عادت إلى أمها في ذلك المساء، صريعة الفكر والحروف. تعلّلت بالمرض واندست تحت الأغطية، يتواتر بخيالها طيف الجني الساحر. انقطعت عن الساحل لأيام، قابعة في فراشها؛ على صهوة القلق والشرود. لكن أشواقاً تمور بصدرها؛ دفعت أقدامها إلى البحر، مساءاً.. وتكررت لحظات الوجد والشجن..
وبينما الأم تعمل بلا كللٍ، استعداداً لزواج أصغر أبناء التاجر، قالوا لها: اخترنا ابنتك لتقديمها كأجمل هدية لوالد العروس. بعد ظهور الهلال ستقلع المراكب إلى الحجاز، تحمل الهدايا وجهاز الزفاف.. وحين علمت البنت باختيارها هديةً لرجلٍ عجوز، أسرَّت إلى أمها بأخبارها، ولقاءاتها مع الجني الشاب.. ذعرت الأم، وبعد لحظات من الذهول.. لطمت خديها، ولولت متسائلةً عن صدق الرواية، رنَّ صوتها حزيناً: هل يمكنني أن أراه؟ ومضت أيام وهي لا تريد التصديق.. وفي ليلة ماطرة، تواصل حوارٌ شائك، ولما ارتفع آذان الفجر، توسلت إلى أمها كي تسمح لها بالرحيل، فهمس الصوت الحنون:
- وحدك، ترحلين إلى المجهول!!
- انه معي. سأعيش معه حرةً، كريمةً
- ومن هو؟
- انه طيب.. وأهله يكرمون الضيف
- ولن أراك ثانية!؟
- من يدري
مضت لحظات عصية.. فقالت البنت:
- وإذا حملتني المراكب إلى شيخ الصحراء، فهل سنلتقي مرةً ثانية؟
- لست أدري..
ظلت الأم وسط دوامة الحيرة والأرق، تقلـِّب خياراتها، بحثاً عن خلاص. تردّد سراً، همهمةً وجهراً: ((العبودية أم المجهول)).. وعندما ظهر الهلال في سماء المدينة، تسللت الأم وابنتها من الدار، خلسةً. وسط الأزقة، سارت الخطوات المرتابة على أسنة الفزع، والصمت. عند الساحل توقفتا.. رفَّ الوجدان ثم تعانقتا. انفلت نشيج محموم.. وسالت دموعٌ حارقة. وحيدة واصلت الابنة سيرها؛ يسترها الظلام وعلاَّم الغيوب.. وانتصبت شرايينها صوب السماء؛ توسلاً، وتضرعاً، ودموع. غازلتها نسمات الرجاء، ترنو للهجوع، على أريكة من سندس الحبور.. عند ظل وغدير، وكأنما داعبتها نسمات السرور,. الجنّي أمامها، وحولهما رفرفت سبع جنّيات. قال لها: ((ستحملك الفتيات إلى عيون موسى؛ وسأمضي لانتظارك في قصر الأحلام)).. اختفى، وتركها زائغة البصر.. كسيحة الخيال، وحولها الفتيات يتمايلن مترنمات:
أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم
كخيام قيدار.. كشقق سليمان
ها أنت جميلة يا حبيبتي. عيناك حمامتان
ها أنت جميل يا حبيبي وحلو وسريرنا أخضر
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات
رفيف الأجنحة ينضح عطراً. طِرْنَ بها، سابحات في الهواء إلى صحراء التيه. هبطن على الرمال عند السفح، حيث ينبثق الماء من الجبل. قلن لها: ((سنغسلك من أدران الماضي، ونمضي بك إلى قصر الأحلام، ناصعة الخاطر والوجدان)).. الأنامل اللطيفة دلكت جسدها بالماء المنساب من عيون الصخر.. الترانيم توشوش صدرها. وبينما هي على قوس الرجاء؛ في خضم ارتعاش التوقُّع، انداحت رؤاها إلى سواحل المدينة:
قبسٌ تلظى عند الأفق، ثم تناثر على حافة العتمة. شعلةٌ خفقـت والليلُ ساجٍ، رفرف اللهيب يخضِّب الآفاق. آلاف المشاعل على السواعد.. إنهم قادمون، فوق الموج، قادمون. تحت أستار الظلام يشتعل الضياء، وشوقٌ دفاق. الأقدام ساعية فوق الرمال. انداح اللهيب المتصاعد أنصاف دوائر.. قبسٌ ينبض في الأحداق.. وجوهٌ سوداء.. أسنانٌ بيضاء، عيونٌ لامعةٌ كسؤالٍ صريع. المشاعل ترتفع عالياً، الأقدام تجوب الأمواج إلى الساحل، المزدحم بالعناق. قبسٌ خفاق.. والمدينة أطلالٌ، حجارةٌ فتات.. وحول الركام تنعق الغربان.. تهـوِّم القطط، الحكايات والمحن. توهَّج حولها الساحل: مراكب شراعية مكدسة، العيون لامعة، الخرز على الرقاب.. كتلٌ من الأرواح البشرية ترسف في الشقاء..
|