من وحي سد مروي...
نومة في ضل جبل البركل
بدت ظلال الليل في ارتباك وعجلة من أمرها !...
عكفت تلملم أطراف ثوبها المتشح بالسواد منحسرة عن المكان...
وهناااااك عند عند خط اقتران السماء بالصحراء بدا ضوء الفجر يتلمس طريقه في ثبات وتؤدة...
أتأدت خطواته في اتجاه (الجبل) وهو يجلي الظلمة بنوره ودفئه...
ورويدا رويدا بدت هامة جبل البركل تبين...
بدت وكأنها تغتسل في ضوء الفجر نافضة عنها غبار أزمنة وأمكنة عديدة...
بدا الجبل على غير عادته منطلق الأسارير يرنو بناظريه بعيييييدا الى ماوراء التاريخ...
وتمددت الأرض من تحته في ثوب أخضر قشيب ...
تتمطى في دعة وهي ترافق أمواه النيل على ضفته الشرقية...
النيل المنطلق في عنفوان الى الشمال ...
هو نيل يحمل في جوفه السمك وأصداء ثقافات قبائل الجنوب والشرق والوسط...
وفجأة...
يبدو من خلف الأفق غبارٌ كثييييف!...
دونه موكب مهيب يشق عنان السماء...
ليحط في جلال على هامة الجبل!...
ويترجل فارسان بلباس الملوك! ...
من بين يديهما الخدم والحشم...
فينصب لهما عرشان من خشب الأبنوس وكتل العاج وسبائك الذهب...
بدا في يد كل منهما منظار طويل يتطلع به الى جهة الجنوب...
فاذا بالأول يخاطب الثاني:
-أنظر يا طهرقا(ترهاقا) لقد شب أحفادنا عن الطوق وبدأوا في أكمال المسيرة...
فيجيب الآخر:
-صدقت يابعانخي فليباركهم الرب الواحد...
-أنه لسد عظيم هذا الذي يبنونه!...
ويعقب نفر من الحاشية:
(أنه ياأصحاب الجلالة خزان الحامداب ويسميه الناس بسد مروي)...
ينظر كل منهما الى الآخر في حبور ويتعانقان ...
وتقرع الطبول ...
ويردد الجبل صدى الموسيقى الملكية...
ويخرج أهل البركل وكريمة يستطلعون الخبر وأنظارهم معلقة بهامة الجبل...
ويتدافع الناس الى ساحة الجبل...
فيتقدم اليهم بعانخي ملوحا بيد وممسكا بيد ترهاقا باليد الأخرى ويبدأ في الحديث بصوت ملوكي وقور:
(ياأيها الناس ليبارككم الرب الواحد ...
أنكم بهذا الصرح العظيم ترتقون في ثبات على سلم التاريخ...
و(نحن) وترهاقا (لواثقون) بأن السودان سائر بجد على طريق المجد والسؤدد...
أنطلقوا ياأهل السودان مباركين من الرب الواحد)...
فيهتف الناس بصوت واحد ...لا أله الا الله ...الله أكبر...
ويتواصل الهتاف...لاأله الا الله محمد رسول الله...
فيسجد الملكان ثم يتوجهان الى الحشود ويهتفان مع الناس...لاأله الا الله محمد رسول الله...
ثم تختلط الحشود...
ويشتد الهتاف وقرع الطبول...
وفجأة...
أصحو على صوت أذان الفجر وهو يرفع من فوق مئذنة جامع البركل العتيق...
وأذا بجلبة في الخارج ...
فأسأل اخي الأصغر فيقول لي بأنها الآليات الثقيلة قد شرعت في رصف الطريق من كريمة الى مروي...
ما كان مني الاّ أن رفعتُ كفيَّ الى السماء قائلا:
(حمدا لك ربي ...فقد بدأت التنمية تغشى شمالنا الحبيب)...
عادل عسوم
|