص تمر فجريت سعيدا حاسبا أن نوي التمر سيستعمل في الحساب ولكنه كان يضع النوي بين أصابع شقيقي الشنقيطي الذي كان نحيف القامة والأستاذ الشقلاوي ضخم ويدوس علي أصابعه . والشنقيطي يصرخ ويتلوي من الألم . وتألمت أنا أكثر من الشنقيطي لأنني شعرت أنني شاركت في جريمة عقاب شقيقي.
وفي أحد الأيام أبلغ أحد التلاميذ ضابط المدرسة شيخ الرياحي بأنه شاهد الشنقيطي يلعب بلي في العصر . وأخرج أستاذ الرياحي الشنقيطي في طابور الصباح وقام بجلده وأنا بالقرب منه ثم قال لي شيخ الرياحي : تاني كان شفت أخوك ده بيلعب بلي تجي تكلمنا . فسكتت . فسألني : لو شفت أخوك ده بيلعب بلي حا تجي تكلمنا ؟ فقلت لا . متجنبا الكذب كما تعلكمت في مدرسة المسيحين . فانهال علي بالكرباج وكأني حصان جامح إلي أن صرت أزحف علي الأرض من الألم وكل ما يسألني أرد ب لا ، وكنت وقتها في التاسعة وبدأت أتسائل لماذ أعاقب علي قول الصدق ؟ وأي سلطة لأستاذ الرياحي لما يفعل الشنقيطي وغيره بعد ترك المدرسة ؟ ولكن قديما كان المفهوم أن الوالدين يسلمون الطفل للمدرسة ويقولون لهم : ليكم اللحم ولينا العضم.

من الأشياء المربكة أن الناظر شيخ شعيب كان يدرسنا الدين ووهو يلبس الجلابية والقفطان وكان يروي أشياء خيالية لا يمكن تصديقها حتى بالنسبة لينا نحن الصغار وكان يقول أن الكفار دخلوا الحصن وقفلوا الباب إلا أن سيدنا علي الكرار انتزع باب الحصن بيده اليسري وحمله كدرقة وصار يضرب بسيفه وعندما يضرب يمينا يقتل عشرة ويضرب شمالآ فيقتل عشرة ويتحمس ويرفع تربيزة المدرس التي علي المصطبة بيديه الإثنين مقلدا سيدنا علي الكرار. وكنت أتسائل كيف لا يتمكن شيخ شعيب الضخم من رفع التربيزة بيده الواحدة . بينما سيدنا علي رضي الله عنه كان يحمل باب الحصن بيده اليسري.
شيخ شعيب ذكر لنا مرة أن أي قلم في العالم إذا ريشة أو قلم حبر أو قلم بوص لازم يكون مشقوق وإلا ما بيكتب . لأنو القلم زمان ما كان مشقوق وتلجلج في الكتابة فنهره الله إلي أن انشق من الخوف .
وعندما رجع خالي مبارك خليل إلي السودان بعد الدراسة أحضر لنا أقلام حبر ناشف ولم تكن مشقوقة وبدأت أفكر في أن الكثير من كلام شيخ شعيب لم يكن صادقا .

في بداية المرحلة الوسطي كان الأستاذ عبيد عبد النور قد قرر أن كل التلاميذ يكونوا حالقين صلعة وكان يشتم من لهم شعر طويل ويصفهم بالحبشية والسبب هو كان الخوف من الحمي الراجعة . التي فتكت بالناس في السودان في الخمسينيات . وكان الكثير من طلبت بيت الأمانة من أسر فقيرة والقمل كان منتشرا بينهم .
ورفضت وشقيقي الشنقيطي حلق شعنا بالرغم من الجلد والتشديد ثم الحرمان من حضور يوم الآباء.
وعمر أحمد العبيد حفيد عبيد عبد النور كان ذا شعرا طويل وعندما أشرنا إلي هذه الحقيقة كان رد الأستاذ عبد النور: عمر أمه بتريدو وما دايراه يحلق. فقال الشنقيطي : أنحنا ما مقطوعين من شجرة . ووالدة عمر هي بنت عمتي. وبابكر شقيق عمر الأصغر كان يحلق صلعة . وفي يوم من الأيام أخنا عبيد عبد النور إلي دكان عبد العزيز إسحق والذي صار صديقي فيما بعد وهو صديق شقيقي عبد الرازق (أبورقة) وجلس شنقيطي علي الكرسي وحلقوا له جبنة . ورفضت وكان يدور في رأسي كل الظلم في العالم الذي يتعرض له الطفل الصغير وقررت أن لا أتركهم يحلقون شعري حتى لو قتلوني ، ورفست أحد ألواح الزجاج في الدكان ولا أذكر بالظبط ولكني أذكر أني تخلصت وهربت والأستاذ عبيد عبد النور يتبعني بالسيارة إلي أن قفذت في خور الموردة . وتخلصت من المطاردة . وقد قال ألأاستاذ عبيد عبد النور أنني قد ضربته وهذه قصة لا أذكرها. فأرسلتني والدتي للدراسة والسكن عند خالي في ملكال وتلك كانت أجمل وأحسن محطة في حياتي لأنني عشت وتنفست وتفاعلت مع أشقائي من الجنوب.

التحية شوقي .



التوقيع: [frame="6 80"]

العيد الما حضرو بله اريتو ما كان طله
النسيم بجى الحله عشان خاطر ناس بله
انبشقن كوباكت الصبر
وتانى ما تلمو حتى مسله
قالوا الحزن خضوع ومذله
ليك يا غالى رضينا كان ننذله



[/frame]


http://sudanyat.org/maktabat/shwgi.htm

رابط مكتبة شوقي بدري في سودانيات
شوقي بدري غير متصل   رد مع اقتباس