مبدئيّاً: حمور زيادة كاتب رخيص. لماذا؟ لأنه يؤمن ويؤسس لحالة (الكاتب التّاجر) المنتشرة في عالم اليوم، في جميع قارات العالم. وهو عهدٌ لم أعتقد بعدم مهاجمته لنا، في السودان، كبلد تعفَّف عن التجارة لأزمنةٍ طويلةٍ، تعفَّف عن أخلاقها، ولكنه، في نهاية الأمر، دخلها بقوّة (الإخوان المسلمين)، ولا حلّ لنا، إذ أن هذا ديدنُ العالم ومسيرة القيامة.
يقول بوب مارلي: (لقد قتلتُ الشريف)، وأقول أنني قتلت حمور من قبل، لدرجةِ هَرَب من الخرطوم ولَجَأ إلى القاهرة، عندما حاول أن يُتاجر بالكتابة في مدينتنا بكتابة قصّة فاقت في تفاهتها كل آداب العالم بعنوان (ولاء لم تعد تضحك)، وكان يرتجي، من خلالها، أن يُقمَع بواسطة الحكومة ومجلسها الصحفي، وقد حدث ذلك، ثمّ قامت حملة هستيريّة للدفاع عن حمور ومن ثمّ صعد نجمه، إلا أنني، وقد كنت أعمل رئيساً للقسم الثقافي بصحيفة الأحداث، كتبت سلسلة مقالات بعنوان (جثّة داخل جثّة، محاولة لتخليص الأدب من معارك حمور زيادة)، ومنذ الحلقة الأولى قطع هذا الحمور تذكرةً وطار إلى القاهرة، حيث يبجّله الناس، وحيث سيحصل على الجوائز على الجوائز الأدبيّة غير الرفيعة أبداً، كجائزة نجيب محفوظ التي كتبت في نقد خطابها مقالاً بعنوان (خطاب كراهية في مواجهة حمور زيادة)، دافعتُ فيه عن كتاب حمور (شوق الدرويش) ضد الهجمة الجهويّة والدينيّة التي قامت ضدّه بذريعة خطاب لجنة الجائزة السخيف جداً، هذه الرواية التي لم أقرأها، ولن أقرأها أبداً نسبةً لانشغالي بالعظيم من آداب العالم المتراكم عليَّ. فمن كتب قصةً كـ(ولاء لم تعد تضحك)، من المستحيل أن يُنتج أدباً عظيماً، فهي كتابة تجاريّة، وفي الحقيقة فكتابته قد نَجَحت، وبلغت ذروة النجاح، ولكنه، للأسف، لم ينسى هزيمته النكراء في الخرطوم، المشابهة لهزيمة الجيش المصري من قبل الثورة المهديّة ـ فجاء، ببلاهة لم يسبق لها مثيل، ليجري حواراً مع صديقنا الصحفي خالد أحمد بصحيفة السوداني، حيث أعمل مدققاً لغويّاً، ثم، والأنكى، أن يأتي إليَّ الحوار لأصححه، والذي يقول فيه أن مشاريع الكتابة في السودان (اختنقت وماتت)! هذا الأبله لا يدري أن هنالك ما يُسمّى إنترنت، ينسى تماماً أننا، في السودان، نكتب "مجاناً" منذ عهودٍ سحيقة، وأن الكتابة فعل تغيير وحياة ونبض وليس فعل (فوز بالجوائز) و(سلفي مع الروائيين)؛ الكتابة ممارسة إنسانيّة، إلا أنه، وللأسف، أخذ بنصيحة الكاتب (والشاعر) محمد حسبو عندما ردَّ حول تحليلي الموضوعي لشخصيّة حمور ككاتب؛ حمور تتبع نصيحة حسبو بحذافيرها، وقد فرحت أنه فعل ذلك، ونال ما يريد: أن يصبح مشهوراً، ومبجّلاً ككاتب. فرحت له وكتبت في حقّه مقالاً دفاعيّاً، ولكنه أتى وتعالى عالينا، نحن الكتاب المساكين في السودان، والذين اختنقنا ومتنا وإلخ إلخ، هذه هي نصيحة محمد حسبو، أعيد نشرها، لأجل التنكيل بهذا الروائي التاجر السخيف، والمحبة يا حمور في القلب موجودة لسّه، عسى ولعل يهديك الله. وقال:
(يبدو أنّ سوء الفهم -الذي تسبب به مأمون نفسه- قد بلغ مبلغاً، فمنذ تأكيد تماضر و دكتور صدقي على "تضامنهما" مع حمّور و الانتقادات تترى لمقالة مأمون، و تستاهل يا مأمون لأنّك افتقرت للحس السياسي و أنت تكتب مقالتك في الذبِّ عن بيضة الأدب، فأهملت أن تزن المقادير في خليط السياسة و الأدب هذا، و جنحت بعض عباراتك جنوحاً جعلها في المنافسة أدخل..
و لكن هذا، أي سوء استقبال شركاء الحوار هنا للرسالة، و حتى نقد صديقي قصي سليم لها، و عصام أبو القاسم لدوافعها، هذا كلّه، على جلاله، لا يعني أن نهيل عليها التراب و على الموقف الذي أرادت وقوفه، ذلك إنّني، و بعيداً عن الأدب، أرى في كل صوت يعترض عقليّة القطيع، أيّاً كان، أرى فيه شيئاً إيجابيّاً و أكثر فائدة من مزيد من التأييد، بل و عملاً جليلاً في سبيل العقلانيّة، و بهذا المعنى، يا مأمون، أحيي أيضاً أميليا شارلس على مقالتها في شأن لبنى، و قسوتها، فحتّى لو كانت على خطأ هنا أو هناك، فهي على الأقل تسهم في حقن هياج التضامن البليد بشيء من التعقّل، علّه يستبين الطريق.
و مهما يكن من أمر سوء كيل مأمون، فهذا لا يجب أن ينسينا أنّ هناك مشكلة، في جانب حمّور زيادة، على مستوى حمّور (و الذي هو نفسه مثال لظاهرة شبابيّة في مجالات عديدة مثل الرواية و الشعر و النضال السياسي و التصوير و رقّة المشاعر و دارفور و هلمّ جرّا) و على مستوى هالة التضامن الهمجي "و ياله من مزيج" المحيط بظاهرة حمّور و آخرين، و رغماً عن توجيهات الكثيرين هنا، فلا رغبة لي في نقد العمل الأدبي ولاء لم تزل تضحك و لا غيره من أعمال حمور زيادة، ببساطة لأنني لا أرى فيها ما يستحق النقد أو التقويم و لا القراءة أصلاً، و قد كفتني قلّة من كتاباته خطل العشم فيما يكتب، و بهذا فإنّ إسهامي في النقد الأدبي لما يكتب حمور يمكن تلخيصه في إنني لا استسيغ ما يكتبه حمّور و اعتبره مهيناً للقارئ الناضج مبتذل العبارة ضحل الأفكار..
و الآن لنبدأ من حمّور، بالأحرى مشروع حمّور أو طريقته في الكتابة، فاشمئزازي من طريقة كتابة الأخ حمّور ليس سببه بالتأكيد ركاكة و ابتذال أسلوبه، فالأسلوب المهترئ هو الشائع في أوساط من يرتكبون الكتابة و لا سبب لتخصيص حمّور زيادة بالتأفّف، و منبر سودانيز و الصحف السودانية حيث يكتب حمّور يعجوّن بكل فج و مسف، بل إنّ مصدر نجوميّة أغلب كتّاب و كاتبات الصحف و الانترنت هو الإثارة السمجة، و هذا واقعٌ مؤسفٌ و لكنّه مفهوم كون مستوى الذوق الثقافي قد ارتدّ إلى خليط من الطفوليّة و المراهقة. أمّا ما يجعلني أخص حمّور زيادة باللوم فهو أمرين تمتاز بهما تجربة السيّد حمّور، هما:
1- حمّور زيادة كاتب متفرِّغ لمشروعه في الكتابة.
2- يقف السيّد حمور زيادة على أرضية معرفيّة مشهودة، فهو ذو إطّلاع واسع يشمل فيما لحظت بعضاً من حقول المعرفة كالتأريخ و تراث العرب و المسلمين بما يؤهِّله لو صبر على مكاره التجويد ليكون محطّة هامة في خارطتنا الأدبية.
و بالنسبة لي، و هذا موقف شخصي، فإنّ الأدب مسؤوليّة، يتلقّاها كل أديب بقدر سعته و ما له من مقدرات، و لعل هذا هو مصدر نقمتي على حمّور، الذي يبدو أنّ اختياراته رخيصة سهلة، تتلخّص في الشهرة و كسب المزيد من المعجبين، و لو على جثة مشروعه ككاتب و مسؤوليته كمثقّف و أديب.
ملامح هذا الطريق الذي يتنكبّه حمّور بادية و حمّور نفسه لا يكاد يخفيها، بل يسعى إلى تزيينها بكلمات الحق يريد بها الباطل، حمّور لا يطيق صبراً على عنت التجويد، فالسوق لا ينتظر، و أبواب النجومية مشهرة أمامه فماله و قضيّة الكتابة، لذا تجده يبرّر لتبسيطيّته و أسلوبه الفج بأنّه لا يميل إلى لغة المثقفين المتقعِّرة، و أنّ له في الطيّب صالح قدوة، و هذا طبعاً تدليس، فترك اللغة المتقعِّرة لا يعني خرط قعر الركاكة و التمرّغ في وحلها، ولا كان الطيّب صالح ركيكا مثل حمّور، بل عمد الطيّب صالح و أكرم به من قدوة إلى السهل الممتنع، و هذا لعمري أصعب و أعز من التقعّر، فمع موافقتنا لحمّور في نفوره من اللغة المتقعِّرة و مع جدارة الطيب صالح برأينا ليكون مثلا، نقول لحمّور هيهات و شتّان، فقد جمع الطيب صالح بين عمق المعالجة و سعة الأفق و طيب الكلمة، لقد كان الطيب صالح يُعالج مسائل تباين الحضارات، و علاقات المركز و الهامش، الأصالة و المعاصرة، مثلما كان يعالج تعقيدات و مشاعر و خلجات أبطاله و غرائزهم، كل ذلك بعمق و رويّة تعكس ثقافته المتقنة في تراث الأدب العربي و العالمي و علم النفس و مذاهب الساسة، بينما لا يسعفنا حمّور سوى بسليقة الأوصاف التي لا تتجاوز في دلالاتها الصور البلهاء التي تجعل الحمائم رمزاً للسلام و الفراشات للبراءة و الذئب للبجعة، و موضوعاته نفسها سطحيّة، كما في قصة ولاء محل الجدال، إنّ مجافاة التقعّر و التواء الكلام ليستا سبباً للابتذال يا حمّور، و الشوط بعيد بين هذا و ذاك.
حمّور زيادة لا يعنيه تجويد ما يكتب، لأنّه ببساطة مهتم بالعدّاد، عدّاد القراء. في مجال التسويق تقوم الشركات بعمل دراسة للسوق، يتم بموجبها تقسيم السوق إلى أقسام "سيجمنتيشن" على أسس معيّنة، قد تكون العمر أو الحالة الاجتماعية أو الاهتمامات الخ، فائدة هذه الدراسة هي أنّها تستخدم ليس فقط في تحديد السوق "أو السيجمنت" المستهدف و أساليب الترويج فيه، بل و بالأساس في تحديد نوعيّة و مواصفات المُنتَج نفسه، فتجد مُنتجاً للأطفال و آخر للكبار، و منتجات الأطفال مثلا فيها ما يقدر عليه الأغنياء و فيها رخيص الثمن، و يبدو أنّ الأخ حمّور قد أجرى و يجري باستمرار مثل هذا المسح لسوق القرّاء، و يبدو –من خلال أسلوبه و ما يعالجه من قضايا- أنّه اختار شريحة الأطفال الكبار كشريحة مستهدفة بأعماله، و هم نوعيّة أغلب المعجبين و المعجبات بكتابات حمّور المسلوقة، و لذلك قلّما نجد قارئاً ناضجاً ضمن معجبي حمّور و لربّما يدرك ذلك السيّد حمور نفسه بالنظر إلى عينة من قارئيه، فقوام كتابة حمّور هو الحبكة و الحكاية (الحُجى) و معلوم أين يقعان في مسار النضج العقلي للفرد، حمّور زيادة يعلم أنّ جمهوره هو تلك الشريحة في قاعدة هرم القادرين على القراءة (و هو لاشك قطاع كبير بل الأكبر بحكم الشكل الهرمي) و يعلم –بالتالي- ما يطلبه الاستشراء وسط هذا القطاع، النهنهة و التبسيط و الإنتاج بكميات تجاريّة، مع إبداء التواضع و لين الجانب بطبيعة الحال و بعض الغوغائية، و مرّة أخرى يجد حمور كلمات حق يخدم بها نظرته في السيجمنتشن، فيردّد أحاديث عن تواضع المثقف و التحامه بالجماهير و عيشه كواحد منها، و هو ما يعبّر عنه حمّور بروح المجاملة و إظهار الحب و حضور الولائم و التجمعات ضمن عمليّة تسويق متكاملة لا علاقة لها بالكتابة، و مرّة أخرى نقول لحمّور هناك فارق بين الاهتمام بالناس و العمل معهم و من أجلهم، و بين التذلّل و الجلوزة لهم بل و منافقتهم، لأنّه حتّى مع اهتمام حمور بشريحة الأطفال الكبار فقد كان و ما زال بإمكانه أن يقدّم لهذا القطاع ما يرتقي به دون أن ينزل حمّور بثقافته و معارفه إلى درك الانحطاط، و لعل حديث النزول هذا مناسبة لضرب المثل، فتاريخ الأدب العالمي كلّه يعرف جول فيرن على سبيل المثال، صاحب "رحلة إلى مركز الأرض"، و ما اخترته إلّا حجّةً على حمّور، فالرجل جون فيرن تخرّج في كليّة القانون مثل حمّور (إن لم أكن مخطئاً)، و تفرّغ للأدب كما حمّور، و اختار أيضاً أن يكتب لشريحة الأطفال الكبار، و لكن من باب الخيال العلمي، ذلك الباب الذي كان سابقوه قد أدخلوا من خلاله أوروبا كلّها لعصر التنوير، و ألهموا من خلاله العلماء و الباحثين، فلماذا لا يكرّس حمّور نفسه كجون فيرن لضرب من ضروب الأدب يعود على شعبه و مجتمعه بالخير و يلهمهم أيضاً سبل العلم و النماء؟ بدل المؤانسة و البهلوانيّة التي لا تخدم سوى هوسه بالنجوميّة؟
إن ما لا يحسب حسابه السيّد حمّور، في نشوته بالعدّاد، هو أنّ الزبد يذهب جفاء، و أنّ شريحته التي اختار، الأطفال الكبار، مثلما هم سهلو القياد و الإرضاء، فهم كذلك سريعو النسيان، و لا يبقى المرء في ذاكرتهم إن انقطع إمداده أو غاب، فالمستهلك من هذا النوع يحتاج للإمداد المستمر من المكتوب الرخيص القائم على الاستسهال. إنّ مصب أدب حمّور زيادة هو النسيان لأنّ أدبه نفسه خالٍ من عناصر الجودة و الخلود، لقد ملأ حمّور زيادة منبر سودانيز بالغثاء، فهل بقي مما كتبه شيء في ذاكرة الأدب؟ لا. فالحاجة إلى الإمداد المستمر تدفع بالكاتب إلى نوّة الإنتاج التجاري التي يفقد فيها الكاتب ما تبقى من سيطرة على قدره و وجهته، و يزيد طين حمّور بللاً تمسّكه بلونيّة كتّاب مقالات الصحف المصريّة و أدباء المصريين عموماً، و انبهاره بأسلوبهم و محاكاته له، و ربّما كان هذا ذوقه و حقّه بطبيعة الحال، و لكن عالم الأدب أوسع بكثير، و حين طلب إبراهيم الجريفاوي من حمّور قراءة بعض نماذج القصّة القصيرة في السودان، ثار المصريون في قهاوي حمّور و مطعم الباشا و اعتبروها إهانة للأديب، و ها أنا أعيد عليه مطلب الجريفاوي، و معها ما شاء من أدب العالمين، و سيجد حمور، دون شك، ألف سلوى له من بقل و قثاء و فوم و عدس المصريين.
لوحة مأساة حمّور.
لقد أدهشتني قوّة العين التي يتحدّث بها حمّور عن رسالته الأدبيّة، مثلما تتجلّى في حالة "ولاء لم تعد تضحك"، و كيف أنّها (في تلك الحالة) كانت رسالة ضد اغتصاب الأطفال و لتنبيه الناس لمدى بهيميّته(؟)، و لم أعلم برسالة تستهدف تغيير شيء و تقوم على وصفه، ليس الوصف بمعناه الظاهراتي "الفينومينولوجي" بل الوصف كما في مسلسل 24 "تونتي فور أورز" حيث تجري الأحداث و يلهث المتابع و هو يشاهد ركض الثواني في الساعة على يمين الشاشة. حين تناول أستاذك الطيّب صالح موضوعة استلاب بعض مثقفينا للحضارة الغربيّة، أو جهل عامتنا و ريفيينا بها، فإنّه لم يبشّر لموقفه المعتدل من هذه الحضارة يا حمّور من خلال وصفها، فلم يصف المباني و الطرقات، أو ملابسها الداخليّة، و هنا يكمن الفارق بين أديب و آخر، فثمة أديب قادر على بث ثقافته بين السطور، في مسار الأحداث و بناء العمل، و لو تراجع بعض إفادات علوم النفس يا أستاذ حمّور، لعلمت خطورة استعمال الوصف كعلاج، و كيف أنّه كالدواء الخطر، لا يعطى في أي حال أو مقدار، فالوصف باللغة السليقة التي تحب هو سلاح ذو حدّين، و أشبه باللعب بالنار، و على كلٍّ، ليت حمّور يضرب عرض التأريخ و الجغرافيا و الفلسفات، ليجيئني برسالة فحواها الوصف، إذن لقد هانت الرسالات..
دعوتي لحمّور، إن كانت الكتابة قضيّته بأي حال، أن يترك ما به من نقص القادرين على التمام، و أن ينقذ مشروع الكاتب فيه، بإعادة النظر في جودة إنتاجه، و في هدفه منه، و إنّي أرى ذلك عسيراً إن لم يقطع حمّور مع هوسه بالناس و الشهرة، و له في نهاية الأمر الخيار، إنّما هي كلمات ما كتبتها إلا لكوني أراه قادراً إن أراد).
وقد أراد يا محمد، ولا أزيد!.
|