عرض مشاركة واحدة
قديم 31-08-2010, 06:35 AM   #[1]
الوليد عمر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الوليد عمر
 
افتراضي أصبح الصُبحو ، ولا نحنو ، مع النور إلتقينا ... !

[align=center].............[/align]








[align=right]

أصبح الصبحو ، ولا نحنو ، مع النور إلتقينا


غرفة طينية سجمانة ، فى أطراف المدينة المنبهلة ،و التى تكدست على نفسها حتى إختلط وجهها بمؤخرتها فلا يبين مدخلها من مخرج ريحها ، سريران من البال الحديدى قوى الشكيمة و مرتبتان من العهن الذى لم يتكبد أحد عناء تفليته من الغُلغُل فتمت هراسته هرسا فأستوى داخل الدمُّور رغم أنفه و أنف الراقدين ، صريف مجدول من عيدان الذرة و الخيش قام بجوار الغرفة الحزينة ، إبريق حديدى و جردل الماء البلاستيكى الأخضر يتجاذبان أطراف الهواء الصباحى قليل الأكسجين.

يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ، ما تبقى من الليلة الفائتة لا زال مختمرا فى العينين ، يبدأ صاحبُنا يومه فجرا باكرا رغم أنفه ، فالمعايش جبارة أو هكذا سولت له نسمات الفجر الخانقة والتى سمَّت نفسها جزافا بالنسمات فى بلد علاقته بالجو الصحو ليست بأفضل من علاقة صاحبنا باللغة الصينية ، يمد يده المتكاسلة فى جيب البنطلون الكحلى القبيح يبحث عن العمارى تلك الوصفة السحرية و ذلك الفرح المعبأ فى الأكياس والذى لا تقوى بدونه الأحداق على أن تشرع أبوابها للضوء ، المهم دنكل دردمته الهائلة و ألهم شفته السفلى فجورها و تمطى ، متثاقلا أزاح غطاءه الكئيب عن بدنه الكالح المنهك وهمهم يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم ، حانت منه إلتفاتة كسولة ناحية السرير الأخر بالغرفة ، خالٍ كالعادة، الوهم دا سقد وللا شنو ؟ حدثته نفسه عن (الرووم ميد) و الذى ما تمكن يوماً من سبقه فى مغادرة السرير .

صب الكثير من الماء و الصابون على بدنه بطريقة الحى ووب و طفق مستعجلا يلبس اليونيفورم ، ذات الأواعى التى تمتطيه كل صباح ، البنطلون الكحلى القبيح و القميص السماوى غير المشدَّر مع رقعتين سوادوين عند الكتف بما يفيد (الأوزبليطة) و جزمة الباتا التى لا منظر لها ، لا فى التراب ولا فى الظلط ، يلبس مضطرا ويهدئ روعه بأن خادم الفكى مجبورة على الصلاة وليس عليه جناح إن كان سوق العمل يكرس للمساواة بين بنى المهنة الواحدة حتى يميز رأس المال بين الجيوب التى تحتضن الجزالين الوهيطة و بين الجيوب الخالية إلا من أبو النوم فيحدد مستقره و إلى الأبد ، كاد من عُجلته أن ينسى تلفونه الصينى الشبيه بالنوكيا ، أغلق منبهه المزعج و توكل على الواحد الأحد .

شد رجليه نحو (أخر ظلط) حيث محطة الباصات ، وهو يعلم أنه ليس الوحيد الذى يغادر فرشته قبل أن يفرض الخيط الأبيض سطوته على الخيط الأسود ، فهذه (محاسن) أوقدت نارها و غلت ماءها و رمت لقيماتها و توهطت بنبرها وسط عدتها الكثيرة حتى فاض كفلها بالجنبتين و لكأنها خامت بجناحين من لحم و دهن حول بيض و فراخ و زغب ، إرتمى مسكينا على أقرب بنبر و صبَّحها مشتماً فواح الزلابية المرشوشة ببودرة السكر فعبأت له كباية الشاى و خمشت له بيمينها الربيانة من صينية اللقيمات . "إنت يا هناى صاحبك دا ما تكلموا ياخى ، دايرة لى منو قروش ، بقى لما يجى أخر الظلط بيشرب الشاهى عند فتحية ، ليهى يعنى بيسوى كدا ؟ " عرف صاحبنا أن الخشم خشمين حقات الصباح راحن فى خبر كان ، وقد كان يمنى النفس بعشرة ونسة تطلق القليل الجلكوز فى نخاشيشه المتخشبة قبل أن يركب الباص ، و لكن و كالعادة ، هذا ( الرووم ميد ) لا تأتى من ناحيته غير الكفاوى .

أهو اليوم باين من أوله ، فى إنتظار أول لمحة إيجابية ، توقف الباص أخيرا فى المحطة ، مقعد خال ؟ يا سلام ، جلس وهو لا يعلم بأنه سينال شرف أول شماعة فى هذه الرحلة ، تركب الحاجة من المحطة التالية و من بين كل الجالسين فى البص السعيد تختاره هو لتقف بجوار مقعده ، ينهض ، تجلس ، لا تدعو له بشئ ، الله يلعن (اليونيفورم) و سنين اليونيفورم !


"أصبح الصبحو و ها نحنو مع النور إلتقينا" ، يصدح (محمد وردى ) من الراديو المتهالك فى الباص التعس ، يميل على رفيقه فى الشماعة المجاورة و يسأله : " الليلة يوم كم فى الشهر " ، ينظر الرفيق فى ساعته ( الكاسيو) و يجيب بتحذلق مصطنع ، يُهيأ لى كدا يوم ستة لكن ما متأكد والله ، ندم صاحبنا على سؤاله بعد أن إمتلأت خياشيمه برائحة المُشُك و الكحول البلدى الردئ التى تنهمر إنهمارا من فم صاحبنا فى الشماعة المجاورة ، سرح بخياله بعيداً و هو يتحين الفرصة لإستعادة كرسى بديل والباص لايفتأ يخلو ليعبأ من جديد و شيئاٍ فشييئاً يتضاءل الأمل فى الجلوس ، ربما هكذا أفضل لعموده الفقرى فقد سمع مرة أن الجلوس قد يودى بالفقرات الظهرية إلى التقضرف و التهلكة همهم فى سره : "حمانا الله ، حمانا الله " ، لا يجد راحته لا فى الصمت ولا فى الكلام ، إذا تكلم ليس حوله سوى نوافخ الكير إما أن تحذيه وإما أن تحرق ثيابه ، وإن يصمت تخالجه نفسه بكريه الأفكار و الخواطر ، لا تنزعه منها إلا ملامح أمه فاطنة وهى تردد:" يا النبى نوح يا النبى نوح ، من قال يا النبى نوح ، الله نجاهو ".


" قرصة صغيرة يا معلم بالله "، ينزل صاحبنا من الباص عند المزيرة إياها ، يعمد إلى الزير البايت و يخرت ليهو ( كوز) من الماء البارد ، تطوف بخياله كرامة الشيخ (ود عسيلى) و الذى كان يميِّز بين موية الليلة و موية أمبارح فى الزير الواحد ، كب الماء كباً فى جوفه الذى أشعلته الزلابية الصباحية مع شاى محاسن المقنن ثم إنصرف إلى ساحة المبنى ذو الطابقين ، شايفك جيت بدرى الليلة ، يعاجله عم عبد الرحيم سائق المدير بواحد من تعليقاته التى لا تنتهى .


قبل أن يبدأ صاحبنا فى مهامه الصباحية ، فإذا بالعم عبد الرحيم يخبره بأن السيد المدير يطلبه ، خير اللهم إجعله خير ، ماذا يريد منى هذا الكائن المتورِّم - عامل دقنو كدا زى تُرتار الويكة - أصبحنا بى سيد الصباح . يترك دفتر الأحوال من يده ويخطو نحو مكتب الكائن المتورِّم فى الطابق العلوى . صباح الخير سعادتك ، صباح النور ، أقعد .


غاب فى مكتب المدير فترة ليست بالقصيرة و لكنه و لله الحمد خرج على ساقيه الإثنتين و هو يحمل خطابا حكوميا فى يده و على وجه تبدو الفصول الأربعة فى إختلاج عظيم ، (العم عبد الرحيم) سائق السيد المدير يعاود غسل السيارة النظيفة أصلا ، و (محمد وردى) مجدداً من راديو السيارة يردد : "أصبح الصبحو و ها نحنو مع النور إلتقينا " ، نظر إلى الخطاب الحكومى الذى بين يديه و قرأ على نفسه التاريخ الأول من يناير لااااب لااااب لااااب ، إستدعاء أداء الخدمة الوطنية الإلزامية ، ردد فى سره و هو يغادر : " وردى دا ما عندو موضوع وللا شنو ؟"

" هوى إنتا نسيت مواعيدنا مع ناس محاسن ، اليلة راس السنة يا فردة " ؟ جاءه صوت (الرووم ميد) الوهم خافتاً ثم بدأ يعلو و يعلو ، صحا من النوم ليجد نفسه لا زال فى السرير و(محمد وردى) لا زال فى غيِّه القديم : "أصبح الصبحو و ها نحنو مع النور إلتقينا ، مع النور إلتقينا ".





إنتهى
[/align]










[align=center].............[/align]



التوقيع: [moveo=left]A PERSON WITH ONE DREAM IS MORE POWERFUL THAN OTHERS WITH ALL FACTS[/moveo]
الوليد عمر غير متصل   رد مع اقتباس