عن تعذيب الأطفال : أم هي الحقارة يا أهل الإنقاذ
[align=right](1)
وإن يكن جرم أؤلئك الأطفال دخولهم العاصمة الوطنية أمدرمان في العاشر من مايو الماضي حسب ما تزعم الحكومة السودانية فلا مبرر أخلاقي يستند عليه المرء وهو يشاهد تلك الصور التي بثتها القنوات الفضائية نقلاً عن (اليوتيوب) .
أول ما يتبادر للزهن هو الأسف العميق لما وصل إليه حالنا السوداني ، أسف عميق لكل ما يربطك ببلاد بتلك المواصفات الشديدة القسوة ، مناظر الأطفال وهم مقيدي الأيدي يطلبون جرعة ماء فقط ليبلو به ريقهم العطشي وحولهم الجنود بكامل تهكمهم وإزدرائهم بالإنسان كقيمة قبل الإزدراء بأطفال بلادهم .
الشاهد أن مأساة أؤلئك الأطفال ستمر مرور الكرام في بلد أصبح فيه قيمة المواطن أرخص من (مريسة تامزين) وفي بلد لا يتورع سدنتها بإطلاق الرصاص علي كل من يقف في وجه ظلمهم وجورهم .
ألمني للغاية أن يكون بين ظهراني شعبنا إناس بتلك الوحشية آلمني كون انهم لم يسألوا أنفسهم وما ذنب أؤلئك الأطفال ؟ ولكم ساءني أن تتفرغ السلطة بكاملها لمواجهة أؤلئك القصر في معركة غير متكافئة لكل ذي بصيرة .
(2)
أغلقت جهاز التلفزيون وأنا مليئ بالغضب والأسف العميق جراء ما شاهدته من الهوان والمذلة التي يعانيها أبناء الشعب السوداني ، غصة في حلقي وعيناي ملأي بالدموع .
تري ما مصير أؤلئك الأطفال الآن ؟
وتري كم منهم فاضت روحه وهو بتلك الحالة الرثة ؟ ،
كم منهم مات وهو يحلم بجرعة ماء في بلد يذبحه النيل من الوريد إلي الوريد ؟
كم منهم مات يا تري وعيناه ملآي بالدموع ؟ ،
كم منهم مات وهو يتوسل سجانيه بعض رحمةٍ وشفقة ؟
تري كيف حال من بقي منهم علي قيد الحياة ؟
ما حدث لأؤلئك الأطفال في تقديري هو (الحقارة) بعينها والاستهزاء بكل القيم والموروثات التي كانت تميز شعب السودان دوناً عن سائر المخلوقات والكائنات . هو ببساطة محاولة جادة لوأد قيم وجماليات ظل شعبنا يحافظ عليها بالرغم من القهر والجوع والفاقة والمرض التي يعاني منها الناس . هي محاولة جادة لقتل الآمال والطموحات في عيون كل الذين ينشدون التغيير .
(3)
لم أتفاجأ علي الإطلاق بموقف الحكومة السودانية التي سارعت بالنفي لما نسب (لجنودها البواسل) الذين فعلو بأؤلئك الأطفال ما فعله وما لم يفعله نجار بالخشب . وهو موقف يتناغم تماماً مع كثير مواقف شبيهات كان دور الحكومة السودانية فيها كالعادة إتهام معارضيها ولكأنهم وراء كل الكوارث التي تعصف بالسودان وبشعبه .
ولشد ما أضحكني ما جاء علي لسان الحكومة السودانية في إحدي القنوات العربية بأن الذي تم هو جزء من الإستهداف الذي يوجه للسودان بدعم من قوي خارجية بعينها ، لا يسرها علي الإطلاق النهضة التي تشهدها بلادنا علي كافة المستويات (سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً بل ورياضياً حتي) وما بين الأقواس من عندي .
ما أضحكني للأمانة ليست الأنشودة التي أضحت مكررة (الإستهداف والعملاء والإمبريالية وقوي الشر والصهيونية وما إلي ذلك ) من تخريجات تخرج كل مساء نكبةٍ يواجهها الشعب السوداني بصبر أيوب .
المضحك هو قدرة الحكومة السودانية علي هكذا إستبسال وملاججة ، حيث أن الآلة الأجرامية التي ترتكب ما ترتكب ضد الأبرياء من جرائم لا تستطيع أن إنتاج سيناريو جديد يلائم وواقع المأساة .
فما الإشكال لو قالت السلطة ولو من قبيل (المجاملة السياسية ) لمواطني العالم والمهتمين بالإنسان وبالتالي للمراقبين لكل شاردة وواردة في سماء السودان أن : الحكومة ستجري تحقيقاً عادلاً فيما تم من تعذيب لأؤلئك الأطفال ونلتزم بتقديم كل من تثبت إدانته لمحاكمة عادلة .
والله ما فيه شئ لو قالو أعلاه ولو من باب المجاملة وإزالة الغبن الذي تعلق بقلوب كل من شاهد تلك الصور المسيئة للأخلاق ، تلك الصور التي ستظل عالقة بأذهان كل الذين شاهدوا المأساة .
يقتحم د/ خليل إبراهيم أمدرمان عنوةً كدة وإقتدار
ويلعلم الإعلام بأن الإمبريالية والصهيونية وغيرها من الـ(تكالات) التي تسند فيها الإنقاذ خيبتها كل مرة خلف الإقتحام ،، تنفجر طائرة تتبع للخطوط السودانية في مطار الخرطوم ,,, ويلعلع الإعلام ليجد مخرجاً للإهمال الذي راح ضحيته نفر كرام لطالما حلموا بالعودة لبلادهم ،، يخرج طلاب دارفور الأبرياء في تظاهرات وقودها هتاف الحناجر فيتم ضربهم ضرب غرائب الإبل بل يرمي بالبعض من النشطاء من طوابق الدخليات في مشهد لم يتوصل لبشاعته مؤلفي أفلام الآكشن . فيللع الإعلام بأن دوائر خارجية كانت وكانت وكانت .
(4)
لكن الإنقاذيين وكما عهدناهم سيواصلون في نهجهم وكأن لم يكن ، إذ إن ما توصلوا إليه من قناعات عبر تجربتهم السياسية هو رهانهم علي مبدأ البقاء للأقوي ، وهي عقلية قديمة وبائسة أثبتت فشلها علي مر التاريخ البشري فأين جلاوزة العالم وسافكي دماء شعوبهم ، ينسي الإنقاذيين إنهم لأسفي يجلسون علي صدر شعب معلم ، لديه من الإرادة ما لديه شعب لا ينسي علي الإطلاق ، شعب قدم أعظم تجربتين في الثورة علي الجلاديين والطغاة والذهاب بهم إلي حيث مزابل التاريخ ، فكيف نسي الإنقاذيين أكتوبر (الممهور بالدم صباح الخير) ؟ ثم كيف لهم أن ينسوا إبريل (الفصول القادمة) ؟
شعبنا معلم يا هؤلاء فلا تأخذكم العزة بالإثم ولا يبطركم سلطانكم الزائل لا محال ، فلمن دامت يا هؤلاء ؟ فأرجعوا لحكمة التاريخ إذ تقول أن البقاء لإرادة الشعوب ،
(5)
ثم :
سنري مقبل الأيام كثير جعجعة بلا طحين وكثير كلام (خارم بارم) من قياداتنا الوطنية من لدن حفيد المهدي إلي جانب قدس الله سره مولانا محمد عثمان الميرغني عن ضرورة التراضي وضرورة المصالحة وكلامات ما أنزل الله بها من معان لكنها علي كل حال ستقال ،
فالميرغني يحيك في مصالحة جديدة لم تتضح خيوطها بعد وإن إتفق الناس علي إنها لن تخرج علي الإطلاق من دائرة التقرب لملكوت السلطان (بالفي والمافي) . فهنيئاً لكم حرثكم ونضالكم الدؤوب وهو يأتي ثمرهـ ، وهنيناً لبلادنا بقياداتٍ لا هـْم لهم سوي الجعجعة ،
أما أهل السودان الفقراء الودعاء الطيبيين فالله حافظهم ، سيصبرون علي ما إبتلاهم به الله من إحن ومحن حتي بزوغ فجر جديد فجر لا مكان فيه لصانعي الأزمات ومنتجيها طوال تاريخنا الوطني ، فجر لا مكان فيه للمجرمين وسافكي الدماء فجر لا مكان فيه لقتلة الأطفال والشيوخ والأبرياء من النساء والرجال .
فجر سيسطره شعبنا وسيعبر لضفته بذات الإقتدار الذي عبر به من لجج نوفمبر لشواطئ أكتوبر ومن طوفان مايو لتباشير الخريف في أبريل . فجر سيأتي حاملاً آمال وطموحات الشرفاء من أبناء/ت وطننا ، فجر جديد يتنسم فيه شعبنا رياح التغيير والطمأنينة والأمن والسلام الذي لطالما إفتقده الناس .
والظلم ليلته قصيرة .
.............[/align]
|