الطيب محمد الطيب يكتب :ست النفر بت الخبير
[frame="7 80"]كما في الرجال نماذج من الظرفاء والنبهاء فإن بعض النساء كذلك عرفن بالظرف وحسن الدعابة.
وحيثما ذهبت في بقاع البلاد وجدت أمثال هؤلاء السيدات والنساء وأذكر أن في مدينة اتبرا برزت السيدة (اللسان) والدة لاعب الأمل الرياضي، وفي بورتسودان شيخة فاطمة وعاشت سيدة فاطمة طويلاً في سواكن معلمة، وفي الأبيض زهراء بت السنجك وفي مدني بعض النساء كالحرم بت مهدي وهنا في أم درمان عرف الناس جميعاً السيدة (حنينة) مفتش منازل وتدرجت في التمريض حتى بلغت درجة مفتش منازل في أم درمان وهي أول (بت) تركب العجلة بشلوخها العراض ولونها الأحمر وكل جيل الثلاثينات والأربعينات وحتى الخمسينات يعرفونها خاصة الفتيات اللائي يخافن من الطهارة. وحنينة متخصصة في هذه العملية الجراحية ولها صلة بالمجتمع في معظم المدن خاصة ود مدني والعمارة وشندي وشرق البلاد.
والوسط الاجتماعي يعرف هذه الست حنينة وفي أيامها الأخيرة كانت ترفض اسم حنينة فهي زينب عبد القادر ولا تقبل اسم حنينة لأسباب تعرفها هي وهي ترفض الماضي وركوب العجلة (البسكليت) يرحمها الله فهي تعرف كل شيء وكل شخص فيه لمعة ونخوة وكانت متخصصة في (الشرايف) آل الميرغني وبنات الإمام عبدالرحمن المهدي وغيرهن من الأسر الكبيرة، ذات الشأن. كل النساء في بلادنا يأتي ترتيبهن خلف المرأة الخلوق وهي السيدة ست النفر بت النور ود الخبير وكان لها لسان أمضى من السلاح.
استعنت في جمع المعلومات عن ست النفر من أحد أقربائها وهو الأستاذ الشيخ الحسين علي وهو ينتمي إلى أسرتها بالدم والحسب والنسب.
وكنت أعلم أنها أشهر امرأة في الثلاثينات والأربعينات وكانت حياتها عامرة بالبهجة واللسان الفصيح والنكتة الذكية وأصبح كلامها وقولها في الناس آية في البلاغة وصار كلامها نزهة المجالس والمنتديات ويتناقل الجمهور أحاديثها وطرفاتها.
يقول الشيخ حسين علي من أبناء الخندق: هي امرأة برزت، من شهيرات نساء أم درمان ومن أبرز معالم بقعة المهدي ولدت في أواسط القرن الميلاد بل في النصف الأول منه وتوفيت في أو قبل نهاية النصف الأول من القرن العشرين. والدها النور بك ود ابكر الخبير المتوفي في الأبيض 1853م وكان من أشهر التجار في الخندق وكانت الخندق وقتها من أكبر الموانئ النهرية في السودان والخرطوم، حيث امتلك والدها ساقية (الاسكلا) المشهورة وجزيرة أم بطيخ على المقرن ولا تزال سجلاتها باسمه حتى يومنا هذا ثم كانت له تجارة واسعة في الأبيض وكوبي أكبر مدن دارفور وقتها في التجارة وجدها لأبيها الخبير أبكر كان رسول السلطان محمد الفضل سلطان دارفور رسولاً إلى محمد علي باشا وخديوي مصر عندما هم بغزو دارفور والرسالة مشهورة ومحفوظة بالوثائق الأوربية وشقيقها ادريس ود النور سر تجار الخرطوم أواخر العهد التركي وتوفى أيام حصار الخرطوم وقد كان المهدي أوصى الثوار الأنصار بعدم قتل خمسة أشخاص منهم غردون وادريس شقيق ود النور الخبير وست النفر.
نشأتها
نشأت ست النفر وسط مجموعة من أهلها الخنادقة ويقول الأستاذ حسين علي أكثر من حدثني عنها قريبها الشيخ الشاذلي الشيخ الريح وكانت ذات نوادر وقدرة هائلة للتعبير والتصوير السريع المرتجل في المواقف والظروف الاجتماعية المختلفة حتى أن أقوالها مضت على ألسنة العامة أمثالاً وحكماً وسخرية وهجاء وتقريعات.
مثال قولها لأحد التجار وقد بدأ عمله جزاراً وقد تجاهلها ذات مرة فقالت له بعد بيع الكروش بقيت في عد القروش. ويحكي أنها قالت لامرأة في سوق أم درمان أبت أن تعاملها ولو بالنقد قالت المرأة أنا حالفة بي ابوي ما ابيع ليكي فردت عليها ست النفر حليل زمن ابوي أنا البجيب الدهب بالقلايب والرقيق بالزرايب - ابوك يبيع في دار الهبايب الشيح والحرجل الدايب، وغضبت ذات مرة من بعض أهل الطرق الصوفية قالت كل تليفة سويتوه خليفة. ونحن بصدد قولها في الجماعات الصوفية وكانت وقتها مخاصمة للسيد عبد الرحمن وذات مرة دعاها بعض الأنصار لزيارة ود المهدي فأكرمها وأهداها، فانقطعت من الآخرين فلما سألوها عن غيابها قالت أنا مشيت محل بدو القرش ويفرشوا البرش خليتكن انتو يا ناس كباية القرفة البعد العرفة. وذات مرة أرسلت أولاد أخوانها للحلاق فما اهتم بهم الحلاق وبعد أن ذهب نصف الليل وانقطع الترماي اتت دكان الحلاق وهي تتحدث بصوت عال فقال لها الحلاق بتدوري تعمل لي شنو؟ فردت عليه أنا جايا اغيرك واشرط جيرك، واكسر زيرك وامر قيرك، من قعاعيرك. فتدخل الزبائن وتنازلوا لأولادها من أدوارهم فقاموا جميعاً من الكراسي واجلسوا الصبيان في كراسي الحلاقة. وكان أحد اقربائها عاش حياة الفقر في دارفور وجاء عندها ليدرس الجامعة. فصار يلعب التنس ويسلم عليها في دخولها وساعة خروجه فحنقت عليه وقالت له يا ولدي نسيت أكل المرس ورقاد البرش بقت تتفنس وتلعب التنس؟!
واستحى من مقولاتها الكثيرة التي لا يرضها كثير من الناس الذين قالتها فيهم.
ووصل لسانها إلى مقامات هي محل احترام أغلب الناس هذا وست النفر بت النور بك ود الخبير لم تعش حياة زوجية مستقرة ولم تنجب ولداً ولا بنتاً وكان أغلب معارفها يخافون سلاطة لسانها الذي تطلقه في إنسان يمسها بعدم الاحترام وكان من أقربائها المرحوم بابكر النور الشهيد في عهد نميري وكرم الله ضابط السجون والعميد معاش بابكر حسن عبدالحفيظ الذي كتب عنها كتيباً ذكر فيه بعض مواقفها التي لا تخطر على بال، رحمها الله وأسعد كثيراً أن أعاود الكتابة عنها.
::: جميع الحقوق © 2006 محفوظة لصحيفة السودان الدولية والهوية الجامعة :::[/frame]
|