شكر للأستاذ/ شوقي بدري وكافة المعزين في رحيل " الشقليني "
(1)
عندما أشعر إبراهيم ود الفراش :
نَسِنْدَ الجَار مع الضيف البِجينا
نلاقي السيف مع الحَرْبة السَنِينة
مِخيرفَ النور بِعَرْفَ الشَكْرَة فِينا
لم نكُن نعلم أننا سنأتي من بعد مائة وخمسين عاماً من مقالة " ود الفراش " ، لنتعرف على أهل العزم والمكارم من جديد . أطل علينا كل الطيبين والمحبين بأوجههم وأصواتهم ورقيق معاشرهم عندنا وهم يقتسمون أحزاننا في رحيل الوالد الشيخ " محمد الشقليني " ، وتفرق الحُزن بين الجموع أيدي سبأ ، وجفت المدامع بعد أن اغتسلت العيون من ملحها ونضد الأستاذ / شوقي بدري قلمه الواجد بمحبة أم درمان،أرضها وتاريخها وتاريخ شعوبها وأعراقها وثقافاتها وفنونها ، حتى ثَمِلَ قلمه من تطريب الحُزن ، مُبيناً في سيرة والدنا له الرحمة تتنزل عليه بإذن مولاه لتظلله في النعيم الممدود والطلح المنضود .
(2)
نعرف أن الأستاذ " شوقي بدري" قد شق تضاريس الحياة بأظفاره ، له صداقات وعُشرة في أهل قاع المدينة مروراً بمتوسطي الحال إلى الميسورين ،إلى الأعراق التي شربت سُموم الحسرة وغسلت أيديها بوطن جديد من صُلب الوطن الواحد الذي تم اغتياله في وضوح الشموس التي تشرق كل يوم ، ونبت الوليد الجديد طفلاً ، صرخ صرخته الأولى و ذبحنا عند الرقاب .
(3)
كان " شوقي بدري " مثالاً للانسلاخ عن الطبقة لمصلحة الفقراء والانتماء للوطنية التي دعا لها والده " إبراهيم بدري " الذي كان من مؤسسي " جمعية الاتحاد السوداني " التي تكونت في 1920 مع رفاقه :" عبيد حاج الأمين " رئيس الجمعية ، والتي من أعضائها " توفيق صالح جبريل " و " محي الدين جمال أبو سيف " و " سليمان كِشة " ، وأول من انضموا لتلك الجمعية الوطنية الأولى " عبد الله خليل " و " محمد صالح الشنقيطي " و " خلف الله خالد " و " خليل فرح " و" بابكر قباني " و "علي عبد اللطيف " و " محمد صالح جبريل " و " صالح عبد القادر " ، قبل تكوين " جمعية اللواء الأبيض".
نجد في سيرة " شوقي بدري " ونهجه أثر البيئة و الأرض والتاريخ و البشر والحجر والنبات والسلالة ، وكذلك الجينات التي تسربت تبتني كهوفها في جدران الأوردة والشرايين ، وكان نصيب الأستاذ " شوقي " وقد قبض تراب الأرض وثقافتها ،ورافق سيرة الوطن يكتب السِّير الذاتية بشجاعة ليس له عندنا من نظير، يدون لحياة أبناء الأرض والوطن متقفياً أثر خُف والده " إبراهيم بدري " ، يضع الحافر مكان الحافر، ويغرز السهم مكان السهم .
أنعم بهم جميعاً وأكرِم .
(4)
كتب صديقنا الكاتب " أحمد أمين أحمد " معلقاُ على مقالة الأستاذ " شوقي بدري " في مدونة سودانيات :
(العم الشقليني .. بطل أمدرماني أكمل رسالته) :
" من مآثر الكاتب الشجاع "شوقي بدري" ودِقة ذاكرته وشدة حضورها أنه يحيل حتى المأتموالعزاء لواحةٍ من المعرفة والغوص في التأريخ الشخصي لمدينته العجيبة " أم درمان" ،رغم بعده عنها جغرافيا لكن أكثر عشاق المدن العريقة، كتبوا تأريخها الجمالي وهم بعيدين جغرافيا عنها كما هو الايرلندي " جيمس جويس" وغيره.. ،
لاحظوا قصر المدىالزمني بين ظهور مقال "شوقي بدري" عن الفقيد "الشقليني " وعالمه القديم ووقت رحيل"الشقليني " ، تجدونه لا يتعدى ساعات قليلة كانت كفيلة بشحذ وقدح ذاكرة شوقي بدري ليكتب جانبا من تاريخ مدينته عبر استحضار ماضي الرجل......"
(5)
بعض الوفاء منا والعرفان للأهل والأقرباء والأصدقاء والمعارف والجيران وكل الأمم والأقوام ، وقامات منظمات العمل المدني والشعبي و قامات العمل العام والخاص وعامة أبناء وبنات الشعب السوداني الذين انكبوا علينا انكباب النَّحل داخل بيوته العسلية، تُخفف علينا المصاب الفاجع بالحضور وبلغة الهواتف النقالة وبالرسائل وبالرسم في المدونات الإلكترونية وبالكتابة في الصحف السيارة . غسلوا كلهم مواجع نزفنا بالبَرَد ونقّوا نفوسنا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، وخير قبس نرُد به حقوق أصحاب الفضل ، هو قول أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي " المتنبي " :
أَقِلَّ سلامي حُبّ ما خَفّ عَنكُمُ .. وَأسْكُتُ كَيمَا لا يكونَ جَوَابُ
وَفي النّفسِ حاجاتٌ وَفيكَ فَطانةٌ .. سُكُوتي بَيَانٌ عِندهَا وَخِطَابُ
وَإنّ مَديحَ الناسِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ .. وَمَدْحُكَ حَقٌّ لَيسَ فيهِ كِذابُ
(6)
تقبلوا شكرنا جميعاً وشكر السفير "جمال محمد إبراهيم" ومولانا " أحمد محمد إبراهيم " والأستاذ " خالد محمد إبراهيم " و المهندس " نزار محمد إبراهيم " وبقية أخواتنا كريمات " الشقليني " وسلالتهم في الأسرة الممتدة وكافة الأهل والأصهار والعشيرة والجيران والأحباب داخل السودان وخارجه.ونتوجه بأجزل الشكر والتقدير لكل من غشتنا سحائب محبته بالمشاركة لنا بتخفيف أثر المصاب .
يقول الذكر الحكيم :
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }البقرة156
عبد الله الشقليني
30/8/ 2010