منديل حرير !!! النور يوسف

قيامة دولة المتحولون الانسانية !!! أسعد

خِلِّي العيش حرام - عبر الأجيال !!! أشرف السر

آخر 5 مواضيع
إضغط علي شارك اصدقائك او شارك اصدقائك لمشاركة اصدقائك!

العودة   سودانيات .. تواصل ومحبة > منتـديات سودانيات > منتـــــــــدى الحـــــوار

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-04-2009, 07:45 PM   #[1]
محسن خالد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية محسن خالد
 
افتراضي خيانة بالألوان (أكمل جريمة لانتقام)

[align=center]مذكّرات
الأصفر[/align]

كُلُّ ما جرى معي في الحياة كان محترماً، حتّى نصيبي من النحس فقد قدَّرتني حصّتي منه على نحوٍ فارقٍ من باقي البشر.
لدرجة أفرح، إذا أدخلتُ مفتاح شقّتي في القفل وفتح لي، تصوَّر!؟ يا للحظ العظيم! أسمع جارتي تتغنَّج في الشقّة الملاصقة، لا يا عصام، آه عصام لا.. الروج، الروج.
تنشطر وحدتي إلى فلقتين تُشْرَعان مع انفتاح باب الشقَّة أمامي.
آآخ.. ليتُه روجكم هذا كان مصبوباً، على فم بئر بحالها، يُقَبِّلها فمي، هذا الظامئ، والمشطور جَرَّاء بلاهة الوحدة بما يكفي لذلك التقبيل.
أُطْرِقُ وحيداً وصامتاً بداخل شقّتي، فصوت الباب الذي ركلته برجلي قد انكتم منذ برهة. يبقى شبحي يُحَدِّق في عمق بئر النحس والعزلة تلك. لا تَقُل لي تزَوَّج، هكذا ستدفعني إلى ظلام قاع تتعفَّن قبل أن تصله. ألعنُ متمتماً ومتصبراً، أجمل الجنس يمارسه القلب.
لطالما فكَّرتُ في الدخول إلى شقّتي عبر النافذة، فـ"الأبواب" دائماً تطاردني بمثل هذه الأفكار. تجعلني أفَكِّر في العثور على فتاة حَفَّارة قلوب، تستخرج مائي وناري، وتُعَدِّنُ من طينتي ولهيبي الإنسانَ.
باب مطبخي مُصْفَرُّ البوهية هذا مثلاً، هو أوَّلُ ما أغراني بشارعٍ لم أكن أعرف بأنّه لا يُختتم ببيوت. أو هو من خدعني بشارعٍ يبدأ ببيوتٍ ولا ينتهي ببيوت من جنسها.
شارعٌ يبدأ بلافتة تأمرك بالانعطاف يميناً، يساراً، أمامك كلينيك، حضانة أطفال، وهكذا.. لتتعب وتمشي وتكد في المشي، ثم يُقفل ذلك الشارع في نهاية الأمر بشاهدة قبر تحسب ما قطعه الإنسان من زمن فقط..
(متى وُلِدت ومتى تُوفيت).
دون أدنى اعتبار للمسافة التي تُحدِّد طبيعة الحياة التي عاشها ذلك الكائن. ودون أدنى اعتبار لسرعة ذلك الكائن التي نقرأ من خلالها حيويته، تفاؤله وفرحه بذلك العيش أو سخطه وتشاؤمه منه. بينما المسافة الدنيوية تبقى جاثمة دائماً على ما معه من زمن مخصَّص لقطع طبيعة الحياة تلك، التي ربما هي وعرة أو سالكة من يعرف؟
فالقانون الكامل لهذه المسألة يقول، إنَّ (المسافة وهي الدنيا) = (السرعة وهي حيوية الكائن) مضروبة في (الزمن وهو عُمُر الكائن).
بأي حال، لولا باب المطبخ ذلك لما احتجنا لكل هذا الكلام السخيف والمتقعِّر. فقد فرغتُ من طبيخي وأخذتُ عدَّةَ صحونٍ بين يديَّ، لأجد أنَّ الهواء قد أغلق باب المطبخ. ولكم كنتُ غبياً لحظتها! فبدلاً عن وضع صحوني على الأرض وفتح الباب، أخذتُ أعدُّ ما أمتلكه من أيادٍ وكأنَّني طبختهما مع تلك الوجبة. أهاا يدان فقط، ماذا بعد؟ لأتمادى في الغباء أكثر بما يجعل من الهواء شيئاً اخترعوه في ذلك اليوم، لا..لا، ليس الهواء، بل ما يوازيه هنا وهو المرأة. فبالعدِّ الذي كان سببه الهواء، تذكّرت أنَّ المرأة أيضاً لها يدان. وبإضافتهما ليديَّ سأمتلك أربع أيادٍ، لأتمَكَّن عبر هذا التعاون من فعل أشياء كثيرة في لحظة واحدة، ويا للخوارزمي الغبي الذي ولدوه خصّيصاً لفتح ذلك الباب.
تخيَّل أنَّ هذه العمليَّة الحسابية المعقّدة، يقوم بها أسوأ رجل دخل المطابخ منذ تأسيس المطبخ الفارسي العظيم. لماذا؟ كي لا ينكشح هذا الطبيخ التافه الذي يساوي هنا المرأة، التي توازي الهواء.
فتهجّستُ منذ حادثة باب المطبخ تلك بالبحث عن امرأة. ليتمكّن منّي في المقابل نَحْسِي ذلك حتّى يلبس كرافتّتي البيج، ويُسَرِّح شعره في مرآتي التي بعرض جدار غرفتي. ليس هذا فحسب، بل ضرب الشيبُ كل سنتمتر مربّع من مرآتي العريضة تلك ونحسي ما يزال في أناقته. إذ كان أفْتَى منّي، ومحظوظاً بحيث أفنى أنا ومرآتي ولا يفنى هو.
ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ أعبر شوارع دنيتي كلّها، بنظرة متفحِّمة، لن تعشوشب مَرَّة أخرى إلا حين يحل خريف تلك الفتاة كما كنتُ أتخيَّل. مصيخاً بسمعي إلى حد أن لا يملأه صوتٌ عدا وقع خطواتها المُقترِب كما كنتُ أتوقّع. لقد خرجتُ بتمامي، إلى الوجود بتمامه، شاهراً نداءً باتراً، وراء تلك الأنثى الضائعة. بحيث لا يغمد ذلك النداءَ النصلَ مَسْمَعٌ سوى جفير حضنها.
أحياناً أقول، المشكلة في المواعيد. فأنا دائماً أتأخَّر بمسافة خطيب، أو أتعجَّل بمسافة شاكوش/ رفض.
بالرغم من أنَّني أصحو يوميّاً لأقتلع مواعيدَ إلزاميّة لما فتحتُه مع ذلك الباب كعَرَض، مما هو مواعيد مقيمة وخالدة بالأصل.
تبدأ هذه المواعيد المقيمة بلقاء فرشاة الأسنان لدى الخامسة صباحاً، ثم مواعيد الصلاة، فالقهوة، فزحمة القيادة من بحري إلى الخرطوم. وتنتهي بلقاء دفتر توقيع نهاية الدوام لدى الخامسة مساءً خارج بيتي.
كي تبدأ ليلاً مواعيد أخرى وثانية، مواعيد فتح الأبواب تلك، و(لا.. لا يا عصام، آه يا عصام.. الروج)، بداخل شقّتي.
وبقيتُ ولأعوام، دقيقاً جداً ومنضبطاً تجاه هذه المواعيد العَرَضيّة والمقيمة كلّها. مستفيداً من خبرتي كمترجم لغة ألمانية دقيق وحريص بسفارة محترمة، فكان لا بُدَّ أن أفي بمواعيدي تلك أكثر مما يفعل الموت بمواعيده.
نعم، كنتُ أوفى من الموت لمواعيدي، مع أكيد علمي بأنَّ مجرَّد الإيفاء بمواعيد غَزْل رباط الحذاء، التي تُكَلِّف عِدَّة ثوانٍ فحسب، هي في الحقيقة تنتيفٌ جِدِّي غاية الجدّيّة لغَزْل العُمُر ككل.
وفي يوم ما، قائظ ولئيم الغبار، سندتُ يدي لشجرة النيم العاتية في مدخل معمل استاك، متوكئاً عليها من وهن الملاريا. بينما الحُمَّى من شدّتها تكاد أن تُبوِّلني كل المرايس التي شربتُها في العام الماضي. لقد أشفقتُ حتَّى على تلك النيمة، خوف أن تنتقل إليها حرارة بدني عبر لمسي لها، فتجعلها تتبوَّل مطر الخريف الفات.
هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها الذي هو فوق مقدرة احتمال مليار مسيح.
علامة كل مواطن منّا شَجَّة حب لهذه البلاد على الجبين، شَجَّة لا يمكن لنا أن نتفاداها حتّى لو هربنا منذ الأيام التي كان فيها العُكَّاز أخضر وبجذع شجرته الأم، ومهما نركض مبتعدين فسيدرك رؤوسنا فلقها. وبذات العُكاز الذي قطعوه بعد مئات السنين المنقضية على موت شجرته الأم، ثم شرّوه كي يجَفَّ ويتيبَّسَ لدرجة الصلابة والاصفرار، إنّا لله.
غَطَّتني النيمة بصفق أصفر، إذ سَرَّحتها ريحٌ صعيديّة، ليتناثر ذلك الصفق الأصفر في كل ناحية. ولتختّصني أنا على نحو شخصي ذخَّاتٌ كثيفة منه، في تتابع أضجرني، فأخذتُ أنفضه عن شعري وثيابي بلا فائدة.
خطوتُ إلى داخل المعمل بخُطى أقتلعها من بين أضراس تماسيح لثقلها وصعوبتها. ولكن فجأةً لَمَع ماءُ ذلك المستنقع الأرضي، الذي كنتُ أخوض فيه، إذ أضاءه برقٌ ضارٍ كأنَّه توقيع الله على السماء.
وبمثل ما يتجاوز ورق الكتشينة في يد اللاعب بسحبة موفّقة، تجاوزتُ أنا مع فتيل البول رقم 13 في معمل استاك الطبّي بالخرطوم. عبر سَحْبَة لم أكن أدري ساعتها كم من الأنياب السامّة انتقت فيها أصابعي.
لن أنسى تلك اللحظة التي اصطدمت فيها أعيننا ببعضها بعضاً، قادحةً بشرر اصطدام سيفين في مبارزة ذات مستوى رفيع لعظمة المتحاربَيْن على حَلْبَتِها. غزتني، نعم غزتني فوراً، ونَمَت عيناها الصفراوان -حينها- بداخل عينيَّ بسرعة نبات لويس متسلِّق، شَقّت جدراني وأزهرت في لمحة من تلك المواجهة المبتورة.
"آآآ.. لو سمحتِ..".
تلعثمتُ، كنتُ أُريد سؤالها عن اسمها، أو معرفة أي شيءٍ عنها. ولكنها عبرتني بقامتها الرمح، المسنونة لدى حوافها، وذات القناة الطويلة لقطف ما هو سامق من رؤوس الفرسان. لا أدري إن لم تكن قد سمعتني، أو ربما تجاهلتني عمداً، فالمكان والمناسبة مشرعان لأنين المرضى فقط، وليس من الصحّي إطلاق همسات أحبّة بوسط معمل استاك الموبوء أصلاً.
لمحتُ فتيل عينة البول في يدها، الرقم 13، وقرَّرت تعقَّبه لدى موظَّفي المعمل بعد أن تنصرف هي، لأنَّها مريضة مثلي والظرف حرج للغاية.
الفتيل الشفَّاف، ذو العنق الوسيم، والمليء بالسائل الأصفر، البول، أو بلازما عمري القادم. رأيتُ فيه حياتي المستقبلية بكل وضوح، والأكيدة دون شك. الحياة التي يمكن برهنتها عبر الميكروسكوب مثل أي كائنات مجهريّة لعينة تسبح بالداخل الآن. عوضاً عن حياتي السابقة تلك، التي كانت كأنما تجري بداخل كتاب، ليتأكَّد لديَّ في كل ثانية أنَّني عشتُها صفحةً صفحة، ومللتُها سطراً بعد سطر. ولم يعد من الممكن البقاء بداخلها مطلقاً، فكلّما تحرّك منّي عضوٌ اصطدم بأحد الغلافين.
قلتُ لنفسي بجنون قفز فوق آلام مرضي ساعتها، أنا لستُ الإنسان الذي في كتاب، ولن تحدَّني الأغلفة بعد اليوم. طاردتُ أية معلومات مفيدة عن منبع ذلك السائل الأصفر، لدى موظفي استقبال المعمل كلّهم، يسألونني واحداً بعد آخر، قلتَ من؟
"آآ.. أيوة، الأخت، الأستاذة، أقصد صاحبة العينة، كانت تجلس على هذا الكرسي".
- أية عينة يا أخ؟
سئمتُ الموقف كلّه، فقلتُ له بمَقَصِّ ضَجَرٍ لا لسان، "أعني يا أخي صاحبة عينة البول رقم 13 التي كانت تجلس على هذا الكرسي الأصفر، هل فهمتني الآن؟".
ها قد قصصتُ التساؤلات من ناحية ذلك الموظَّف، ليطالعني هو باستغراب. فمن يقصَّني أنا من عيون هؤلاء المرضى ومرافقيهم الذين لفتتهم ربكة أجوبتي الأولى على أسئلة موظَّف الاستقبال؟
لم يعد الآن من الممكن ولا المفيد سؤاله عن أي شيء يتعلَّق بتلك الفتاة. فالرجل، وكل من كانوا في الصالة، قد أخرجوا عيون البشر الأخرى، المخبأة تحت الكياسة، والتي تُستخدم في التأكّد من كون الناس مجانين أم لا، ليفحصوني.
لا فائدة الآن مع تطفل بهذا الحجم. غافلتُهم كلّهم، وتسللتُ لباطن المعمل، إذ فرضوا عليَّ مراقبة جماعية بعد ملابساتي تلك. لأعيد ذات التمتمة الخرساء على موظَّفة الفحص، وبلا فائدة.
- آسفة يا أستاذ، معلومات مرضانا سريّة، لا يمكن أدّيك عنوانها ولا تلفونها.
ولكن إجراء تلفون متوسِّل إلى أحد أصدقائي ممَّن كانوا يخدمون سابقاً بالمعمل حلَّ هذا الإشكال، مع اشتراط أن لا أُدخل زملاءه في مشكلة. وإن نسي ذلك الصديق أن يوصيني أنا أيضاً بالابتعاد عن المشاكل، فقد أدخلتُ نفسي في كارثة رسمية بإضافة مواعيد عَرَضيّة جديدة إلى مواعيدي المقيمة سَلفَاً. وهي مواعيد انتظار مَريَّا أمام منزلهم يومياً بعد انتهائي من دوّامي، وانتهائها هي أيضاً من دوام عمل في مكانٍ ما لا أعرفه.
مرتقباً بهذا الانتظار فرصة مناسبة تُمَكّنني من التعرُّف عليها بشكل غير اقتحامي. إذ لا بُدَّ من فرق بين الطريقة التي يُلقي بها البوليسُ القبضَ على محشِّش بنقو، وكسر خصوصيته. وبين الطريقة التي يُلقي بها الرجلُ القبضَ على عروسه، وكسر خصوصيتها. مع الاعتراف بأنَّ الحالتين تكسران الخصوصية، تليقان بالبوليس، وتنتهيان بالسجن.
وفي مواعيد مجاوزتي معها باعتبارها ورقة بنت شيريا مناسبة، وجدتُ نفسي ببطن مجاوزة مع السُّم رأساً برأس!
رأيتُ العقارب تتساقط من جسد مَريَّا وتعدو في كلِّ ناحية، بينما جمهرة من الناس تضج وتزعق، ثم تفر.
وهي تضحك، العقارب تنمنم لونها الخمري بلون مصفرّ، قاتم، وثقيل. هَلْبُ شعر عنقها وساعديها الأصفر، يشقّه هَلْبُ العقارب الأصفر وشوكاتها المُشْرَعَة بطول مناشير حيتان. بينما الأطفال الصغار يفرّون من وجهها، لتلاحقهم، وهي تضحك.
تركتُ مفتاح عربتي في طبلونه، وركضتُ ناحيتها مدعياً الهلع، إذ لمحتُ ذلك الحاوي الجوَّال الذي كان يعرض ألاعيب سحره بتلك العقارب. هي لم تخف منها، بل حشرت يدها بثبات أكثر منه في كرتونة العقارب تلك وأخذت تفرغها على جسدها، من أعلى رأسها نزولاً نحو صدرها، استحمّت بها.
أفشلتْ للحاوي أقيامه games، بدُش عقارب أخذتْه في شارع عام. هنا، بالضبط، بدأتُ أنا قيمي.
- وااو.. مش خايفة يا مجنونة!؟
تأملتني بصبر مستبد، وأجابتني باستشراف على رؤوس أمشاطها، لتحاذي قامتي، أهلاً بعقلك الجبان.
دسستُ ورقة في يدها، على الفور، ببيانات استشهادي. تنصُّ الورقة على أنّني هاربٌ من حتفي، مُذ شَمَّموا رائحتي لخناجر أشواقها، فتبعت المَقاتِلُ دربي قَصَصاً.
أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً.
فهي نيلي الأوَّل وقطاري الأخير.
واليوم، بتجاوز أوراق كتشينتي لدى مواعيد العقارب تلك.. أدركتني خناجر الأشواق كلّها.
مشتاق ليك يا مَريَّا، لامن خنجر الشوق المدقوق في القلب للعود.. عودو يخضّر.
نعم، خنجر أشواقك مغروزٌ في القلب حتّى عود مقبضه، وسأتبع ذلك الشوق إلى أن يخضرَّ عودُ ذلك الخنجر.
سألتني عن ورقتي الاستشهادية، التي كنتُ قد جهّزتُها قبل زمن.. عبر طقطقة أسنان فَكّيها مع بعضها بعضاً، ما يعني: أتمضغها؟ أم ماذا تفعل بها!؟
قلتُ لها، أنا أعمى. مددتُ تلفوني إليها، وطلبتُ منها أن تنقل محتوى الورقة لرسالة sms لأجل امرأة صرعتني منذ أوَّل مبارزة لعينيَّ مع عينيها الصفراوين -حينها-، ففعلتْ، وإنْ بتلاعب مستفهِم، مع ابتسامة سُخْر، تجعل من غمَّازتي خدّيها حفيرين يملأهما حامض الكبريتيك.
استعجلتُها قائلاً، أرسليها.
- إلى أين؟
"إلى قلبك".
ضحكتْ بمرح المفاجأة، حين أمللتُ عليها رقم هاتفها. شكراً لعينة البول رقم 13، المصابة باليرقان، مُسَبِّب اصفرار العيون. ملأني إحساسٌ بأنني أُملل أوصاف قبري على معول حَفْر، بعُمق كذا، بطول وعرض كذا، وإلى آخر تشطيب اللحد.
- واسمك منو يا شاب؟
"سامي".
احتضنتني في شغب، وبما يُبَرعم لغابة وحشية كاملة ستنبت في المستقبل. كي تسقط من على صدرها.. إثر احتكاك ذلك الاحتضان، آخرُ العقارب المتعلِّقة بثيابها. ولتلدغني أُولى العقارب المتعلِّقة بنزوات جنونها المغامر، والعدمي. ومن لحظتها، بدأ زحفُ تلك الحشرة السامَّة في صدري، صفراااء.. عيار 21 من الغَيْرة.



محسن خالد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 29-04-2009, 08:30 PM   #[2]
فيصل سعد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية فيصل سعد
 
افتراضي


مرحب بيك و حباب
عودتك و ايابك يا محسن يا خالد ،،

بالله عليك المرة دي اقعد معانا
شوية و بطل زوغان و جري و طيران!!
على الاقل عشان خاطر الحتة دي :

اقتباس:
علامة كل مواطن منّا شَجَّة حب لهذه البلاد على الجبين، شَجَّة لا يمكن لنا أن نتفاداها حتّى لو هربنا منذ الأيام التي كان فيها العُكَّاز أخضر وبجذع شجرته الأم، ومهما نركض مبتعدين فسيدرك رؤوسنا فلقها. وبذات العُكاز الذي قطعوه بعد مئات السنين المنقضية على موت شجرته الأم، ثم شرّوه كي يجَفَّ ويتيبَّسَ لدرجة الصلابة والاصفرار، إنّا لله.
سلام يا صاحب ..



التوقيع: اللهم اغفر لعبدك خالد الحاج و
تغمده بواسع رحمتك..

سيبقى رغم سجن الموت
غير محدود الاقامة
فيصل سعد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2009, 07:21 AM   #[3]
أسامة معاوية الطيب
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة معاوية الطيب
 
افتراضي

محسن يا صاحب
صباح الخير
يعلم الله أني لم استمتع منذ مدة بقراءة كهذي ... توهمتك في الأول ... ولكنك (ربما ) نجوت من كونك هو ... أنت تعرف سلفا أني معجب بتشبيهاتك الخارقة ... وهي سر الحكي الكامل
لكن توقيع الله (البرق ) فاجأني تماما ...
المشكلة انك تعلم ان الكلام الذي أود قوله ... لم يقال ولن


( هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها )

بس لا تغيب



أسامة معاوية الطيب غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2009, 09:13 AM   #[4]
محسن خالد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية محسن خالد
 
افتراضي

عزيزي فيصل، واحشنا غاية الوحشة، يا إنسان جميل، وأرجو أن تكون بخير، ولك المحبّات والوداد أبداً.
ياخي علي بالحلال في الخاطر الواحد يتَّفن هنا إلى أن يستبين طرف القيامة، إلا ياخي أيامي مربوكة وأدودر فيها دودير القمري. يضحك نهارك.
شكراً لك ياخي على هذه الحفاوة التي أتمنى أن أطولها
وكن بألف خير

عزيزي أسامة، وييين يا! يا رجل أهو إنت حي ولساك وسيم وتقرأ كأجمل ما تكون القراءة. متوحشك بزاف يا صديقي العزيز، الحاصل شنو لا خبر ولا أتر! ياخي أمرق بالسلام وخليك حنين وفي بالك انسراحات أبوظبي، كيف صديقتك ورفيقتك في درب الحياة؟ بلغّها تحياتي ولتكن بخير.
التشبيه سمح أفتكر، كل ما زادت غربتنا يا صديقي تزيد غرابة الصور، وكلما استوحش خيالنا تستوحش الأُخيولات.
كيف الكتابة معاك؟ بلّغها تحياتي وأبهجنا معك بما تخط



محسن خالد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2009, 11:39 AM   #[5]
خالد الحاج
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية خالد الحاج
 
افتراضي

محسن خالد...
إزيك يا أخي.. يا حاوي الكتابة..
كعادتك تخلق من التفاصيل الصغيرة معزوفة لحنية تخلي الزول يقرأ "وينقر اصابعو لما يرتاح للفكرة" .
لا زلت يا شقي تبحث عنها ؟؟؟
تابعت بحثك المخلوط بهذيان الحمي ووصفك "الملعون" للبشر والمواقف :

اقتباس:
أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً.
أها يا محسن متل تعابيرك دي البتخليني أفتش عن اسمك وين ما كان..

عليك الشوق ولعناته ما تغيب كتير يا أخي ....



التوقيع: [align=center]هلاّ ابتكَرْتَ لنا كدأبِك عند بأْسِ اليأْسِ، معجزةً تطهّرُنا بها،
وبها تُخَلِّصُ أرضَنا من رجْسِها،
حتى تصالحَنا السماءُ، وتزدَهِي الأرضُ المواتْ ؟
علّمتنا يا أيها الوطنُ الصباحْ
فنّ النّهوضِ من الجراحْ.

(عالم عباس)
[/align]
خالد الحاج غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 30-04-2009, 12:49 PM   #[6]
elle
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية elle
 
افتراضي

اقتباس:
عيون البشر الأخرى، المخبأة تحت الكياسة، والتي تُستخدم في التأكّد من كون الناس مجانين أم لا
أحببت هذا الفيض جداً


حقا...أنا سعيدة

كم هائل من الروعة...أجزل الله ثوابك..على ما بثته حروفك فينا من سمو فكري مصحوب بالنشوة.

هل من مزيد؟



elle غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2009, 01:46 PM   #[7]
ناصر يوسف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية ناصر يوسف
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد مشاهدة المشاركة
[align=center]مذكّرات
الأصفر[/align]

كُلُّ شكراً لعينة البول رقم 13، المصابة باليرقان، مُسَبِّب اصفرار العيون..


وبدت لي حروف موظفي معمل ستاك هكذا لأول وهلة وإن كانوا قد إختلط عليهم بول البقر فتشاكلت وتشابهت عليهم القوارير وجاء علي دفة وريقتي أن كتبوا عليها:


حامل في الشهر الثاني


وأنا الذي ما زلت أقبع في ترهاتي خلف باب مطبخي اللعين وأنا أسمعها : لا يا هناي .. ده شنو ده ؟؟ بتبااااالغ لكن ... عاوز تعمل شنو ؟؟؟ إنت ما عندك أخوات ؟؟


محسن خالد


يا زول يا مجنووووووووووووووون



شكراً ليك وبث



التوقيع:
ما بال أمتنا العبوس
قد ضل راعيها الجَلَوس .. الجُلوس
زي الأم ما ظلت تعوس
يدها تفتش عن ملاليم الفلوس
والمال يمشيها الهويني
بين جلباب المجوس من التيوس النجوس
ناصر يوسف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2009, 06:09 PM   #[8]
محسن خالد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية محسن خالد
 
افتراضي


الأعزاء تحياتي
أها يا فيصل وحذيفة، كان بقيتوا اللتنين قَبَّاضين أكتر من المعايش أقبضوني، يضحك نهاركم
شكراً الجيلي على الأغنية

ناصر يوسف،
هسع المجنون منو؟ عجبني توجيهك للقصة في ذات الدرب، بلغة ثانية، حميمة ومأخوذة عن أفواه أصحابها مباشرة.
أمتعتني وأضحكتني
كن بألف خير



محسن خالد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-05-2009, 08:44 PM   #[9]
بسمله
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد مشاهدة المشاركة
[align=center]مذكّرات
الأصفر[/align]

كُلُّ ما جرى معي في الحياة كان محترماً، حتّى نصيبي من النحس فقد قدَّرتني حصّتي منه على نحوٍ فارقٍ من باقي البشر.
لدرجة أفرح، إذا أدخلتُ مفتاح شقّتي في القفل وفتح لي، تصوَّر!؟ يا للحظ العظيم! أسمع جارتي تتغنَّج في الشقّة الملاصقة، لا يا عصام، آه عصام لا.. الروج، الروج.
تنشطر وحدتي إلى فلقتين تُشْرَعان مع انفتاح باب الشقَّة أمامي.
آآخ.. ليتُه روجكم هذا كان مصبوباً، على فم بئر بحالها، يُقَبِّلها فمي، هذا الظامئ، والمشطور جَرَّاء بلاهة الوحدة بما يكفي لذلك التقبيل.
أُطْرِقُ وحيداً وصامتاً بداخل شقّتي، فصوت الباب الذي ركلته برجلي قد انكتم منذ برهة. يبقى شبحي يُحَدِّق في عمق بئر النحس والعزلة تلك. لا تَقُل لي تزَوَّج، هكذا ستدفعني إلى ظلام قاع تتعفَّن قبل أن تصله. ألعنُ متمتماً ومتصبراً، أجمل الجنس يمارسه القلب.
لطالما فكَّرتُ في الدخول إلى شقّتي عبر النافذة، فـ"الأبواب" دائماً تطاردني بمثل هذه الأفكار. تجعلني أفَكِّر في العثور على فتاة حَفَّارة قلوب، تستخرج مائي وناري، وتُعَدِّنُ من طينتي ولهيبي الإنسانَ.
باب مطبخي مُصْفَرُّ البوهية هذا مثلاً، هو أوَّلُ ما أغراني بشارعٍ لم أكن أعرف بأنّه لا يُختتم ببيوت. أو هو من خدعني بشارعٍ يبدأ ببيوتٍ ولا ينتهي ببيوت من جنسها.
شارعٌ يبدأ بلافتة تأمرك بالانعطاف يميناً، يساراً، أمامك كلينيك، حضانة أطفال، وهكذا.. لتتعب وتمشي وتكد في المشي، ثم يُقفل ذلك الشارع في نهاية الأمر بشاهدة قبر تحسب ما قطعه الإنسان من زمن فقط..
(متى وُلِدت ومتى تُوفيت).
دون أدنى اعتبار للمسافة التي تُحدِّد طبيعة الحياة التي عاشها ذلك الكائن. ودون أدنى اعتبار لسرعة ذلك الكائن التي نقرأ من خلالها حيويته، تفاؤله وفرحه بذلك العيش أو سخطه وتشاؤمه منه. بينما المسافة الدنيوية تبقى جاثمة دائماً على ما معه من زمن مخصَّص لقطع طبيعة الحياة تلك، التي ربما هي وعرة أو سالكة من يعرف؟
فالقانون الكامل لهذه المسألة يقول، إنَّ (المسافة وهي الدنيا) = (السرعة وهي حيوية الكائن) مضروبة في (الزمن وهو عُمُر الكائن).
بأي حال، لولا باب المطبخ ذلك لما احتجنا لكل هذا الكلام السخيف والمتقعِّر. فقد فرغتُ من طبيخي وأخذتُ عدَّةَ صحونٍ بين يديَّ، لأجد أنَّ الهواء قد أغلق باب المطبخ. ولكم كنتُ غبياً لحظتها! فبدلاً عن وضع صحوني على الأرض وفتح الباب، أخذتُ أعدُّ ما أمتلكه من أيادٍ وكأنَّني طبختهما مع تلك الوجبة. أهاا يدان فقط، ماذا بعد؟ لأتمادى في الغباء أكثر بما يجعل من الهواء شيئاً اخترعوه في ذلك اليوم، لا..لا، ليس الهواء، بل ما يوازيه هنا وهو المرأة. فبالعدِّ الذي كان سببه الهواء، تذكّرت أنَّ المرأة أيضاً لها يدان. وبإضافتهما ليديَّ سأمتلك أربع أيادٍ، لأتمَكَّن عبر هذا التعاون من فعل أشياء كثيرة في لحظة واحدة، ويا للخوارزمي الغبي الذي ولدوه خصّيصاً لفتح ذلك الباب.
تخيَّل أنَّ هذه العمليَّة الحسابية المعقّدة، يقوم بها أسوأ رجل دخل المطابخ منذ تأسيس المطبخ الفارسي العظيم. لماذا؟ كي لا ينكشح هذا الطبيخ التافه الذي يساوي هنا المرأة، التي توازي الهواء.
فتهجّستُ منذ حادثة باب المطبخ تلك بالبحث عن امرأة. ليتمكّن منّي في المقابل نَحْسِي ذلك حتّى يلبس كرافتّتي البيج، ويُسَرِّح شعره في مرآتي التي بعرض جدار غرفتي. ليس هذا فحسب، بل ضرب الشيبُ كل سنتمتر مربّع من مرآتي العريضة تلك ونحسي ما يزال في أناقته. إذ كان أفْتَى منّي، ومحظوظاً بحيث أفنى أنا ومرآتي ولا يفنى هو.
ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ أعبر شوارع دنيتي كلّها، بنظرة متفحِّمة، لن تعشوشب مَرَّة أخرى إلا حين يحل خريف تلك الفتاة كما كنتُ أتخيَّل. مصيخاً بسمعي إلى حد أن لا يملأه صوتٌ عدا وقع خطواتها المُقترِب كما كنتُ أتوقّع. لقد خرجتُ بتمامي، إلى الوجود بتمامه، شاهراً نداءً باتراً، وراء تلك الأنثى الضائعة. بحيث لا يغمد ذلك النداءَ النصلَ مَسْمَعٌ سوى جفير حضنها.
أحياناً أقول، المشكلة في المواعيد. فأنا دائماً أتأخَّر بمسافة خطيب، أو أتعجَّل بمسافة شاكوش/ رفض.
بالرغم من أنَّني أصحو يوميّاً لأقتلع مواعيدَ إلزاميّة لما فتحتُه مع ذلك الباب كعَرَض، مما هو مواعيد مقيمة وخالدة بالأصل.
تبدأ هذه المواعيد المقيمة بلقاء فرشاة الأسنان لدى الخامسة صباحاً، ثم مواعيد الصلاة، فالقهوة، فزحمة القيادة من بحري إلى الخرطوم. وتنتهي بلقاء دفتر توقيع نهاية الدوام لدى الخامسة مساءً خارج بيتي.
كي تبدأ ليلاً مواعيد أخرى وثانية، مواعيد فتح الأبواب تلك، و(لا.. لا يا عصام، آه يا عصام.. الروج)، بداخل شقّتي.
وبقيتُ ولأعوام، دقيقاً جداً ومنضبطاً تجاه هذه المواعيد العَرَضيّة والمقيمة كلّها. مستفيداً من خبرتي كمترجم لغة ألمانية دقيق وحريص بسفارة محترمة، فكان لا بُدَّ أن أفي بمواعيدي تلك أكثر مما يفعل الموت بمواعيده.
نعم، كنتُ أوفى من الموت لمواعيدي، مع أكيد علمي بأنَّ مجرَّد الإيفاء بمواعيد غَزْل رباط الحذاء، التي تُكَلِّف عِدَّة ثوانٍ فحسب، هي في الحقيقة تنتيفٌ جِدِّي غاية الجدّيّة لغَزْل العُمُر ككل.
وفي يوم ما، قائظ ولئيم الغبار، سندتُ يدي لشجرة النيم العاتية في مدخل معمل استاك، متوكئاً عليها من وهن الملاريا. بينما الحُمَّى من شدّتها تكاد أن تُبوِّلني كل المرايس التي شربتُها في العام الماضي. لقد أشفقتُ حتَّى على تلك النيمة، خوف أن تنتقل إليها حرارة بدني عبر لمسي لها، فتجعلها تتبوَّل مطر الخريف الفات.
هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها الذي هو فوق مقدرة احتمال مليار مسيح.
علامة كل مواطن منّا شَجَّة حب لهذه البلاد على الجبين، شَجَّة لا يمكن لنا أن نتفاداها حتّى لو هربنا منذ الأيام التي كان فيها العُكَّاز أخضر وبجذع شجرته الأم، ومهما نركض مبتعدين فسيدرك رؤوسنا فلقها. وبذات العُكاز الذي قطعوه بعد مئات السنين المنقضية على موت شجرته الأم، ثم شرّوه كي يجَفَّ ويتيبَّسَ لدرجة الصلابة والاصفرار، إنّا لله.
غَطَّتني النيمة بصفق أصفر، إذ سَرَّحتها ريحٌ صعيديّة، ليتناثر ذلك الصفق الأصفر في كل ناحية. ولتختّصني أنا على نحو شخصي ذخَّاتٌ كثيفة منه، في تتابع أضجرني، فأخذتُ أنفضه عن شعري وثيابي بلا فائدة.
خطوتُ إلى داخل المعمل بخُطى أقتلعها من بين أضراس تماسيح لثقلها وصعوبتها. ولكن فجأةً لَمَع ماءُ ذلك المستنقع الأرضي، الذي كنتُ أخوض فيه، إذ أضاءه برقٌ ضارٍ كأنَّه توقيع الله على السماء.
وبمثل ما يتجاوز ورق الكتشينة في يد اللاعب بسحبة موفّقة، تجاوزتُ أنا مع فتيل البول رقم 13 في معمل استاك الطبّي بالخرطوم. عبر سَحْبَة لم أكن أدري ساعتها كم من الأنياب السامّة انتقت فيها أصابعي.
لن أنسى تلك اللحظة التي اصطدمت فيها أعيننا ببعضها بعضاً، قادحةً بشرر اصطدام سيفين في مبارزة ذات مستوى رفيع لعظمة المتحاربَيْن على حَلْبَتِها. غزتني، نعم غزتني فوراً، ونَمَت عيناها الصفراوان -حينها- بداخل عينيَّ بسرعة نبات لويس متسلِّق، شَقّت جدراني وأزهرت في لمحة من تلك المواجهة المبتورة.
"آآآ.. لو سمحتِ..".
تلعثمتُ، كنتُ أُريد سؤالها عن اسمها، أو معرفة أي شيءٍ عنها. ولكنها عبرتني بقامتها الرمح، المسنونة لدى حوافها، وذات القناة الطويلة لقطف ما هو سامق من رؤوس الفرسان. لا أدري إن لم تكن قد سمعتني، أو ربما تجاهلتني عمداً، فالمكان والمناسبة مشرعان لأنين المرضى فقط، وليس من الصحّي إطلاق همسات أحبّة بوسط معمل استاك الموبوء أصلاً.
لمحتُ فتيل عينة البول في يدها، الرقم 13، وقرَّرت تعقَّبه لدى موظَّفي المعمل بعد أن تنصرف هي، لأنَّها مريضة مثلي والظرف حرج للغاية.
الفتيل الشفَّاف، ذو العنق الوسيم، والمليء بالسائل الأصفر، البول، أو بلازما عمري القادم. رأيتُ فيه حياتي المستقبلية بكل وضوح، والأكيدة دون شك. الحياة التي يمكن برهنتها عبر الميكروسكوب مثل أي كائنات مجهريّة لعينة تسبح بالداخل الآن. عوضاً عن حياتي السابقة تلك، التي كانت كأنما تجري بداخل كتاب، ليتأكَّد لديَّ في كل ثانية أنَّني عشتُها صفحةً صفحة، ومللتُها سطراً بعد سطر. ولم يعد من الممكن البقاء بداخلها مطلقاً، فكلّما تحرّك منّي عضوٌ اصطدم بأحد الغلافين.
قلتُ لنفسي بجنون قفز فوق آلام مرضي ساعتها، أنا لستُ الإنسان الذي في كتاب، ولن تحدَّني الأغلفة بعد اليوم. طاردتُ أية معلومات مفيدة عن منبع ذلك السائل الأصفر، لدى موظفي استقبال المعمل كلّهم، يسألونني واحداً بعد آخر، قلتَ من؟
"آآ.. أيوة، الأخت، الأستاذة، أقصد صاحبة العينة، كانت تجلس على هذا الكرسي".
- أية عينة يا أخ؟
سئمتُ الموقف كلّه، فقلتُ له بمَقَصِّ ضَجَرٍ لا لسان، "أعني يا أخي صاحبة عينة البول رقم 13 التي كانت تجلس على هذا الكرسي الأصفر، هل فهمتني الآن؟".
ها قد قصصتُ التساؤلات من ناحية ذلك الموظَّف، ليطالعني هو باستغراب. فمن يقصَّني أنا من عيون هؤلاء المرضى ومرافقيهم الذين لفتتهم ربكة أجوبتي الأولى على أسئلة موظَّف الاستقبال؟
لم يعد الآن من الممكن ولا المفيد سؤاله عن أي شيء يتعلَّق بتلك الفتاة. فالرجل، وكل من كانوا في الصالة، قد أخرجوا عيون البشر الأخرى، المخبأة تحت الكياسة، والتي تُستخدم في التأكّد من كون الناس مجانين أم لا، ليفحصوني.
لا فائدة الآن مع تطفل بهذا الحجم. غافلتُهم كلّهم، وتسللتُ لباطن المعمل، إذ فرضوا عليَّ مراقبة جماعية بعد ملابساتي تلك. لأعيد ذات التمتمة الخرساء على موظَّفة الفحص، وبلا فائدة.
- آسفة يا أستاذ، معلومات مرضانا سريّة، لا يمكن أدّيك عنوانها ولا تلفونها.
ولكن إجراء تلفون متوسِّل إلى أحد أصدقائي ممَّن كانوا يخدمون سابقاً بالمعمل حلَّ هذا الإشكال، مع اشتراط أن لا أُدخل زملاءه في مشكلة. وإن نسي ذلك الصديق أن يوصيني أنا أيضاً بالابتعاد عن المشاكل، فقد أدخلتُ نفسي في كارثة رسمية بإضافة مواعيد عَرَضيّة جديدة إلى مواعيدي المقيمة سَلفَاً. وهي مواعيد انتظار مَريَّا أمام منزلهم يومياً بعد انتهائي من دوّامي، وانتهائها هي أيضاً من دوام عمل في مكانٍ ما لا أعرفه.
مرتقباً بهذا الانتظار فرصة مناسبة تُمَكّنني من التعرُّف عليها بشكل غير اقتحامي. إذ لا بُدَّ من فرق بين الطريقة التي يُلقي بها البوليسُ القبضَ على محشِّش بنقو، وكسر خصوصيته. وبين الطريقة التي يُلقي بها الرجلُ القبضَ على عروسه، وكسر خصوصيتها. مع الاعتراف بأنَّ الحالتين تكسران الخصوصية، تليقان بالبوليس، وتنتهيان بالسجن.
وفي مواعيد مجاوزتي معها باعتبارها ورقة بنت شيريا مناسبة، وجدتُ نفسي ببطن مجاوزة مع السُّم رأساً برأس!
رأيتُ العقارب تتساقط من جسد مَريَّا وتعدو في كلِّ ناحية، بينما جمهرة من الناس تضج وتزعق، ثم تفر.
وهي تضحك، العقارب تنمنم لونها الخمري بلون مصفرّ، قاتم، وثقيل. هَلْبُ شعر عنقها وساعديها الأصفر، يشقّه هَلْبُ العقارب الأصفر وشوكاتها المُشْرَعَة بطول مناشير حيتان. بينما الأطفال الصغار يفرّون من وجهها، لتلاحقهم، وهي تضحك.
تركتُ مفتاح عربتي في طبلونه، وركضتُ ناحيتها مدعياً الهلع، إذ لمحتُ ذلك الحاوي الجوَّال الذي كان يعرض ألاعيب سحره بتلك العقارب. هي لم تخف منها، بل حشرت يدها بثبات أكثر منه في كرتونة العقارب تلك وأخذت تفرغها على جسدها، من أعلى رأسها نزولاً نحو صدرها، استحمّت بها.
أفشلتْ للحاوي أقيامه games، بدُش عقارب أخذتْه في شارع عام. هنا، بالضبط، بدأتُ أنا قيمي.
- وااو.. مش خايفة يا مجنونة!؟
تأملتني بصبر مستبد، وأجابتني باستشراف على رؤوس أمشاطها، لتحاذي قامتي، أهلاً بعقلك الجبان.
دسستُ ورقة في يدها، على الفور، ببيانات استشهادي. تنصُّ الورقة على أنّني هاربٌ من حتفي، مُذ شَمَّموا رائحتي لخناجر أشواقها، فتبعت المَقاتِلُ دربي قَصَصاً.
أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً.
فهي نيلي الأوَّل وقطاري الأخير.
واليوم، بتجاوز أوراق كتشينتي لدى مواعيد العقارب تلك.. أدركتني خناجر الأشواق كلّها.
مشتاق ليك يا مَريَّا، لامن خنجر الشوق المدقوق في القلب للعود.. عودو يخضّر.
نعم، خنجر أشواقك مغروزٌ في القلب حتّى عود مقبضه، وسأتبع ذلك الشوق إلى أن يخضرَّ عودُ ذلك الخنجر.
سألتني عن ورقتي الاستشهادية، التي كنتُ قد جهّزتُها قبل زمن.. عبر طقطقة أسنان فَكّيها مع بعضها بعضاً، ما يعني: أتمضغها؟ أم ماذا تفعل بها!؟
قلتُ لها، أنا أعمى. مددتُ تلفوني إليها، وطلبتُ منها أن تنقل محتوى الورقة لرسالة sms لأجل امرأة صرعتني منذ أوَّل مبارزة لعينيَّ مع عينيها الصفراوين -حينها-، ففعلتْ، وإنْ بتلاعب مستفهِم، مع ابتسامة سُخْر، تجعل من غمَّازتي خدّيها حفيرين يملأهما حامض الكبريتيك.
استعجلتُها قائلاً، أرسليها.
- إلى أين؟
"إلى قلبك".
ضحكتْ بمرح المفاجأة، حين أمللتُ عليها رقم هاتفها. شكراً لعينة البول رقم 13، المصابة باليرقان، مُسَبِّب اصفرار العيون. ملأني إحساسٌ بأنني أُملل أوصاف قبري على معول حَفْر، بعُمق كذا، بطول وعرض كذا، وإلى آخر تشطيب اللحد.
- واسمك منو يا شاب؟
"سامي".
احتضنتني في شغب، وبما يُبَرعم لغابة وحشية كاملة ستنبت في المستقبل. كي تسقط من على صدرها.. إثر احتكاك ذلك الاحتضان، آخرُ العقارب المتعلِّقة بثيابها. ولتلدغني أُولى العقارب المتعلِّقة بنزوات جنونها المغامر، والعدمي. ومن لحظتها، بدأ زحفُ تلك الحشرة السامَّة في صدري، صفراااء.. عيار 21 من الغَيْرة.
very nice indeed
keep it up
thank u



بسمله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2009, 12:54 AM   #[10]
محسن خالد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية محسن خالد
 
افتراضي

بسملة
ألف شكر لك على التحية والدفع
ومرحبا
a lot of thanx



محسن خالد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2009, 07:15 AM   #[11]
معتصم الطاهر
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معتصم الطاهر
 
افتراضي

محسن

ما زلت أيها القلم الشقة فى سخريتك القديمة

ألم ترعوى وانت تورينا سماحة الدنيا و سوءة شوفنا رغم تمام الرؤية ..

و برضك بخيل ..

نتحينك كثيرا ..



التوقيع:
أنــــا صف الحبايب فيك ..
و كـــــــــــل العاشقين خلفي
معتصم الطاهر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-05-2009, 10:30 AM   #[12]
مواطن
:: كــاتب نشــط::
 
افتراضي

الأخ محسـن ..
أمتعتني تعبيراتك التي تكاد تختلج ..أفرد إعجابي بهذا النص الأدبي الرفيع ..
أشكرك حتى الآن ...



التوقيع: [align=center](تبارك الذي بيـده البـؤس وبعـض ومضات المنـى
ويمـشي بيـنـنا)
[/align]
مواطن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-05-2009, 10:37 PM   #[13]
الجيلى أحمد
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية الجيلى أحمد
 
افتراضي

خيانة بالألوان


[flash=http://www.youtube.com/v/SxX6pYrvGy4&hl=it&fs=1]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash]



التوقيع: How long shall they kill our prophets
While we stand aside and look
Some say it's just a part of it
We've got to fulfill de book
Won't you help to sing,
These songs of freedom
'Cause all I ever had
Redemption songs
الجيلى أحمد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-06-2009, 08:32 PM   #[14]
مي عبدالعظيم
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية مي عبدالعظيم
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد مشاهدة المشاركة
[align=center]مذكّرات
الأصفر[/align]
نعم، كنتُ أوفى من الموت لمواعيدي، مع أكيد علمي بأنَّ مجرَّد الإيفاء بمواعيد غَزْل رباط الحذاء، التي تُكَلِّف عِدَّة ثوانٍ فحسب، هي في الحقيقة تنتيفٌ جِدِّي غاية الجدّيّة لغَزْل العُمُر ككل.

السيد محسن خالد

ليك مليون تحية وسلامات وانت بتشبع جوانا لهفة قراية كلام لا بتسمع ولا بتقال
....



التوقيع: There a light
A certain kind of light
I want whole my life to be
To live it with you
Live it with you

مي عبدالعظيم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-08-2010, 12:45 PM   #[15]
كادي
:: كــاتب جديـــد ::
الصورة الرمزية كادي
 
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد الحاج مشاهدة المشاركة


أها يا محسن متل تعابيرك دي البتخليني أفتش عن اسمك وين ما كان..

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محسن خالد مشاهدة المشاركة
أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً.
و أنا كمان سيم سيم .. نفس شعور خالد ..

محسن مأهول بالضوءِ و جحافلِ الفرح .. و احنا مأهولين بـ إبداعه



التوقيع: رائــ الورد ــحة //*
كادي غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

تعليقات الفيسبوك


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

التصميم

Mohammed Abuagla

الساعة الآن 06:38 PM.


زوار سودانيات من تاريخ 2011/7/11
free counters

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.