(2)
شخصيات من حلتنا
العم أبوشوك
الساعة الرابعة صباحا .. خبط علي الباب ..
الحي الله والدائم الله .. الحاج أخوي صحي لي ولدك النجيض ماشين علي المقابر حاج إبراهيم تعيش انت .
يوقظني الوالد قائلا : قوم أمش أكسب ليك حسنات حاج إبراهيم توفي وعمك أب شوك منتظرك.
أحمل (الكوريك) الصغير وأخرج وما زال النوم يداعب أجفاني ، يبادرني العم أبو شوك :
يا زول النوم ملحوق أرح نلحق البطان ما يخربوا القبر علي الزول.
نركب في العربة (البوكس) مجموعة من الشباب في إنتظارنا تتحرك العربة نحو المقابر ، وأبو شوك يردد الدوام لله.. الدوام لله.. ويصمت فجأة ثم يقول :
يا شباب أدونا سفه باقي أنا حقتي نسيتها في البيت من العجلة .
فيعطيه أحد الشباب (حقه )تمباك فيأخذاها قائلا :
بطان أخر زمن كمان سعيتولكم (حقق) .
يضع خمشة من التمباك في فمه ويواصل الترديد من جديد الدوام لله .. الدوام لله ، نصل المقابر فينظر الكل ناحية العم أبو شوك ، هو الذي يحدد أين يحفر القبر فيشير قائلا : هنا
يبدأ الشباب بالحفر وهو يحثهم علي الإسراع ويوجههم حتى تأتي مرحلة (ود الأحد) يوقفهم ثم ينظر ناحيتي قائلا :
قوم يا زول صلح للمرحوم بكان رقادو .
أبدأ في الحفر فيبادر الشباب (أجره صل) يريدون المشاركة في الحفر فينهرهم :
لا خلوه اليتمو الشايقى نجيّض لما ماتت بتول الله يرحمها قال ليكم ود الأحد ده صغير غالطوهو أها المرا نختها ونرفعها زي الصاج في الطابونة لامن الجنا نزل صلح ود الأحد والمرا ماشاء الله نزلت مرتاحة تب دحين لا تشاغلوهو .
أذكر ذلك اليوم جيدا بعد أن انتهينا من الدفن ناداني علي جنب وسألني :
إنت يا جنا بتعاين للنسوان ولا شنو ؟
إستغربت سؤاله ولكنه لم يمهلني حتى أرد فبادر قائلا :
باين عليك ملعون يا جنا المرا عليك أمان الله تقول مفصلها جلابية ..عارف مقاسها تب .. أمش الله لا تاجرك .
كنت أداعبه أحيانا .. تعرف يا عم أب شوك لما تموت والله ( أجهبذ) ليك ود أحد ما حصل قبل كده أريحك تمام .. فيغضبه ذلك ويبدأ في شتمي :
أمش يا ملعون والله أنا أدفنك وأدفن أبوك زاتو غور من وشي الله لا كسبك ...
كانت الابتسامة والضحكة يتبعانه حيث سار وله مناكفات لطيفة مع الحاجة فاطمة والأخيرة تهوي تربية الأغنام وهو شايقي متحضر يزرع الزهور في فناء منزله والأغنام والزهور كالماء والنار لا يجتمعان ، فتراهم كل صباح في مشاداه :
يا حاجة فاطنة يعلم الله اللبن البتشربيه من غنماياتك ديل حرام عليك غنماياتك يا فاطنة بلا زهوري وأكياس النايلون كانن فطسن يا فاطنة الله يسألك في شيتن يقولولو البرسيم إشتريه للغنم تلملمي في القريشات انت شن قايلها ماك حارساهم ويومك التموتي يا فاطنة يمحقوهن البطان في السفاهة.
وترد الحاجة فاطمة :
أب شوك يموت نصك يالمابتشبه الرجال غنماياتي ديل عندي أخير من وليداتك الطالقهم في الشارع النهار كلو يا راجل ما تشوفلك شغلة غيري.
..وللحاج أبوشوك منكفاته مع مسئولي الجمعية التعاونية فهم عنده حرامية يسرقون مال الغلابة : انتوا حرامية شي سكر وشي شاي ولبن علب تمشوا من الله وين .
وكانوا يخافون لسانه فيعطونه ما يطلب إلي أن جاءت اللجان الشعبية واضمحلت (كوتة) السكر من ستة أرطال إلي ثلاثة أوقيات فصار يترحم علي أيام الحرامية ويقول:
الجماعة ديل (يقصد اللجان الشعبية ويتحاشي ذكرهم بالاسم) الله ما بعرفوه لا يرحموا لا يخلوا الله يرحم الله يقطعهم من وشينا نشفوا ريقنا.
أبو شوك كان في الستين أو نحوها ، مشارك تجده في كل أتراح وأفراح الحي ، تجده دوما حين تحتاجه ولا ينتظر شكرا ، ظل محتفظا بلهجته الشايقية رغم سنواته الطوال في الخرطوم ، أخبرتني شقيقتي أنه توفي إلي رحمة الله ، أسأل الله له الرحمة والمغفرة ، واتمني أن يكون أبو شوك قد وجد من يصلح له ود الأحد ولعن الله الغربة فقد حالت دون وفائي له بوعدي .
.
|