إلهام جبارة .... مهداة الى حرائر البورد
هذه الكلمة المعبرة كتبتها السيدة / ليلى علمي بدوي، زوجة صديقنا الأستاذ/ سيف الدين عيسى مختار، أمين عام المنتدى الثقافي السوداني بجدة. والسيدة ليلى مغربية الجنسية من أهل فاس.
أنا لا أعرف إلهام جبارة ولم أرها، لكني بعد قراءة هذه الكلمة الرصينة العميقة، عرفت الهام جبارة جيدا ورأيتها رأي العين – رحمها الله
إلهام جبارة
منذ أن أنشأ المولى ادريس الثاني فاس في القرن الثاني الهجري ظلت أسرتي تقيم في هذه المدينة العبقة الأنفاس. كنا نقيم أولا في المدينة القديمة بالقرب من جامع مولاي ادريس الأزهر، ثم أنتقلنا الى حي ظهر المهراس شرقي مدينة فاس. وفي هذا الحي توجد كليات جامعة فاس. وقد ظهر المهراس في الأصل ثكنة عسكرية للجيش الفرنسي ابان الحماية الفرنسية للمغرب، وهذا ما يفسر وجوده على هضبة عالية تطل على منطقة فاس سايس حيث مزارع الفول والقمح وغابات الزيتون ومطار المدينة الدولي. وغير بعيد منه تظهر مدينة صفرو شاهدة على تاريخ الصراع ما بين الخوارج الصفروية و الأدارسة (أخذت منها مدينة صفرو هذا الاسم من الخوارج الصفروية) . يتخلل تلك الهضاب الخضراء نهر سبو (ثاني أكبر أنهار المغرب بعد نهر أم الربيع) الذي يداعب فاس في خدها الأيمن بتحيته العطرة وأنسامه الزكية ثم يستأنف مسيرته الطويلة الى مصبه في مدينة القنيطرة على المحيط الأطلسي. في هذا الحي العريق وفي العام 1979م كان مقدرا لنا نحن سكان هذا الحي أن نشاهد أول تواجد للفتيات السودانيات في فاس، بثيابهن المحتشمة وحضورهن المميز. قبل هذا التواجد السوداني في التاريخ المذكور أو قبيله بسنوات معدودات كانت جامعتي فاس والقرويين تضمان العديد من الجنسيات الأفريقية والعربية المختلفة، لكن هذا التواجد المتقوقع لبعض الجنسيات والمنفتح لجنسيات أخرى كان يعتبر جزرا غريبة وسط الخضم المغربي، بينما كان التواجد السوداني له نكهة خاصة مميزة. لم يكن منغلقا الا بقدر ما تقتضيه العادات والتقاليد السودانية الأصيلة، كما لم يكن منفتحا على اطلاقه، كانت الشخصية السودانية يكل ذلك الأرث العربي الأفريقي هي الطاغية في هذا التواجد، وهذا ما كان يفتقد في الجنسيات الأخرى.
في الفوج الأول من الطالبات السودانيات كانت هنالك الهام جبارة.
الهام كانت من ذلك النوع الذي تحس بفرحة عارمة حين تقابله، حتى وان تم اللقاء بعد غيبة ساعات قليلة. كانت عبارات المفاجأة باللقاء هي أول احساس ينتابك وأنت تتلقى تحيتها الصادقة فيسري ذلك في نفسك سريان النسيم في اليوم المطير، وحين يعجبها أمر ما كانت تضحك حتى تدمع عيناها، فلقد كانت الدمعة سريعة الى محاجرها. حين تفرح تبكي! وحين تصافحك بعد غيبة تبكي! تلك كانت شخصيتها المفعمة بالحب والحنان مثل أشعة الشمس الصباحية . لا تحل في أي موقع الا وتشع فيها الضياء الباهر والدفء. قبل أن أقرأ نعيها بأيام معدودات قلت لزوجي :
كم أشتاق الى الهام جبارة والى حديثها العذب. قال : لست أدري أين هي الهام الآن؟
كانت الهام جبارة أول من تعرفت عليها من السودانيات بفاس، صورتها ما زالت مرسومة في خيالي بابتسامتها التي لم تكن تفارق محياها، وكلماتها المفعمة بالحيوية والأمل. كانت فتاة جادة لا تعرف اليأس، تجسد السودان بحق في كل تصرفاتها العفوية وتعاملها الراقي مع الناس .
لقد قدر لي أن أرتبط بهذا السودان، الذي كنت أقرأ عنه في كتب الجغرافيا والتاريخ وأرسم لنفسي صورة خيالية عن النيل والصحراء بكل ما يمثلان من أصالة وطهر ونقاء. وحين تعرفت على السودان عن قرب وجدت أن تلك الصورة لم تكن بعيدة عن الحقيقة، فقد كان السودان المتجسد في الهام جبارة وصويحباتها هو ذلك الكرم الفطري الفياض، والصدق في التعامل، الأريحية ، الطيبة ، وفوق ذلك الأنفة والعزة بالنفس.
كانت معلوماتي عن السودان ضعيفة، فالمناهج الدراسية في معظم الدول العربية لا تركز على التعريف بالدول العربية، فالكثير من الطلبة الجامعيين – غير المتخصصين في التاريخ والجغرافيا – لا يعلمون ما اذا كان النيل يصب في مصر أم في الأردن! وما كنا نعرف عن هذا البلد سوى أنه عضو في الجامعة العربية وأن عاصمته الخرطوم وأن النيل يجري في أراضيه، ذلك كل ما في الأمر.
في غرفة الهام بالحي الجامعي بفاس عرفت السودان. ذقت الكمونية لأول مرة (نحن في المغرب نسميها باسمها الحقيقي "الكرشة" أو الدوارة. أعجبني هذا الاسم السوداني المشتق من الكمون باعتباره أهم بهار يمنح الكمونية وأم فتفت ذلك الطعم المميز وبذا فانه جدير بأن يمنح اسمه لتلك الأكلة الشهية. كانت الهام تكثر من جلسات الشاي المقنن، وفي غرفتها العامرة بالحي الجامعي أدركت ذلك التكافل الحقيقي الذي يسود أفراد المجتمع السوداني. كانت كل زائرة لها تدخل بنفسها وتأخذ طلبها من قدر الكمونية العامر دونما شعور بالحرج. بعد ذلك بسنوات علمت أن ذلك هو ديدن السودانيين جميعا. فالصورة ذاتها التي شاهدتها في غرفة الهام كانت تتكرر في منزل الحاجة ثريا محمد اسماعيل في الزورات كل يوم . لكم عظيم هذا المجتمع الذي يجسد المثال القائل بأن المسلمين يتقاسمون التمرة.
لقد أعجبني في السودان ذلك الاحترام الذي تجده المرأة في المجتمع والذي تشارك فيه بكل ما تستطيع طبيعتها الانثوية أن تقدمه. ففي الحياة الزوجية يعيش الزوجان في حالة سمو روحي تعجز الكلمات عن وصفه، وحين يئوب الزوج من سفر لا يستعجل السلام على رفيقة دربه بل يعيشان فرحة اللقاء في كل تحية يستقبلان بها المهنئين، وفي كل دعوة يتلقيانها منهم، وفي كل كأس عصير تقدم للمهنئين بسلامة الوصول وكل ابتسامة رضى بالهدايا. وقد أعجبتني تلك العناقريب التي تشكل أهم مقومات الأثاث المنزلي في السودان، وتجدها في كل مكان، في الغرف والصوالين والبرندات والحيشان. وكنت في بادئ الأمر أعتقد أنها دليل على الكسل الذي يلصق جزافا بالسودانيين، فكنت أقول هؤلاء يقدسون العناقريب ويعتنون بها لحبهم للنوم، لكنني عندما رأيتهم في السودان كيف أن جنوبهم تقض عن المضاجع منذ صياح الديكة وحتى أوان تهجع الوطاويط أدركت أن تلك الأسرة دليل كرم وحسن ضيافة.
في أول زيارة لغرفة الهام بفاس أهدتني البومين غنائيين، الأول لمحمد الأمين والثاني لأبوعركي البخيت. كنت وقتها تواقة للتعرف على هذا المجتمع السوداني الذي سأصبح جزءا منه، وجاءت كلمات أغنيات الفنانين فألا حسنا لي (نشيل أملنا.. نقابل أهلنا .. يقولوا أهلا .. خلاص قبلنا .. يتم منانا .. يفرح أملنا) ثم (وعدي من ذاتي ومن ارادتي ومن ضميري ... ما في زول أجبرني ما شاورت غيرة.. دي البريدة وهي حتقاسم مصيري) .. كانت الهام كأنها قد وعت ذلك الصراع العنيف الذي كان يشتعل أواره في دواخلي فأرادت أن تبعث شيئا من الطمأنينة في الى نفسي القلقة.
آخر مرة شاهدت فيها الهام كانت في العام 1983م (وكانت وقتها قد أكملت دراستها كلية العلوم السياسية بجامعة فاس. قبل أن تغادر، زارتنا مودعة، وهي تمسح دمعتها. قالت : ( عزائي أنني سأشاهدك في السودان، فقد أصبحت واحدة منا). يا كم أراحتني تلك العبارة فقد كنت الوحيدة من بين من ودعتهن لها صلة بالسودان، لكن الحقيقة أن بعد المسافة لم يكن حائلا أبدا دون لقاء، كما أن قربها ليس بالضرورة يدنيه. غير أن ما أدركه جيدا أن المسافة بيننا كانت قريبة جدا، وان حضورها في دواخل كل من عرفها أقوى من كل عوامل النسيان. نراها متوهجة كما الشعاع، ندية كما الذكريات، مشرقة كما الأمل، حلوة كأيام فاس. اللهم أنت أخترتها الى جوارك ، فأكرم نزلها، وأدخلها فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء و ألهم ذويها الصبر والسلوان.
ليلى علمي بدوي [/size][/font][/color][/B]
|