منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > نــــــوافــــــــــــــذ > الســــــرد والحكــايـــــة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-11-2010, 05:53 PM   #[1]
معاوية محمد الحسن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معاوية محمد الحسن
 
افتراضي كحفيف أجنحة ملائكية ..

كانوا جميعهم يرقبون ذاك الجهد الخارق الذي ظل يبذله الصياد العجوز في نسج شبكة الصيد الهائلة , النهر و الشجر , الطيور و ضفة النهر و ذاك الصبي ذو الأعوام الست .
يبدو الشجر علي تربة الشاطئ كمن ينتظر مسافرا علي الرصيف بينما يبدو النهر و هو يجتاز تلا صخريا صغيرا و كأنه قد ضجر من رهق المسير صوب الشمال البعيد و كان خاطر الصبي يزدحم بأسئلة رهيبة
- أبي قل لي
- ماذا يا ولد ؟
- كيف مات رفيقك البارحة ؟
- قضي في النهر
ثم بعد برهة
- هذا كل ما في الأمر .. كل مافي الأمر
كان الصياد العجوز ما يزال يمارس عمله في تؤدة و حماس بالغين .بينما الصبي يغرس عيناه في رمل الشاطئ , يحفر عميقا ليخرج محارا و أصدافا يكومها جانبا ليمسح بعدها العرق عن جبينه الصغير ثم يعود ليغرس أنامله الصغيرة تارة أخري في الرمل منقبا عن مزيد من أصداف الرخويات و تلك الكائنات الغريبة التي يلفظها النهر في الشاطئ ثم يواصل مسيره نحو الشمال و كأنه قد برم بها و ما عاد يحتملها أو يطيقها .
كانت السفينة النيلية تمخر النهر في تلك الأيام و هي محملة بمسافرين كثر , يضج بهم المرفأ الصغير فيتوافدون علي المكان فيحدثون هرجا كبيرا , تبدو وجوههم إذ يهبطون متعبة بادئ الأمر لكنها جميلة و وادعة و تنضح بالألق , يأكلون و يشربون , يقطعون الوقت بالثرثرة و مسامرة الصياد العجوز و هو يحدثهم عن الطقس و مغامراته في النهر أوان الفيضان , حين يزمعون المغادرة و تنطلق صافرة الباخرة استعدادا للرحيل . كانوا دوما يعبرون عن حبهم له بان يلقوا له بقطع نقود معدنية .. بقايا طعام .. سجائر ثم يمتطون النهر و هم يلوحون تلويحة الوداع و كان الصبي دائما يمضي الوقت و هو منهمك في التطلع لوجوه هؤلاء الغرباء الذين يجيئون علي ظهر النهر من أمكنة بعيدة و نائية و يجمع مخلفاتهم بعد أن يرحلون , يظفر في أحايين كثيرة علي أعواد ثقاب , صحف يومية , مناديل ورقية و قارورات مياه غازية فارغة في الغالب .
يبدأ الأن يعمل بينما أبوه يعالج خيوط الشبكة و يترنم بأرجوزة قديمة كانت ذائعة الصيت علي طول تلك القرى المتناثرة علي ضفاف النهر , تغوص أنامله الصغيرة في الرمل فيعثر علي خاتم , يصرخ في فرح طفولي :
- خاتم سليمان . أنظر يا أبي !
- كلا يا بني هذا خاتم احد العرسان التهمه النهر منذ زمان بعيد .
- أتعرفه يا أبي ؟
أومأ بالإيجاب و هو يواصل عمله .
- هل يلتهم النهر أناسا كثيرين ؟
- في الغالب .
- هل النهر سيئا إلي هذا الحد ؟
- لست متأكدا لكن نوعا ما و .....
- والغرقى إلي أين يذهبون ؟ إلي قاع النهر أم إلي جوف التماسيح .
كانت الشمس قد بدأت تميل برأسها ناحية المرفأ النهري أكثر بينما هبت رياح باردة بعض الشيء , زعزعت ثبات جسد العجوز قليلا فجعلته يتأرجح يمنة و يسرة و هو جالس القرفصاء لكن الريح هدأت و خيم سكون قاتل علي الشجر و النبات حينها كان الصبي ما يزال يبحلق في مياه النهر و هو يحاول سبر غور تلك الحكايات اللعينة عن ضحايا النهر
- يقولون ثمة ملكة للجان تتلقف هؤلاء الغرقى قبل أن ينحدروا إلي القاع !
في الليلة السابقة كان الصياد العجوز مع ثلة أصدقائه يتقاسمون عبء البحث عن فرائس السمك , هناك في أقصي الشمال حيث يبدو النهر متعرجا أكثر و تياره أشد حده قبل أن يصعد التل الصخري الصغير لاهث الأنفاس و متهدج الخلجات , يجدفون و هم يصدعون بالأغنيات الركيكة أحيانا في وجه الليل و الأشياء , لا تعوزهم نشوة الحياة ولا دفء الانتصار حين يغنمون , يدخنون و يثرثرون و هم يحلمون بدفء صدور زوجاتهم عند أخر الليل و أول الصباح .
حينما عاد الرجال في ذاك الفجر , كانوا يبكون احدهم بحرقة و كانت بيوتات القرية و كأنها قد خرجت للوجود لتوها من رحم كون غابر متناهي في اللازمان , بدت البيوت المبنية من الطين و الطوب الأخضر مع أشعة أول الصباح كما تبدو كل يوم لكنها ماجت كلها بالبكاء و النواح و العويل أول ما دخل الرجال شوارع البلدة و هم يحملون الجثمان , اصطفوا جميعهم علي جنبات الطريق و الحزن يقرع ناقوسه العنيف , كانت النسوة يهلن التراب علي رؤوسهن و العذاري قلوبهن تكاد تنفطر بينما كان الصبي ينغمس وسط المشيعين و هو يتعلق بجلباب أبيه الصياد العجوز و يلح في السؤال :
- أبي كيف مات هذا الرجل ؟ هل التهمه النهر أم التقطته ملكة الجان ؟ كيف عثرتم علي جثته ؟
ترتطم الكلمات الصغيرة بحائط الكلام الكبير فترتد صدي للحيرة لا أكثر و كأنما السؤال مشنقة البداية و النهاية بينما قبضة يداه الصغيرتان لا تزالان متشبثتان بالجلباب أكثر
- أوسعوا القبر قليلا يا رجال .
نزل ثلاثة منهم و بدءوا يعملون همتهم كلها في جوف ارض صخرية يتطاير منها الشرر حينما تلامسها المعاول , عملوا مقدار ما يتسع لهم الجهد و الإيمان و العزيمة ثم انزلوه للقبر .
كان الصياد العجوز قد حكي بعد ذلك لأولئك المسافرين الذين يضج بهم المرفأ من حين لأخر الحكاية و كانت دوما تلهب خيالهم و حزنهم فيسردونها لآخرين بدورهم و هكذا حتى أطلقوها علي امتدادات النهر فتلقفتها قري و نجوع بائسة صغيرة علي الضفاف .
قال لهم العجوز أن الرجل الغريق كان قد أختفي من علي سطح المركب فجاءه حينما كانوا ينشدون احدي الأغنيات بعد أن غنموا صيدا وفيرا و كان هو ينشد معهم و يترنم حتى بلوغهم ذاك التل الصخري الصغير, هناك حيث يحيك النهر دائما مؤامراته الكبرى , أنسرب فجاءه مع تيار النهر, شفيفا كان حين غادر , لم يلحظوا صوت ارتطام الجسد بالمياه لكنهم سمعوا صوتا كأنه صوت الريح الخريفية الناعمة حين تداعب الأشجار قبل هطول المطر بعدها علت سحابة الحزن الداكنة و أخذ المركب يترنح أكثر أثر اشتداد رياح قاسية فلم يقدروا علي النزول للماء و البحث عنه لحظتها .
تلقفوا الجسد بعد هدوء العاصفة بوقت طويل , زعم الصياد العجوز أنهم حين عثروا علي الرجل كان مسجي بلا حراك و علي شفتيه بقايا تلك الأنشودة العذبة التي كان يترنم بها معهم كما زعم أيضا أن جسده كانت تفوح منه رائحة الأعشاب النيلية ممتزجة بروائح أخري كأنها المسك أو الكافور حتى أن احدهم بكي و صاح
- الرجل صالح مافي ذلك شك يا رجال .
يا لصوت الكائنات في ذاك الفجر يا أخوان !
كان ينساب كموسيقي لحن جنائزي صادر عن فرقة موسيقية كاملة أو كأنما هو صدي حفيف أجنحة ملائكية تضج في المسامع في خشوع و إيقاع مموسق , قد خبرنا الموتي جيدا و أحوال موتهم و شهدت جنازات كثر لكنني لم أر ميتا كهذا حتى انه كان يخيل إلي أن الشجر ينتحب و الطيور تبكي بينما السماء تغسل دمعها و يعم النهر ظلام كثيف !!
***
سيفرغ الصياد العجوز من عمله بعد قليل ثم يضع الشبكة الكبيرة جانبا ليرتمي علي الأرض من شدة الإعياء , بعدها من المؤكد أنه سينزل إلي النهر ليسبح , دائما يسبح بطريقة عجيبة مستلقيا علي ظهره علي الماء و وجهه في مقابل السماء , ستلمع عيناه مثل البرق و لن يهدأ حتى ينزلق إلي قاعه القصي ليأتي لصغيره بأصداف الرخويات و المحار و قطع النقود المعدنية و ربما لن يعثر علي الكثير منها هذه المرة إذ يبدو أن المسافرين ما عادوا يحملون معهم نقودا كثيرة كما في السابق تنزلق منهم الي قاع النهر .
يغطس و هو يطفو بينما الصبي يقهقه و هو يلتقط الأصداف التي يقذف بها العجوز . تتلاحق أنفاسه , تبدو أمارات التعب و الإرهاق بادية علي وجهه و سيل الأسئلة لا يكاد ينقطع
- أبي كيف مات رفيقك الأثير ؟
-مثلما مات كثيرون غرقا
يذكره في أيام الفيضانات الرهيبة حين تدوي صرخات النسوة و الأطفال علي الشاطئ الأخر طلبا للنجدة فيقطع النهر من الجلدة للجلدة , كان فارع الطول و قوي العضلات و يمنح ذراعيه للآخرين هكذا بلا مقابل و يذكر تلك الابتسامة الغامضة التي علت شفتيه أوان الموت و إنشاده الأغنيات حين يخرجون في رحلات الصيد .
- أبي هل يحبه كل هؤلاء الذين مشوا في جنازته ؟
- للغاية يا بني .
- و هو من كان يحب ؟
الأن سيحاول العجوز الاقتراب من الشاطئ أكثر و هو يطفو فوق سطح الماء بعد أن خمد الحماس في قلبه شيئا ما و بردت حرارة ساعديه لكنما عيناه ستظهرن و هما مصوبتان ناحية الشاطئ
- أبي من كان الغريق يحب من بين الأشياء جميعها ؟
- يا بني الغريق دائما مولع بحب النهر لا سواه .
ستمضي لحظات رهيبة قبل أن يلحظ الصبي ان حشرجات صوت أبيه العجوز و هو في لجة الماء قد أخذت تخمد شيئا فشيئا و هو يحاول الاقتراب من الضفة لكنما تيار النهر الجارف سيصده عن ذلك و سيعمل ساقيه و ساعديه في مقاومة التيار دونما جدوى و بعدها و حينما تفتر همته سوف يترك جسده للتيار يحمله أني شاء حتى يغوص في القاع عميقا عميقا قبل أن يطفو جثة هامدة لا حراك فيها و حينما ينظرون في وجهه سوف يرون تلك الابتسامة العجيبة و قد علت وجهه و بقايا أنشودة عذبة معلقة علي فمه حينها لن يهدأ روع الصبي و كائنات النهر و شبكة الصيد الكبيرة التي كان قد فرغ من نسجها لتوه قبل أن ينزل إلي الماء و ستظل أيضا الأسئلة الكبيرة محلقة في الفراغ العريض و ستثور رياح عاتية هكذا فجاءه بينما يعزف الماء موسيقاه الجنائزية الحزينة و سوف يتناقل مسافرون جدد عبر النهر قصة رجل غريق أخر يزودون بها قري و نجوع قصية علي الضفاف و سينهض صبية آخرون في وجوه إبائهم متسائلين في براءة
- أبي كيف مات رفيقك ليلة البارحة؟
- قضي في النهر .. هذا كل ما في الأمر
- و الغريق من يحب من بين الكائنات جميعا ؟
- يا بني الغريق دوما مولع بحب النهر !
سيرحلون واحدا أثر أخر كما يرحل صدي حفيف أجنحة ملائكية قبل أن يتمكنوا من إرواء ظمأ الأطفال للمعرفة .




أعلى النموذج



أسفل النموذج



معاوية محمد الحسن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 27-11-2010, 09:01 PM   #[2]
سمراء
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية سمراء
 
افتراضي

دوما ما اقتفى اثارك يامعاوية ...
فهى تعنى عندى حصاد الجمال .



التوقيع:
غيرنا التوقيع عشان النور قال طويل 
اها كدة كيف ؟
<img src=images/smilies/biggrin.gif border=0 alt= title=Big Grin class=inlineimg />
سمراء غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 03-12-2010, 08:11 PM   #[3]
معاوية محمد الحسن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معاوية محمد الحسن
 
افتراضي

لا ادري كيف اشكرك ايتها السمراء
لك التحيات الزاكيات كما تشتهين



معاوية محمد الحسن غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 02:22 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.