أبو حازم .. نهر عسل الحكايات المنساب أبدا
يا جميل يا نور الشقايق
املأ كاسك و اصبر دقايق
مجلسك مفهوم شوفو رايق
عدو ناقص زول ولا تام ..
( خليل فرح )
حينما التقيت بالسيد احمد ابو حازم لاول مرة منذ خمسة عشر عاما علي رصيف الوراقين بالقرب من السور الشمالي للجامع الكبير كانت هناك شجرة نيم عالية أدموا جوفها بالمسامير و ملصقات الإعلان و بائعة شاي شاحبة الملامح علمت لاحقا ان رجالا تتبعهم قافلة من سيارات الشرطة كانوا يرفعون راية مكتوب أعلاها ( من اجل عاصمة حضارية ) قد أقصوها بفعل القوة لأجل إزالة التشوهات الحضرية عن المكان و كان هنالك أيضا رجل معتوه يرتدي بزة عسكرية مهلهلة و يعصب جبينه بشارة حمراء ظل يذرع الرصيف حافيا من بدايته الي نهايته و هو يرفع عقيرته بصيحات الجنود في الحرب يحملق فيه اسكافي متبلد الأحاسيس ’ شحاذ ضرير و باعة متجولون . رجال و نساء كثر يبدو أن غالبهم قد قدم من مناطق السكان الأقل نموا , في حين بدا النهار و كأنه يدفع موجة عاتية من الأسى نحو بحر المدينة التي بدت بالمقابل مثل سفينة تتقاذفها الرياح و هي توشك علي الغرق .
أذكر كيف التقينا في ذاك اليوم و أذكر أيضا بصات المايقوما و الفتيحاب و ام بدة حمد النيل و الناس يتدافعون صوبها و حتي عناوين تلك الكتب المصفوفة امام البائعين (حكومات العالم الخفية – فضح اسرار الماسونية ) ( امل دنقل – الاعمال الكاملة ) ( تاريخ السودان الحديث –نعوم شقير ) ( كتاب المطالعة للصف السادس الابتدائي ) ( اضحك بسرعة – احلي 1000 نكتة ) ( حول العالم في ثمانين يوما ) و ما زلت اذكر أيضا الرجل الذي قدمني إلي ابي حازم . كان احد الوراقين , قصير القامة لكن همته عالية و فمه حين يتحدث ينفرج في الغالب عن ابتسامة حلوة بدت كافية جدا حينذاك لازالة وعثاء النهار و مشقته البالغة .
تطلعت الي ابي حازم في دهشة كبيرة , رجل طويل و اخضر , تماما مثل شجرة النيم . يبدو أن الأيام قد أدمت جوفه كثيرا لكنه ما يزال يمنح افيائه للجميع هكذا بلا مقابل و تعلو ثغره ابتسامة عذبة مثل نهر موسمي سريع الاندفاع و بالغ الصفاء . يدخن بشراهة و صوته ينساب هادئا لكنه مجلجلا بالخشوع و المحبة مثل اجراس كاتدرائية عتيقة .
قلت له ( كأني التقيتك قبل هذا في زمان ما , مكان ما . لست أذكر علي وجه التحديد ) ضحك و قال ( المهم اننا التقينا ) و حين انتصف النهار كان قد قرأ علي نصا قصصيا بديعا بعد أن قضينا علي علبة سجائر كاملة و أربعة فناجين من القهوة ثم أرتفع صوت الأذان من المئذنة العتيقة . صوت ذو نبرة فاترة و متراخية , كأن المؤذن كان يحاول ان يعثر علي صوته الضائع بينما اخذت وتيرة الحركة في الشارع تتصاعد بصورة مزعجة . هؤلاء القوم تغص بهم الطرقات و الساحات و ميادين المركبات العامة , يجيئون من نواحي البلاد كلها , جلهم ذوي مسغبة و احزان موجعة . سحناتهم شتي لكن كدر الهم علي الوجوه واحد . تري أين يقصد هذا العجوز ذو السبعين عاما مثلا و قد احتسي كوبا من عصير المانجو ثم غرس بصره في أرداف احدي الفتيات المتبرجات قائلا ( لا حول و لا قوة .......) و ذاك فتي عشريني وحهه يقول أنه من بلاد البجا و محبوبته التي تسير الي جانبه قمحية اللون و فارعة الطول و امرأة كأنها سنبلة القمح لكن جفاف الحقل و قد ذهب بنضارتها و رب صبية تبيع الدردونما و النبق و قد الحت عليك في ان تبتاع منها و لكنها التجأت الي ظل الجامع حين كسدت بضاعتها تاركة بصرها و هو معلق في وحوه السابلة .
جلست و ابو حازم نتأمل الناس و الاشياء في الساحة الواقعة غرب المسجد و كانت الساعة تشير الي الثالثة ظهرا . صوت برنامج ( عالم الرياضة ) ينطلق من مطعم شعبي . قال :
(شوف مثلا هذا الرجل ذو السبعين عاما قد يكون احد المحالين للتقاعد و انه ربما قدم الي المدينة كي يقوم بصرف معاشه الشهري و ربما هو الان كذلك يرجع الي اهله و هو خالي الوفاض و تلك المرأة انظر اليها يبدو انها كانت بديعة الحسن في شبابها الذي أفل سريعا بفعل الفقر و الأزمات الا تبدو أيضا ا مثل قديسة تقبع في دير بعيد و هي تقوم برعاية كاهن عجوز مصاب بداء السل ؟ )
جلسنا نمارس عادة التأمل في وجوه الغادين و الرائحين و كان ابو حازم يذكرني دائما بان القاص الجيد لابد أن يتمرن علي قراءة وجوه الغرباء و استنطاقها و عندما حل اول المساء سرنا باتجاه شارع الجمهورية . جلسنا في مقهي اتينيه قليلا و بعدها تسكعنا في شارع القصر حتى انعطفنا ناحية اليسار باتجاه سينما كلوزيوم التي كانت أشبه بامرأة حزينة فقدت أبنها الوحيد في الحرب
|