على بريد سودانيات: قتلى «الإنقاذ» - طلحة جبريل
أرقام ضحايا الحروب والنزاعات والسياسة في السودان.. عداد لا يتوقف
في غمرة أنباء متضاربة وقتها بين «الانسحاب أو عدم الانسحاب» من بلدة «هجليج» في منطقة جنوب كردفان السودانية، استطاع المصور دومنيك نهير من مجلة «تايم» الأميركية أن يلتقط صورة تبين تخريبا طال إحدى آبار النفط.
من خلال الصورة بدا واضحا البترول الذي انسكب من أنابيب صدئة. إلى جانب البئر النفطية تمددت جثة ملطخة بالزيوت. اللقطة نفسها بثت كشريط فيديو. كان ثمة تعليق يقول «لم تبق في المنطقة سوى بضعة طيور جارحة وبعض كلاب ضالة تنبح في أرض يباب مليئة بالخوف ومزقتها الحرب».
كانت مسألة رصد تداعيات الحرب بين الجيش السوداني وجيش جنوب السودان يركز على «الخراب النفطي» لكن لا أحد اكترث لموضوع «قتلى» هذه الحرب. حتى تعليق صورة دومنيك نهير التي استعملت على نطاق واسع، لم يتطرق قط إلى جثة الشخص المرمية فوق بركة صغيرة من الزيت، ويتضح من حذائه أنه جندي، لكن مع أي «جيش» و«من هو» و«كيف قتل»؟ لا جواب، بل لم يكن هناك أصلا اهتمام بهذا الشخص.
صورة «هجليج» هذه ليست سوى «لقطة صغيرة» من صورة قاتمة لقائمة «قتلى كثيرين» تصل بهم التقديرات إلى مئات الألوف بل إلى ملايين، لقوا حتفهم خلال «حروب الإنقاذ» (نظام ثورة الإنقاذ في السودان) وهو النظام الذي استولى على السلطة في 30 يونيو (حزيران) من عام 1989، عبر انقلاب لم يكن عسكريا تماما، بل شارك فيه عدد كبير من المدنيين من أعضاء «الجبهة القومية الإسلامية»، مع عسكريين ينتمون إلى السلاح الطبي وبعضهم حتى من سلاح الموسيقى، وهو في هذه لا يشبه الانقلابات العسكرية، التي أدمنها ضباط الجيش السوداني.
ولعل من المفارقات أن الرئيس عمر حسن البشير (العميد آنذاك) قال في بيانه الأول في 30 يونيو إن «العبث السياسي أفشل الحرية والديمقراطية وأضاع الوحدة الوطنية بإثارته النعرات العنصرية والقبلية في حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان علاوة على ما يجري في الجنوب». من هذه العبارة التي جاءت في «البيان الأول» يتبين أن الوضع الجديد جاء ليضع حدا «للاقتتال والقتل». لكن الأمور سارت عكس التمنيات. فدخل في سلسلة حروب داخلية.. توجت بأن صار الرئيس مطلوبا للعدالة الدولية بتهم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.
كان «القتل» في الجنوب، ثم جاء «القتل» في الشرق عندما حملت بعض فصائل المعارضة السلاح، وقبله كان «القتل» في دارفور.. ثم الآن «القتل» في جنوب النيل الأزرق، وفي جنوب كردفان، لا تكاد منطقة من سودان الإنقاذ تخلو من قتل وتشريد. بيد أن بداية قتلى «الإنقاذ» جاءت من الخرطوم نفسها. وفي هذا السياق اكتسبت خمس عمليات «قتل» في العاصمة زخما كبيرا جعلها حاضرة باستمرار في الذاكرة السودانية.
الواقعة الأولى هي إعدام رجل الأعمال مجدي محجوب محمد أحمد، الذي يتحدر من أسرة ميسورة، وكان والده من كبار رجال الأعمال، وعمه السفير جمال محمد أحمد وزير الخارجية الأسبق. اعتقل مجدي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، في إطار حملة ضد «الاتجار بالعملات» في السوق السوداء، والمفارقة أن المبلغ الذي اعتقل بسببه مجدي، طبقا لإفادة أدلى بها صلاح كرار «عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ» كانت في حدود عشرة آلاف دولار. من أجل هذا المبلغ مثل مجدي محجوب أمام «محكمة عسكرية» وأصدرت ضده حكما بالإعدام «شنقا حتى الموت». وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت لإنقاذه من الموت، بما في ذلك تدخل والدة الرئيس السوداني عمر البشير لدى ابنها، بعد أن استنجدت بها والدة مجدي، فإن الحكم نفذ في ديسمبر (كانون الأول) عام 1989، أي بعد شهور من الانقلاب.
في شأن الواقعة يقول صلاح كرار «طبقا لما يتوفر لدي من معلومات أعتقد أن إعدام مجدي كان خطأ من أخطاء الإنقاذ» وأشار إلى أنه ليست له مسؤولية حول ما حدث على الرغم من أنه كان وقتها رئيس اللجنة الاقتصادية، وقال في هذا الصدد «عندما أعدم مجدي لم أكن موجودا في السودان». كانت الرسالة من وراء «قتل» رجل الأعمال مجدي محجوب، موجهة إلى «رجال الأعمال» لفتح الطريق أمام تجار آخرين لهم ارتباطات بالنظام.
الواقعة الثانية كانت أيضا تتعلق بمسألة «الاتجار في العملات» والمتهم هذه المرة مساعد طيار في الخطوط الجوية السودانية يدعى جرجس القس بسطس وهو قبطي سوداني، اعتقل عام 1991 وبحوزته عملات بالدولار والريال السعودي والجنيه المصري. تعرض جرجس إلى إهانات بالغة وتعذيب قاس خلال فترة اعتقاله، كما تعرض لضغوط نفسية رهيبة، حيث كان يستدعى عدة مرات على أساس أن ينفذ فيه حكم الإعدام لكنه يعاد إلى زنزانته. إلى أن أعدم في فبراير (شباط) 1990، ومما قاله صلاح كرار حول هذه القضية أيضا، «يقينا أن مجدي وجرجس لم يكونا من تجار العملة.. نحن كنا نعرف جيدا من هم تجار العملة». وكانت الرسالة واضحة وصريحة موجهة لجميع الأقباط السودانيين: ارحلوا.
الواقعة الثالثة تمثلت في «قتل» الطبيب علي فضل، الذي توفي نتيجة التعذيب في أبريل (نيسان) 1990. بعد اعتقال دام 23 يوما بسبب إضراب للأطباء لعب فيه الدكتور علي فضل، دورا بارزا. وأفاد التقرير الطبي أن فضل توفي نتيجة نزيف في الرأس وارتجاج في المخ بسبب ارتطام بجسم صلب (تعذيب بالضرب بآلة حادة). مع وجود جرح غائر ومتعفن في الرأس وكدمات في الوجه مع آثار حروق بأعقاب سجائر. أما الرواية الحكومية فتقول إن علي فضل توفي بسبب حمى الملاريا. الرسالة هذه المرة كانت للنقابات.
الواقعة الرابعة كانت عبارة عن عملية «قتل» جماعية، تمثلت في إعدام 28 ضابطا، يعرفون باسم «مجموعة الفريق طيار خالد الزين» ومعظمهم من سلاح الطيران اتهموا بالتدبير لانقلاب عسكري، على الرغم من أن بعضهم كانوا أصلا في السجن. وما تزال ظروف «قتل» تلك المجموعة من الضباط يحيط بها الكثير من الغموض، خاصة أنه لم يسمح لأسرهم حضور «محاكماتهم الميدانية» كما لم يعرف المكان الذي دفنوا فيه. وهناك رواية تقول إنهم أعدموا على عجل إلى حد أن بعضهم دفنوا أحياء. والرواية الرسمية تقول إنهم كانوا يعتزمون تنفيذ محاولة انقلابية وحوكموا أمام محكمة عسكرية وأصدرت ضدهم أحكاما بالإعدام. كانت الرسالة موجهة وقتها إلى «ضباط الجيش».
الواقعة الخامسة، وتعرف باسم واقعة «معسكر العيلفون» وهي ضاحية من ضواحي شرق الخرطوم. حيث دأبت السلطات السودانية على فرض التجنيد الإجباري على طلاب المدارس الثانوية والجامعات، خاصة في سنوات التسعينات، عندما كانت المعارك على أشدها في الجنوب. كان يتم تدريب «المجندين» قسرا تدريبا محدودا ثم ينقلون إلى ساحات المعارك. في هذه المعسكرات يتعرضون لمعاملة قاسية، ولا يسمح لهم في الغالب بالخروج، خشية ألا يعودوا. في أبريل (نيسان) عام 1998 طلب المجندون في «معسكر العيلفون» الذي يقع على الضفة الشرقية من نهر النيل الأزرق، السماح لهم بتمضية عطلة عيد الأضحى مع ذويهم، لكن إدارة المعسكر رفضت ذلك. هنا رتب المجندون خطة للعبور إلى الضفة الأخرى من النهر. وعندما بدأوا في عبور النهر خلسة، أطلق عليهم الرصاص من طرف حراس المعسكر، وأدى ذلك إلى مقتل العشرات وغرق عشرات آخرين بسبب إصابتهم بجروح. وتقدر أوساط المعارضة عدد القتلى في حدود 217 مجندا شابا، لكن السلطات الحكومية تقول إن عدد الذين لقوا حتفهم بسبب عدم قدرتهم على قطع المسافة سباحة بين الضفتين يقدر بنحو 12 شخصا وإن جثامينهم سلمت إلى ذويهم، وأشارت إلى وجود «مفقودين»، لكن أي تحقيق لم يتم حول تلك المذبحة، التي تعرف باسم «مذبحة العيلفون».
يتبع ...
|