منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-08-2014, 06:51 AM   #[1]
قرقاش
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية قرقاش
 
افتراضي لهذا سيكون الفشل حليفهم على الدوام..بابكر فيصل بابكر ...

بابكر فيصل بابكر ...هذا الرجل ينثر درر كل خميس على صفحات صحيفه السودانى ... وهذه اخر درره وهى قراءه رائعه الى الحد البعيد لواقعنا المازوم ...نعم قد تكون هى تحليل لحاله بعض الجهات السياسيه فى بلادى ..ولكن هذه الجهات فارضه نفسه بقوه ....(...) على ساحه البلاد ..ويرى الكثيرون انهم يقودوننا الى هاويه لايعلم الا الله مداها ..

يقول الاستاذ بابكر ....

لا شك أنَّ الجدل حول التغييرات التي شهدتها وما زالت تشهدها أرض الكنانة سيطول, وسيظلُّ الناسُ كذلك يختلفون حول توصيف طبيعة ما جرى في مصر, هل هو إنقلابٌ عسكريٌ ؟ أم ثورة شعبية إنحاز إليها الجيش ؟ أم هو حدثٌ مختلفٌ وجديد لا يُمكنُ إدراجهُ ضمن التعريفات الكلاسيكية لكلا المفهومين ؟

ودون الخوض في تفاصيل تلك الخلافات, سأحاولُ النظر في فشل تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين من الداخل, وأعني بالداخل طبيعة التنظيم و منظومة الأفكار التي تحكم الجماعة, إذ أنني أعتقد جازماً أنَّ أزمة الجماعة في جوهرها أزمة بنيوية تتولد عن التصورات والمفاهيم والعقائد (الآيديولوجيا) و ما تنتجهُ من تنظيم وممارسات لن تكون نتيجتها النهائية سوى الفشل بغض النظر عن نوع النظام الذي تعمل فيه- ديموقراطية أو شمولية.

لم أجد مدخلاً لتناول الموضوع أفضل من السؤال العبقري الذي جعلهُ الأديب الكبير الراحل "الطيب صالح" عنواناً لمقاله الأشهر الذي كتبه في نقد ممارسات نظام الإنقاذ الذي وقف على رأسه فرع الإخوان المسلمين بالسودان. طرح صاحب موسم الهجرة هذا السؤال البسيط والعميق : من أين جاء هؤلاء ؟

هو بالضرورة يعلمُ أنهم سودانيون , ولكنهُ شكك كثيراً في ممارساتهم التي لا تشبهُ أهل السودان, و من هنا تنبع العبقرية في السؤال, والتي تقودنا بدورها للجانب الأول وهو منظومة الأفكار التي يتغذى عليها كادر الأخوان المسلمين, وهى منظومة تنبني على الإستعلاء على كل مكونات المُجتمع, وفرض الأفكار بالقوة والعنف, وفي هذا الإطار يُمكن إعطاء بعض الأمثلة عن هذا النهج الذي يتحكم في عقلية الأخ المسلم.

في العدد الأول من مجلة "النذير" لسان حال الجماعة في مصر, تم نشر مقال للشيخ عبدالرحمن الساعاتي والد الشيخ حسن البنا يُخاطبُ فيه أعضاء الجماعة قائلاً : ( استعدوا يا جنود , وليأخذ كلٌ منكم أهبته و يعد سلاحه ولا يلتفت منكم أحد , وامضوا إلي حيث تؤمرون , خذوا هذه الأمة برفق وصفوا لها الدواء فكم علي ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل , فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد , وجرِّعوها الدواء بالقوة , وإن وجدتم في جسمها عضواً خبيثا فاقطعوه , أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه . فكثيرٌ من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقرٌ , وفي عيونهم عمىً ).

نحنُ هنا بإزاء فكر لا يحتملُ الإختلاف, ولا يرى في "الآخر" سوى عضو خبيث يتوجب "قطعهُ", و يدعو لفرض تصوراته "بالقوة", و لتوثيق الأمة "بالقيود" وإثقال ظهرها "بالحديد" إن هى اعترضت عليه. وهذا النوع من الكلام لا يخرج إلا من أناس ظنوا أنهم إمتلكوا الحقيقة المطلقة. وهذا هو أسُّ الأزمة وأساسها.

أمَّا الشيخ حسن البنا فيبرِّر إستخدام العنف قائلاً ( وما كانت القوة إلا كالدواء المُرِّ الذى تحملُ عليه الإنسانية العابثة المُتهالكة حملاً ليرُدَّ جماحها ويكسر جبروتها وطغيانها، وهكذا نظرية السيف فى الإسلام، فلم يكن السيف فى يد المسلم إلا كالمشرط فى يد الجراح لحسم الداء الإجتماعى ).

والعنفُ لا يُمارسُ فقط مع الآخرين, ولكن تتمُّ ممارستهُ كذلك مع الأعضاء الذين يختلفون مع الجماعة, فعندما دبَّ الخلاف في شعبة الإسماعيلية وحاول البعض التمرُّد على البنا, وأبلغوا النيابة العامة ضًّدهُ في مخالفات مالية، كان ردُّ فعله عنيفاً، حيث جمع عدداً من أتباعه واعتدوا على المخالفين بالضرب, ويعترف البنا بذلك ويبرره قائلاً : ( المخالفين قد تلبسهم الشيطان وزيَّن لهم ذلك، وأنَّ من يشقُّ عصا الجمع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان). !!!

ويتأسف البنا على رفض البعض لضرب المخالفين وردعهم قائلاً ( إننا قد تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة التي يسترونها بألفاظ الديموقراطية والحرية الشخصية ).

هذه الممارسة العنيفة التي مارسها الشيخ البنا وأتباعهُ ضدَّ المخالفين في مصر مطلع القرن الماضي يتردَّدُ صداها في السودان في بدايات القرن الحادي والعشرين عندما قام خمسة من طلاب جامعة القرآن الكريم ينتمون لحزب المؤتمر الوطني بقتل زميلهم في الحزب داخل الحرم الجامعي, و قال أحد شهود الدفاع عن المتهمين في المحكمة :

( إنَّ هنالك لائحة في قانون الحزب تُجيزُ ضرب الطلاب إذا انشقوا عن الحزب، وأنَّ القتيل كان يعلمُ ذلك عندما حضر لمجلس المُحاسبة داخل مكاتب الإتحاد، وأنه حضر طوعاً. وأكد الشاهد أنه شخصياً تعرض للضرب ). إنتهى

العنفُ إذاً يمثل عند الجماعة ممارسة منهجيَّة مقبولة - ومثبتة في لوائح العمل الداخلية - ضد المُختلفين في الرأي, حتى وإن كانوا أعضاء في التنظيم, و الذي يُبرِّر هذا السُّلوك هو كما ذكرنا الإعتقاد المُطلق في إمتلاك الحق, والإدانة المطلقة للآخر المُختلف بإعتباره تجسيداً للخطيئة المطلقة.

الإعتقاد المطلق بمعرفة الحقيقة عبَّر عنه الأديب الراحل في مقاله بالقول : ( السًّادة الجُدد لا يسمعون ولا يفهمون . يظنّون أنّهم وجدوا مفاتيح المستقبل . يعرفون الحلول . موقنون من كل شئ ).

العنفُ المتأصلُ في أفكار ومنهج الإخوان المسلمين يتعارضُ مبدئياً مع الممارسة الديموقراطيِّة, و حتى في ظل النظام الشمولي الذي تقوم فيه الجماعة بالسيطرة على السُّلطة عبر الإنقلاب العسكري وتقصي الآخرين منذ البداية, فهى لا تلبثُ أن تمارسُ العنف والإقصاء مع نفسها, والتجربة السودانية تشهد بذلك حينما دبَّ الخلاف بين أعضاء الجماعة في عام 1999, لأنَّ العنف لا يتوقف عند حد معين.

هذا ما كان من أمر الجانب الأول من أزمة الإخوان المسلمين الداخلية, وهو جانب الإقصاء النابع من التأصيل الفكري الذي ينبني على مظنة إمتلاك الحقيقة المُطلقة. أمَّا الجانب الآخر من الأزمة فيتمثل في طبيعة التنظيم.

كادر الإخوان المسلمين يتمُّ إلتقاطهُ لصفوف الجماعة في مرحلة مبكرة من مراحل حياته, يتم إحتواءهُ بصورة كاملة, حيث يتحول التنظيم بالنسبة له إلى "أسرة بديلة" عن أسرتهِ الطبيعية, أسرة تختارُ له رفقتهُ وصداقاتهُ وطرائق تعامله, و تحدِّد مسار حياته, وتتكفل بحل مشاكله وإتخاذ كافة القرارات المصيرية المتعلقة به.

يتولى التنظيم رعاية العضو في مختلف مراحل التعليم, و يوجه إختياراته الأكاديمية, ويُوفر له الوظيفة ومصدر الدخل, ويُزوِّجهُ من إحدى الأخوات بالجماعة. وفوق هذا وذاك يقع العضو فريسة لما يُعرف في علم النفس "بالحرمان الحسي", حيث يتم عزلهُ عن كل ما يحيط به ويصبح التنظيم هو المصدر الوحيد الذي يتلقى عنه كل شىء وهكذا تتمُّ السيطرة على الكادر, مما يجعلهُ "مُستغنياً" عن كل ما هو خارج إطار الجماعة.

وبالتالي فإنَّ الأفكار تزرعُ في عقل الكادر مفهوم إمتلاك الحقيقة الذي يجعلهُ "يستعلي" على الآخر, والتنظيم يُسيطرُ عليه فيجعله "يستغني" عن كل شىء, وهكذا يجتمع الثنائي الفتاك : الإستعلاء والإستغناء ليجعلا الفشل مصيراً محتوماً للجماعة عندما تستولي على السُّلطة.

في رسالة التعاليم التي يُحدِّد فيها الشيخ البنا واجبات "الأخ المجاهد" يأمرهُ في الواجب رقم 25 بأن ( تقاطع المحاكم والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة ). ثم يأمرهُ في الواجب رقم 37 بأن ( تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الإتصال بها في مصلحة فكرتك) .

هذه الواجبات تحكم طوق العزلة التي يضربها التنظيم على العضو, فهو مأمورٌ بأن يقاطع كل شىء لا يدور في فلك فكرته , ولا يتصل بكل ما هو خارج جماعته, ولذلك فهو ينقطعُ عن المُجتمع ولا يتداخلُ معهُ إلا في حدود خدمة أجندة التنظيم, وهو ما سيؤدي في النهاية إلى فشل الجماعة في الحكم, سواء وصلت إليه بالديموقراطية أو الإنقلاب العسكري.

فهم سيحكمون مُجتمعاً لا يعرفونه, ولا يتفاعلون معهُ, ولا يدركون طبيعة مشاكله, لأنهم ببساطة شديدة لم يعيشوا فيه, وقد إتضح ذلك جلياً خلال سنوات حكمهم الطويلة للسودان, و كذلك خلال السنة الوحيدة التي حكموا فيها مصر, حيث دخلوا في حرب شاملة ضد كل أطياف المجتمع المصري, ومؤسساته وقواه السياسية, ولم ينجحوا في مد جسور التواصل مع أية قوى خارج إطار الفلك الذي يدورون فيه.

التصورات والعقائد التي ترسخها الأفكار لا تعزل التنظيم وأفراده عن المجتمع فحسب, بل تزرع شكوكاً وهواجس دائمة تجاه كل ما خارج الجماعة, وهو ما يُسمى في علم النفس ب "متلازمة ماسادا" والتي تُعرَّف بأنها "حالة أعضاء جماعة بشرية لديهم إعتقاد مركزى بأنَّ بقية العالم خصومٌ يضمرون لهم نوايا سلبية", وخطورة هذه الحالة تتمثل فيما يترتب عليها من فقدان كامل للثقة في "الآخر" وبالتالي فإنَّ صاحبها – شخصاً كان أم جماعة – غير مؤهل للتواصل إلا مع ذاته وهو ما يؤدي للفشل الحتمي في إدارة المجتمع والدولة.

نواصل ......



التوقيع: انته رايك شنو ...؟؟ قرقاش

(وما من كاتبٍ إلا سيفنى/ ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه / ولا تكتب بكفّك غير شيء / يسرُّك في القيامةِ أن تراه).
قرقاش غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-08-2014, 06:54 AM   #[2]
قرقاش
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية قرقاش
 
افتراضي الجزء الثانى ..من المقال

قلت في الجزء الأول من هذا المقال إنَّ فشل جماعة الإخوان المسلمين في الحكم يرجعُ في الأساس لأسباب بنيوية مرتبطة بنوع الأفكار والعقائد وكذلك بطبيعة التنظيم, والتي تعمل على خلق جماعة تتميَّز بما إصطلحتُ له "الإستعلاء والإستغناء", حيث تفقد صلتها بالمُجتمع وتنكفىء على نفسها بحسبان إمتلاكها للحقيقة المطلقة.

وأواصل في هذا المقال إبراز ملامح نهج الإستغناء و ما يؤدي إليه بالضرورة من إخفاق عند تسلم السلطة.

يُمكننا التوقف للإجابة على سؤال الأديب الراحل : من أين جاء هؤلاء ؟ ونجيبهُ قائلين : جاءوا من رحم الإستعلاء والإستغناء, ولذلك إستبانت غربتهم عن المجتمع وتقاليده وأعرافه, لا يعرفون شيئاً خارج إطار التنظيم, ولا يفقهون شيئاً إسمه "الإختلاف" والتنوع, حيث تربوا على نهج "الطاعة" المطلقة الذي يُعاقب كل مختلف بعنفٍ رادع, ولا يسمحُ "بتعدد" الآراء والأفكار, ويتحكم في شئون الكادر الشخصية.

قال القيادي المُنشق عن الجماعة في مصر "سامح عيد" أنهُ سأل قيادة التنظيم عن حدود "السمع والطاعة", فقالوا له : طاعة فى غير معصية، فسألهم : هل صحيح أن العضو لكى يسافر أو يفتتح مشروعاً أو يتزوج لابُدَّ له من الإستئذان ؟ فكانت إجابتهم : طبعاً.

شباب الإخوان – بحسب عيد - تُدرَّس لهم سورة البروج التى ترسِّخ لقيم السمع والطاعة المطلقة دون نقاش للمسئول التربوى، وتزرع فيهم القيم من شاكلة " كن فى يد أخيك كالميت فى يد المغسل", لضمان استمرار العضو داخل التنظيم.

الجماعة تمضي في سبيل السيطرة على العضو لدرجة أنها تختارُ له ملابسهُ التي يرتديها, فها هو القيادي بفرع الجماعة بالسودان, أمين حسن عمر, يصف نوع الزي الذي يجب أن يرتديه كادر الإخوان بالجامعة :

- (الزي الرسمي بالنسبة لهم عدم إتباع الموضات، لابد أن تكون في البنطلون طيه، وإذا لم توجد يكون هذا خروجاً عن المألوف والألوان المشجرة غير مقبولة وكذلك الصارخة، فالقميص لابد أن يكون أبيض أو بيج أو أزرق فاتح، والقميص لابد أن يكون كم طويل وبأزرار، ويجب عدم طي أطرافه والحذاء عادي ويغلق بسحَّاب من الجانب.. وكل الموضات في اللبس مستنكرة عند الاتجاه الإسلامي). إنتهى

الشواهد على نهج الإستعلاء و الإستغناء كثيرة, وقد يبدو بعضها غيرُ لافتٍ للنظر ولكنه دال بصورة كبيرة, لماذا لا نجد بروزاً لكوادر الجماعة في الأنشطة المرتبطة بالإبداع الإنساني, والمُعبِّرة عن التواصل مع المجتمع ؟ أين الروائيون والتشكيليون والممثلون الذين أنجبهم التنظيم ؟ أين الفنانون الموهوبون والرياضيون ؟

الحُرية شرطٌ ضروري للإبداع الإنساني, فكيف إذاً يستطيعُ الإبداع من لا يملكُ حتى حُريَّة إختيار ملابسه ؟

سيقول قائل: ولكن بينهم الطبيب والمحامي والمهندس, وسنردُّ عليه قائلين : هذه المهن والوظائف يتم توجيهها واختيارها من قبل الجماعة و هى مُسَّخرة بالكامل لخدمة أهداف التنظيم وليست بالضرورة مدعاة للتواصل مع المجتمع.

وعندما طرح الطيب صالح في مقاله المذكور السؤال التالي : ( أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد ، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي واحمد المصطفى ؟ أما قرأوا شعر العباسي والمجذوب ؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسُّوا الأشواق القديمة ).

فقد كان يعي أنَّ أجناس الأدب والفنون المختلفة من مثل المدائح والغناء والشعر هى التي تشكل الوجدان السليم للفرد الذي ينتمي إنتماءً حقيقياً للمُجتمع, فعندما تستمع للعميد وهو يتغنى ب ( نحنا في السودان نهوى أوطانا, وإن رحلنا بعيد نطرى خلانا, نطرى جلساتنا في ضفاف النيل, والسواقي تدور في سكون الليل ) يشكل ذلك جزءً من تصوراتك ومفهومك للوطن, ولكن هل سمع أحدٌ بمطربٍ ينتمي للجماعة ؟

الأعضاء محكومون بمنهج صارم يكبت الرغبات والميول الإنسانية الطبيعية, و يقتل المواهب, ويحصر الطاقات والجهود في كل ما من شأنه تأكيد نهج الإستعلاء والإستغناء فقط, حتى القرآن الكريم يقرأونهُ وفق تصورات يقينية بأنهم فئة مختلفة عن بقية فئات المجتمع, فتجدهم يركزون بصفة خاصة على سورة الكهف, بإعتبار أنهم هُم الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى.

لا يتوقف نهج الإستغناء عند حد عزل الكادر عن المُجتمع, بل يمضي أكثر من ذلك لينفي "الوطن" نفسهُ, فالعضو يتربى على مقولات سيِّد قطب التي تنكر "الوطنية" ولا تعترف بأية رابطة سوى رابطة الإسلام, وهو القائل : ( لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هى إلا أصنامٌ تعبدُ من دون الله).

وكان الطيب صالح قد طرح في مقاله سابق الذكر التساؤل التالي عن حكام السودان الإنقاذيين : ( ألا يُحبُّون الوطن كما نُحبُّه ؟ إذاً لماذا يحبُّونهُ وكأنَّهم يكرهونهُ ويعملون على إعمارهِ وكأنّهم مُسخّرون لخرابهِ ؟ ).

إنَّ الإجابة على سؤال الأديب الراحل تكمنُ في كلمات سيد قطب التي شكلت عقول أعضاء التنظيم ورؤاهم, وقد عبَّر مرشد الجماعة السابق في مصر, محمد مهدي عاكف, عن تلك العقلية عندما قال عن بلده الذي ولد وتربي وعاش فيه : ( طز في مصر) في معرض حديثه عن رابطة العقيدة وعلوها على كل شىء سواها.

ربما يقول قائل إنَّ نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي في تركيا يدحضُ فرضية هذا المقال التي تقوم على أنَّ الجماعة – وهى أم حركات الإسلام السياسي الحديثة - تحمل بذور فشلها بداخلها.

وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف لتوضيح خطأ شائع بين الناس مفادهُ أنَّ حزب العدالة والتنمية صاحب توجه إسلامي شبيه بالإخوان المسلمين, والصحيح أنَّ الحزب الأقرب للإخوان هو حزب "السعادة" الذي كان يرأسهُ الراحل نجم الدين أربكان, ولهذا الموضوع خلفية لا بُدَّ من ذكرها لأنَّ من شأنها إيجاد مخرج للإخوان من مأزقهم التاريخي.

أربكان هو الأب الرُّوحي للحركة الإسلامية في تركيا, وهو مؤسس حزب الرفاه وأستاذ رجب أردوغان, وقد نجح في قيادة حزبه للوصول للسُّلطة ولكن تجربته في الحكم فشلت بعد سنة و نصف بسبب إرتكابه لنفس الخطأ الذي وقع فيه الإخوان المسلمين بمصر, حيث دخل في مواجهة شاملة مع الجيش, و التيارات القومية, والعلمانية, والقضاء,حتي إنقلب عليه الجيش في عام 1997 وتم حل حزبه.

قام أربكان بعد ذلك بتأسيس حزب الفضيلة الذي إنقسم فيما بعد لحزبين هما السعادة, والعدالة والتنمية, حيث بقى أربكان على رأس الحزب الأول بينما قاد تلاميذه وعلى رأسهم أردوغان و عبد الله غول الحزب الثاني.

إستفاد أردوغان ورفاقه من تجربة حزبي الرفاه والفضيلة بحيث لم يدخلوا في أية مواجهات وصدامات مع مؤسسات الدولة والقوى الإجتماعية والسياسية, وإلتزموا إلتزاماً صارماً بأسس وقواعد النظام الجمهوري, والدستور العلماني, وركزوا كل جهودهم في تطوير الإقتصاد وترسيخ النظام المدني والحُريات بعيداً عن النفوذ الكبير للجيش.

لم يتحدثوا عن خلافة إسلامية أو دولة رساليَّة , ولم يُنادوا بتطبيق الحدود الشرعية ولا بإلغاء الفوائد البنكية, بل إنَّ أردوغان رفض في أحد المرَّات المشاركة في منتدي البرلمانيين الإسلاميين – وهو أحد أذرع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين - وقال : لسنا إسلاميين.

وكان الأديب الرَّاحل قد تساءل في مقاله الأشهر عن الأحلام غير الواقعية لأهل الإنقاذ أوَّل عهدهم بالحكم قائلاً ( أما زالوا يحلمون أن يُقيموا على جثّة السودان المسكين خلافة إسلامية سودانية يُبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب ؟ ).

وعندما زار أردوغان مصر بعد نجاح ثورة يناير 2011 دافع عن الدولة العلمانيَّة ونصح الذين يُعدِّون الدستور المصري بالحرص على "ضمان وقوف الدولة على مسافةٍ متساويةٍ من جميع الأديان", وقال إنَّ " الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين، و أنَّ العلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين" بل تتعايش معهُ.
لا شىء إذاً في التجربة التركية يشبهُ ما رأيناهُ من تجارب حُكم جماعة الإخوان المسلمين سواءٌ في السودان أو مصر, ولكن فيها ما يمثل مخرجاً لهذه الجماعة إن هى أرادت أن تحفظ لها مكاناً في مستقبل المنطقة.

لا بُدَّ أن تحدث ثورة داخلية تهز كيان الجماعة, ثورة في الأفكار وفي التنظيم, الأولى تتحرَّر من نهج العنف والإستعلاء, والثانية تكسرُ حاجز العُزلة والإستغناء, وهذه الثورةُ لا ينتظرُ أن تقوم بها القيادات العليا لأنها هى صاحبة البضاعة الفكرية والتنظيمية التي أدَّت للفشل التاريخي للجماعة.

عبء الثورة يقعُ على عاتق الجيل الجديد من شباب الجماعة الذي يحملُ قدراً من الإنفتاح على العالم بسبب ثورة الإتصالات والتقنية, والمتأثر بزخم ثورات الربيع العربي وشعاراتها التوَّاقة للحُرية والعدالة, فضلاً عن مُعطيات العصر الحديث بما تشملهُ من مفاهيم حول التنوع و الدولة الوطنية والحقوق.

إذا لم يقع هذا التغيير الجذري في الفكر والتنظيم, وظلت الجماعة أسيرة لنهج الإستعلاء والإستغناء فسيكون الفشل حليفها كلما وصلت إلى سُدَّة الحكم سواءٌ كان ذلك عن طريق صندوق الإقتراع أو عبر فوهة البندقيَّة.



التعديل الأخير تم بواسطة قرقاش ; 09-08-2014 الساعة 06:56 AM.
التوقيع: انته رايك شنو ...؟؟ قرقاش

(وما من كاتبٍ إلا سيفنى/ ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه / ولا تكتب بكفّك غير شيء / يسرُّك في القيامةِ أن تراه).
قرقاش غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 04:54 AM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.