السيد المستشار مصطفى عثمان انا مخطيء في حقك.
الاخ مصطفى عثمان لقد اخطأت في حقك, فلقد نسيت انني ابن الشحادين. وشحادين بي شهادة. يوسف بدري اورد في كتابه قدر جيل انهم طلبوا منه ان يتعاون مع شخص معين بخصوص احد مشاريع التعليم الاهلي, فقال لهم فلان ده شحاد وانا شحاد وشحاد ما بريد شحاد. والاثنان كانا يبحثا عن دعم. هذا للاحفاد والثاني لمشروعه. وهذا يؤكد كرم الشعب السوداني. فهذا شعب كريم.. واصيل.
بابكر بدري طاف كل السودان وشحد وتذلل وتقبل الاساءة والاحراج والاستخفاف. والتجريح الاتهام بانه لص وتقبل كل هذا لانه شحاد محترف. واحد الذين تبرعوا ليوسف بدري في الستينات قال له ابوك زمان لمن جانا قبل اكتر من ثلاثين سنة كان بخت لبدة الحمار فوق راسو عشان إضارا من الشمس. فكما ترى يا سيدي المستشار انا ابن شحادين. وليس لي اي حق في ان اتزمر او اصفك بانك قليل ادب او لست بصادق.
بابكر بدري شحد من كل السودان ما خلى ركن ما وصلو. جمع سبع عشرة الف جنيه سوداني يعني خمسين الف دولار. وبعد داك مشى شحد المعارف وما وقف الشحدة لحدي ما ادوه عشرين الف جنيه. ثم اتى باخيه خضر بدري المهندس المعماري وقام ببناء الاحفاد في العرضة. وخضر بدري كان يشحد الله. لكي يزيد اجره. فقام ببناء الاحفاد متطوعا. كما بنى جامع السيد عبد الرحمن في ود نوباوي وكثير من الجوامع وبيوت اهل امدرمان. بس شاحد الله.
خضر بدري هو الذي اشترك في بناء كبري امدرمان الاول في العشرينات وبنى بخت الرضا وكلية الزراعة وكان مدرسا في تلك الكلية. وما لا يحصى من المنشئآت. وشارك في بناء مطار هيثرو- لندن سنة 1946. الاخ الاصغر لبابكر بدري عبدالكريم بدري. شارك في شحدة تصريح من السلطات وصدقوا للاحفاد بقطع اخشاب في النيل الازرق وبيعها في امدرمان. ولان والدته بت شيقوق من الدندر فلقد ذهب لخيلانه وعاد مبحرا مع الاخشاب. فوالده محمد بدري منذ ايام التركية كان يأتي بالاخشاب من النيل الازرق.
الطوف الذي كان يحضر الخشب كان يتكون عادة من عشرين من الرجال وتخصص في هذه المهنة الرباطاب. وبعد قضاء شهور في قطع وتجهيز الطوف وربطه في قاعدة من المروق ويليها الرصاص ثم خشب الحريق. يصل الطوف سالما. ولكن عدد الرجال كان ينقص كل الوقت لان العملية شاقة وخطرة. فبضعضهم تلهمهم التماسيح وبعضهم يسحقهم الطوف عندما يصطدم بالقيف.
قمر الدين ابو حواء الذي كان يسكن في فريق ريد, ذكر لي انه في شبابه. ذهب لعبد الكريم بدري طالبا اعطائه حصة من الخشب. وعندما لم يجد طلبه. ثار وازبد. الا ان العم عبدالكريم بدري افهمه ان الخشب ليس ملكه ولكن ملك الاحفاد. وطيب خاطر قمر الدين واعطاه حصة وطالبه بضمانة. وان يدفع الثمن للاحفاد.
اخي مصطفى اهلي الشحادين بفلوس الشحدة والمرمطة والاساءة بنو صرح الاحفاد. واصر بابكر بدري على تسجيل مدارس الاحفاد بإسم الشعب السوداني. وهي مسجلة بإسم الشعب السوداني وهنالك مجلس امناء هو الذي يحدد سياسة الاحفاد , مصاريفها, ميزانيتها ...الخ.
قديما كان المربي الاستاذ النصري حمزة هو المسؤول عن ميزانية الاحفاد. ولولاه لما وجدت جامعة الاحفاد. والآن يقوم ابنه بهذا العمل النبيل. في سنة 1962. ارسل العميد يوسف بدري رسالة شحدة الى النصري حمزة حملها الفراش التجاني. والشحدة كانت 16 جنيه لإقامة حفل عشاء لإبن فورد الامريكي والذي كان يتبرع للاحفاد. فطوح الاستاذ النصري حمزة بالطلب في الارض وهو يقف في البرندة العالية بالقرب من البوابة الشرقية. وقال ( اكل وعشا وكلام فاضي ادفع من ماهيتو). يوسف بدري رحمة الله عليه لم يكن عنده حساب في اي بنك الى ان مات. وفي شحاد عندو حساب في بنك. زوجته رحمة الله عليها السارة موسى خالد كانت تقف في الصف وتستلم مرتبه. ويوسف بدري الى ان مات لم يبني حتى مزيرة. ولكن الحق يقال ليس هنالك من فاق يوسف بدري في الشحدة فقد قضى ستين عاما في الشحدة. كما كان شحادا عالميا.
احد الناس قال لي. (مالو ود عمك البروفسور قاسم بدري ده, سايق عربيتو براهو ولبسو عادي.؟ ) فقلت له لانو ماعندو فلوس. والرد كان كيف ما عندو فلوس وعندو جامعة قدر الضربة. ولاعندهم كليات صغير ساكنين في قصور. والخواجات بدفعو ليهو قروش تقيلة. فشرحت له ان قاسم لا يمتلك اي شيء سوى مرتبه. وان البيشحدو ده والبجيهو من الخواجات ماشي للاحفاد.
قبل بضعة سنوات اتت شقيقتي لمياء ابراهيم بدري وزوجها اشرف محمد بدري وابنتهم وابنهم لزيارتنا في السويد. وعرفت منها ان مرتبها ستمائة الف جنيه ومرتب اشرف تسعمائة الف جنيه. وعندهم خادمة للمساعدة في المنزل لان عملهم في الاحفاد يجعلهم يحضرون متاخرين في المساء. الخدامة ماكلة وشاربة وساكنة وبتاخد ثلاثمائة الف. يعين اكتر من المحاضرة. وكل ما يأخذون من الاحفاد هو وجع الرأس ومسكن صغير. وعندما استقالت لمياء لان بعض المنظمات العالمية يمكن ان تدفع لها كم الف دولار. نظر قاسم لخطاب الاستقالة بإستغراب وارجعه لها. لانها كانت تريد ان تطلع من زمرة الشحادين.
عزيزي مصطفى هذه الاشياء اللتي اوردها لك ليست بمعجزات. لقد كان اغلب الشعب السوداني يتصرف احسن من هذا. السودانيون عندما كانوا يشحدون كانوا يشحدون لغيرهم . ويفضلون الآخرين على انفسهم. ويدعمون اطفال الآخرين قبل اطفالهم. ويكرمون الجار قبل انفسهم. كنا يا مصطفى عزيزيين ..عزيزيين وما في زول بقدر يهيننا .
هل تعرف ان السودان ابدا ما كان مستعمرة بريطانية. والحكومة البريطانية لم تتبع السودان بوزارة المستعمرات. بل كان السودان ملحق بوزارة الخارجية البريطانية. وكانوا لا يوظفون في السودان من خدم في الهند. وكانوا يوظفون الاوكسبريدج وتعني خريجي اوكسفورد وكامبريدح وكانوا يطالبونهم باحترام السودانيين والا ستكون هنالك مشكلة.
لم يكن هنالك في السودان اكثر من سبعمائة الى ثمانمائة موظف بريطاني. والسودانيون كانوا يديرون السودان بكفاءة. قديما لم يكن المجتمع يسمح بالشحده والتسول. بل كان يحاربهم. هل تصدق يا سيدي المستشار ان السودانيين كانوا يوظفون ذوي العاهات. وكان العميان يعملون وتوفر لهم الدولة مواصلات. واكبرمكان عمل للعميان كان المخازن والمهمات. كانوا يحسبون الكراسات والكتب واقلام الرصاص والطباشير ويعبونها في صناديق ويقومون بعملية التستيف. والتعبئة. ماذا عملت حكومة الجبهة للمعوقين والعميان؟. تذكر انني في موضوع سابق قلت لك ان اهلك كانوا يحاسبونك قبل الآخرين.الطبيب الاخصائي ابراهيم عبدالكريم بدري يسكن في العباسية تحت وليس بعيدا من حي الهاشماب. قام بكساء ركائز بابه بحجر منقوش فأتى والده الذي رباه المهندس خضر بدري. الذي ذهب واحضر المنظار وبعد دراسة وتمحيص قال لابراهيم غاضبا يا ابراهيم انت شلت بوصة ونص من الشارع. فقال ابراهيم في ناس شالوا مترين من الشارع عملوا نجيلة ومظلات . فقال الوالد خضر بدري رحمة الله عليه ما مهم البوصة ونص دي ما حقتك لو بقت ملمتر واحد معناها انت سرقت وشلت حاجة ما حقتك. والآن اذا ذهب الى منزل الدكتور ابراهيم بدري لن تجد الحجر المنقوش كاسيا البوابة. لانو ده حرام وعيب. وانتو يا ناس الانقاذ وانت سيد العارفين ما عندكم قشة مرة.
قبل فترة كان ابراهيم مديرا لمستشفى ابن سيناء. وبعد شهر سلموه 17 مليون لصرفها على المستشفى الدخل كان 117 مليون . وبالسؤال عرف ان اخت الشهيد هي اللتي تتصرف في المئة مليون الاخرى وليس هنالك من يقدر ان يحتج. وبالسؤال اذا كان هنالك تخصص جديد في الطب اسمه اخت الشهيد. غضب البعض وذهبت اخت الشهيد وآخرون لوزير الصحة وكان وقتها ابو القاسم محمد ابراهيم زاعمين ان المدير الجديد جاي ياكل المستشفى. الا ان الوزير افهمهم بانه يعرف دكتور ابراهيم منذ ميلاده. وان ابراهيم يعمل بدون مرتب. وكان الاحتجاج ( ده راجل بتاع مشاكل) .
السنة الماضية وانا في طريقي الى ستوكهولم توقفت عند ابراهيم بدري وزوجته رحاب وهي طبيبة تحمل درجة دكتوراه في مدينة لينشوبينق الجامعية. وبالسؤال اذا كانوا قد اشتروا المنزل الصغير الذي يسكنون فيه, كان الرد بالنفي. فإستغربت لانه قد مضى عليهم فترة طويلة في السويد. وحملة الدكتوراة في الطب لهم مرتبات سخية. الا ان الدولة تاخذ اكثر من نصفها للضرائب والجميع يبتاعون منازل فاخرة بالاقساط حتى لا تذهب المرتبات للضرائب. ورد ابراهيم كان( ده بدخلنا في شبة الديون الربوية والموضوع ده, انا كان قبلتو رحاب ما بتقبلو). هذا هو الإسلام الحقيقي وليس المظهري.
من الاشياء اللتي سمعتها من دكتور ابراهيم ممكن يا مصطفى تسأل منها. ففي هوس سياستكم للتمكين ظهر ريجسترار في مستشفى العظام واخاف الناس. ولم يعرف اي انسان من اين اتى. ثم تزوج بطبيبة. وهي اللتي بلغت عنه بعد زمن بأنه ليس بطبيب. وبما ان زمن الانقاذ هو زمن المعجزات فيمكن لاي سمكري ان يصير طيارا.
الحادثة الوحيدة اللتي اذكرها وقد ذكرتها في حكاوي امدرمان هو ان الدكتور اسماعيل نابري الذي كان له عيادة شرق نادي الخريجين تتوسطها نخلة طويلة, لاحظ في ايام الاستعمار ان طبيبا بريطانيا. ضعيف في اداءه. والطبيب قد عمل في عدة مستعمرات وكان عامل شخصية في امدرمان. فوواجهه الدكتور نابري وحاصره وهدده حتى انهار الانجليزي ووضح انه فقط ممرض شاطر وانه قد استغل شهادات شقيقه الذي مات في الحرب . فيا مصطفى في زمن الانجليز الانجليزي ما قدر العب علي السودانيين. وما في زول كان بخاف. في زمن الانقاذ زول عنقالي يعمل ريجسترار ومش هاوس مان ولا طبيب عمومي ومافي ود مقنعة يقدر يقول ليهو تلت التلاتة كم. اخير نكون شحادين وللا نكون جبناء. همكم الاول كان اخافة واذلال الشعب السوداني . ده يا مصطفى شعب ما في زيو .. شعب اصيل.
وانحنا صغار يا مصطفى كنا بنسمع بقصص البطولات والابطال وبنحاول نبقى زيهم . انا كنت بسمع قصة جركويك. طبعا انت يا مصطفى ما سمعت بيهو. جركويك يا مصطفى دخل الكوكاب في صدر المفتش الانجليزي وطلعو من ضهرو انتقاما لشرف اخته. فعندما اتت الى الباخرة طالبة للعلاج بسبب جرح اقلعت بها الباخرة لانها كانت جميلة. ولم يستطع الانجليز القضاء على النوير . واخيرا اتى الانجليز بالطائرات وقتلوا الابقار لان هزيمة النوير كانت مستحيلة. فلم يرضى جركويك بمعاناة اهله. فأتى جركويك ماشيا وعبر السوباط وسلم نفسه ومشى هازئا الى المشنقة في ملكال. والكبار كانوا يحكون لنا عن شجاعة جركويك. وعندما سألوه عن رغبته الاخيرة قال انه يتمنى ان كان له ابن حتى يكبر ويحارب الانجليز. ان لجركويك يا مصطفى ملايين الابناء في السودان. وانت او غيرك لن يجعلوا مننا شحادين او جبناء. انحنا يا مصطفى سودانيين. تعرف ..... سودانيين.
التحية ...
شوقي....
|