[align=center]حول اللغات العامية السودانية [/align]
الأحباء : وليد
محمد أحمد
الفــيا
تحية طيبة وكثير احترام .
(1)
ساقتني قدماي إلى كهوف حجارتها مُسننة ، وقدماي حافيتان ،
وذهني مُتفتح ، ودخلت بوست كتبه ( أبنوس ) في سودانيزأونلاين عن درمنة السودان وسودنة أمدرمان . كتب أبنوس واصفاً أمد رمان بأنها قد سودنت كل الثقافات ومحت هوية اخوة الوطن المتعدد الهويات والمهمشين .
سيطرة إعلامها وأغاني حقيبتها ، وتعالى ما اصطلح على تسميته الوسط النيلي على غيره من المهمشين في أرض السودان ، وبسط الإسلام المستعرب لغته ومنهجه و ثقافته وحياته ، في حين أن أهله في حقيقتهم مشكوكاً في أصولهم العرقية وتحدرهم من عرب الدنيا ، لوناً أو لغة أو ثقافة غلبتها المحليّة.
وختم الكاتب حديثه بأنه قد آن لأمد رمان أن تتحجم ، بلغتها وثقافتها ،فما أتعس تلفازها وهو يتأسلم . وذكر أن الحديث عبارة عن (خربشات) حتى يعفي نفسه من التدقيق والمساءلة ، وقد كتبت أنا بعض الردود أملاً في رفد ( الإسلاموعروبية ) التي خرَّجها بألفاظه بشيء من تاريخ السودان منذ (شبتاكا ) قبل أكثر من آلاف الأعوام، ثم الممالك المسيحية ، ثم أبو السرح وهزيمته بواسطة النوبة مما اضطره لقبول ( البقط ) وهي كلمة نوبية تعني الاتفاق ، وهي بخلاف الخيارات المعروفة للفتوحات الإسلامية ، ثم عرجت على دخول الإسلام لممالك النوبة ، وهجرة العرب قبل وبعد الإسلام ، وذكرت أن أمد رمان كوَّنها أهل الريف الذين استردوا الخرطوم من غردون باشا وعسكروا أمد رمان قبيل استرداد الخرطوم في 25 يناير 1885 م وكانت الأرض بها أشجار السدر والحشائش الطفيلية ، وأن أمد رمان تكونت قبل 130 عاماً ، ودخول العربية والإسلام ( النسخة العامية والإسلام الشعبي )كان أسبق ،وكانت مراجعي نصوص من منشورات المهدية حققها بروفيسور أبو سليم ومقدمة سفر برفيسور محمد عمر بشيرعن تاريخ الحركة الوطنية في السودان منذ أوائل القرن الماضي و الذي ترجمه عن الإنجليزية هنري رياض والجنيد على عمر ، وذكرت المنشور الذي استدعى فيه الخليفة عبد الله أهل الريف للقدوم لأمد رمان . وأمدرمان من قبل ومن بعد أمم تساكنت ، وأنبتت لغة عامية تغيرت وتبدلت وتطورك وأخذت من الأجناس والثقافات والإثنيات التي سكنتها . تعايشت ومن حضر إليها أخذ من لونها الثقافي .
أما جور القسر الثقافي فهو صنيعة السياسيين والحكام ، وليست صناعة مدينة . كنت آملاً أن يقدم المتداخلون من خلال الخلفية التأريخية تشريحاً للأزمة وأسبابها ، بديلاً عن سب المُدن . وقد ابتأست كثيراً للردود الإنتقائية ، وتجاهل المناهج ، بل وحتى تبخيس علمائنا دون معرفة بهم ! . والخلط بين رواية التاريخ و الأيدولوجيات !...
(2)
لا أريد الدخول في التفاصيل ، ولكنني أوردت ذلك لأنني تنبهت أنه
حتى عاميتنا التي نعرفها ، يعترض علينا فيها الكثير من أبناء وطننا السودان !! .
الموضوع شائك وعميق ، ونحن نعاني من التنوع الإثني واللغوي ، والثقافي ، والإختلافات الطبقية والتعليمية والدينية ، الأمر الذي يصبح معه الحديث عن عامية واحدة هو أمر قيد النـزاع والخلاف . والحق يقال أن في السودان أكثر من ( لغة عامّية ) .
فمثلاً دكتور ( أبو منقة ) في معهد الدراسات الأفريقية والأسيوية بجامعة الخرطوم ، مع نفر كريم من الأساتذة والمهتمين قد قطعوا شوطاً في تدوين ما يطلق عليه ( عربي جوبا ) وهو مشروع لغوي كبير ، وعربي جوبا هو اللغة الوحيدة التي يتحادث بها أهل القبائل المتنوعة في جنوب الوطن ، ومنذ زمان بعيد زرت جوبا ، وكان عام 1972 م ، وكنت أعجب أشد العجب من لغة عربي جوبا ، وأتوقف كثيراً لمراجعة الألفاظ في ذهني حتى أتبين احتمالات المعاني . وذلك تاريخ أسبق من الأسلمة القسرية التي فرضتها قوانين سبتمبر ، ثم الإنقاذ .
(3)
كتب بروفيسور سيد حامد حريز سفر مميّز عن كيفية كتابة اللغة العامية التي يصطلح الحديث هنا حولها بـ ( العامية السودانية ) . وكتب منهجاً موحداً لكيفية كتابة التخريج الصوتي بالحروف العربية ، وهو إنجاز على طريق التأسيس على أن تصبح العاميات العربية داخل السودان لُغات حيّة قابلة لتكوين مفرداتها ، وقواعد نحوها ، والتدوين …الخ .
عموماً لا يوجد لدي نص ذلك السفر ، وقد وعدني أحد الأصدقاء بأن يعيرني إياه ، ولم أزل أنتظر ! .
(4)
هنالك أسئلة تنتظر الإجابة ، ومنها :
دراسة تاريخ اللغات ، وفرز الهيمنة القسرية للغة ، من الصراع اللغوي الحُر الذي تدحر بقوانينه اللغة القوية اللغة الضعيفة تكويناً ومفردات ،كما يحدث في الاقتصاد من سيطرة البضاعة الوافدة و الجيدة والرخيصة الثمن على بضاعتنا الوطنية عالية الكلفة وسيئة الصنع !!
كيف تكونت اللغة السواحيلية ( وهي خليط من العربية واللغات الأفريقية ) وكيف تم تدوينها ويتحادث بها الآن الكثير من الشعوب الأفريقية . أهو صراع بلا غالب ومغلوب ؟
الموضوع كبير ويحتاج لمختصين في حفريات اللغات ، وصناعتها .
كُتبت لغة الدينكا بالحروف اللاتينية منذ أواخر السبعينات ، وكانت مفرداتها أقل من ألف كلمة ، ولست أدري الآن كم صارت زخيرتها الآن ؟.
أسس بروفيسور عون الشريف قاسم لمعجم اللغة العامية السودانية ، وقد بنى أسفاره على اللغة العامية الغالبة ، وتشمل مناطق تتناثر من بؤرة وسط السودان بحراك غير منضبط شمالاً وجنوباً ، شرقاً وغرباً . ورغم الملاحظات الكثيرة على الأسفار التي صاغها عون الشريف ، فان انجازه يقف شاهداً لصبره وعزيمته في عمل شغله أكثر من أربعين عاماً ، و يعد لبنة طيبة للتأسيس للغة يمكن أن تُعبر عن الكثير من مفاتيح بوابات هوية بعض أجزاء أهل السودان ، وتحتاج صياغة النحو والقواعد وشُعب اللغة لتنمو ...
يقول كثير ممن تحادثنا معهم من أمم عربية أخرى ، أن عاميتنا أكثر سرعة بحيث لا تترك المجال للآخرين ، لمضاهاة الألفاظ ومعرفتها ، وتذوب الأحرف وتتداخل الكلمات !!
هذا قبس استثاره الموضوع ، وليس لدي من بعد وعكتي الصحية إلا أن أعدو رشيقاً بين الألغام
.. ويحتاج الموضوع الصبر والثراء من المتداخلين .
عبد الله الشقليني
15/11/2005 م
التعديل الأخير تم بواسطة عبدالله الشقليني ; 17-11-2005 الساعة 06:02 PM.
|