صولجان قابيل أم غصن الجنّة
ما أسّس صولجانات البشر!
تابعنا شطراً أو اتجاهاً سارت فيه رموز اغتيال هابيل، كي تؤسِّس للقبة والصخرة والبيان، وكذلك الرايتين اللتين تُغْرَزان على البيان، والبخور.. إلخ وهذا اتجاه واحدٌ فحسب من سير الرموز الخاصة بهذه الحادثة، فهي قد سارت في الاتجاهات كلها ومعظم النواحي.
فالكبش الذي قدّمه هابيل الراعي قرباناً وتُقبِّل منه تنزَّل من بعد في دنيا الرموز وامتدت به الأزمان
الوثنية والطِّوَل إلى أن تأسَّست عليه رموز ديانات الإله آمون الذي رمزه الكبش.
مدينة الاسم شندي، تعني في اللغات السودانية القديمة والمعاصرة "مكان ذبح الكبش" وهي الإشارة إلى أنّ المنطقة التي تم فيها تقديم القربانين لله سبحانه وتعالى هي مناطق شندي في العموم، ليس بالضرورة مدينة شندي على وجه التعيين. وهذه المعلومة كانت واضحة أتم الوضوح لدى الأقدمين جداً من البشر، ولكنها صارت نقطةً غامضة بطول مرِّ الزمان وكرّه، رُغم أنَّ المنطقة بأسرها بقيت على الدوام شيئاً جوهرياً بالنسبة للأديان وبناء بيوت العبادة. فالأديان السودانية القديمة بجميع أنواعها ركّزت على هذه المنطقة (من السبلوقة إلى الدامر)، سواء تلك الأديان التي كانت تحترم الكبش والإله آمون باعتبارها أدياناً هابيلية يربطها تمجيدٌ لهابيل "أو" عقدة ذنب دينية تجاه موته القاسي. سواء تلك الأديان الضدية التي تكره هابيل الراعي وكبشه وتنحاز لقابيل المزارع وصبرة قمحه الفاسد التي قَدَّمها قرباناً.
ونجد أنَّ مدينة شندي تقع وسطاً بين كبوشية والبجراوية حيث يقوم معبد آمون وساحة الكباش الكبرى، وبين النقعة والمسوَّرات حيث يقوم معبد الأسد في المنطقة المجاورة إلى حدٍّ ما لمدينة الاسم بانقا.
الاختلاط الذي نجده من كون هذه المعابد تتداخل فيما بينها رُغم أنَّه يغلب على المنطقة طابع دين مُعَيَّن، يعود إلى صراع هذه الأديان فيما بينها حسب السيطرة السياسية للدين المُعَيَّن. فلو كان الفرعون السوداني أو المصري من المؤمنين ببقايا الوثنية الهابيلية "أو" ضدها -القابيلية فإنَّه يهدم بدءاً الأبتيات الأخرى التي لا توافق رموزها ديانته، ثم المعابد الأخرى والرموز الأخرى ويشيّد معابد ديانته ورموزها وحدها، كما فعل أركماني حينما هاجم معابد البركل وقام بتصفية كهنة آمون بكباشهم وأعاد معابد الأسد مرة ثانية، بعد نقل الدولة كلها إلى مناطق ذبح الكبش من جديد، وتغيير الكتابة من المصرية المعلومة إلى اللغة التي لم تقرأ إلى اليوم. وفي تقديري هي لغة معبدية قديمة للغاية تتعلّق بالوثنيات الأولى للأسد من التاريخ البشري، حينما كان الأسد يمثل رمز السودان، ثم انتقل عبر التاريخ ليمثل الأسدان الملتقيان برأسيهما، السودان ومصر، الأسدان اللذان يَرْسُمَان بتناطحهما الرأسي شكل القُبّة الهابيلية وهيئتها، والأسد هو رمز سوداني جنوبي بلا شك وإلى تاريخنا الحاضر.
وهذا هو سرُّ ارتباط الأسد بنعش الميّـت والقبّة في آن (معاً) دقّق في الصورة أدناه
ومما يجدر الإشارة إليه أنَّ معبد الأسد في النقعة كان يحتوي على منحوتات قديمة جداً تُمثِّل الأب ومعه الابنين الراعي والمزارع، فتم شطبٌ ومحوٌ لهذه اللوحات وجرى الرسم عليها من جديد في حقبة ثانية.
وصراع الرموز الأزلي هذا، محواً ثم كتابة، كتابة ثم شطباً، كان في حقبه المتأخّرة تؤثّر عليه مصر تأثيراً كبيراً، لأنّ الأصل –البدئي السوداني- لتلك الرموز قد نُسي، ولم تتبقَّ منه دلالاتٌ كبرى إلا على صعيد الجبل الطاهر، ما بقي على الدوام جبل الآلهة المقدّس من قبل فراعين مصر والسودان على مر التاريخ وكرّه دون تبديل أو انقطاع. وهو الجبل الذي أنزل لديه آدم عليه السلام بالباسنة، الأداة التي تم بها الإنزال، وهو الجبل الذي تأسّست منه فكرة جبل الأولمب، جبل الآلهة، فالوثنيات المتأخّرة قامت بتأليه الجد آدم لما معه من علوم فارقة عن علوم البشر علّمها له الله وجاء بها من ذلك البُعد الآخر الذي كان يعيش فيه. بأي حال، إيمان الفرعون المصري كان يؤثّر بالضرورة تأثيراً كبيراً على عالم الرموز، وكلما طغت الرموز المستوحاة من بيئات السودان، على رموز البيئة المصريَّة "مثلاً"، فهذا يُشير إلى عِدَّة افتراضات بالوسع التحقيق فيها لمعرفة أيِّها الأرجح، عندما تكثر الرموز الجنوبية بحال الثعبان والتمساح والأسد والقرنتية على سبيل المثال، فالمتوقّع أحد الافتراضات أدناه:
1- أن يكون للفرعون المصري علاقة قوية وحسنة، رحمية أو دبلوماسية، تربطه بالجنوبيين عموماً، سواءٌ الذين بجنوب مصر، أو بالسودان الحالي كلّه. بما فيه جنوب السودان وجبال النوبة وسنّار الحالية، لا شمال السودان فحسب، المعروف من خلال النبتيين والكرميين، والمرويين.
2- أن يكون الفرعون المصري ينتمي للجنوبيين عموماً.
3- أن يكون الفرعون المصري من المعتنقين لإحدى ديانات الجنوب.
4- أن يكون الغالب على سوق صناعة الكتابة، والأبرع فيه، فَنِّيِّون ينتمون إلى الجنوب عموماً.
5- أن يكون نفوذ كهنة الديانات الجنوبية على المعابد والحياة المصرية أقوى من غيرهم.
وعوداً لموضوعتنا الأساسية عن الصولجانات، التي هي رموز مُباشرة، تحدّرت عن متعلّقات الرجلين، متعلّقات القاتل وضدها متعلّقات المقتول، متعلّقات الراعي وضدها متعلّقات المزارع، صاحب الكبش الأملح الأقرن، الذي يرد في "بعض" الروايات أنَّه هو ذاته الذي أُنزل لفداء إسماعيل، أي لم يُعَرّض لنار القرابين تلك وإنما حُفِظ لدهور طويلة في الجنّة وساقه جبريل من بعدها إلى إبراهيم عليه السلام، وضده صاحب حفنة القمح الفاسد، صاحب عصا الأثرياء الفخمة وضده صاحب عصا الرعاء، وإلى آخره من تفاصيل كانت لها صلة بالرجلين –أو توهّم اللاحقون تلك الصلة- فاستقرَّت بذلك في جوهر الرموز المعنوي أو شكلها الخارجي.
من أهم ما أنتجته هذه الرموز المُبَكّرة هو الاحتفال بعيد الزراعة الذي تأسَّس لاحقاً من خلال الوثنيات القابيلية لا الهابيلية. تاريخ هذا العيد ارتبط بتحديد مطلع العام الزراعي، بناء على الأوان الذي تَمَّ فيه قتل هابيل أو بالأحرى توقّعهم لذلك التاريخ.
الشاهد القمين هنا، هو أنَّ هنالك لازمة بدئية Prefix وهي في القواميس {لقبٌ يُصَدَّر به الاسم} ارتبطت بتسمية الاحتفالات، وهذه اللازمة نجدها مع تسمية أي احتفال كان، وهي {هــب HB}، مثال على ذلك {hb-sd} وهي تعني احتفال سد. ويقول القاموس الإنجليزي لمصر القديمة عن السلالة الأولى إنّها صادقت على احتفال يوبيل الثلاثين من الحُكم ومشهد أو احتفالية تطويقة الحقل التي يقوم فيها الملك بالركض بين زوج أو علامتين من علامات حَدُّوت الأرض -ما تناولتُه سابقاً من رايتيَّ البيان على القبر وربطته بهابيل وقبّته- دلالة على وضع سلطة الملك على كافّة الأرض*.
وهذه الجُملة حين كتابتها نلتقي برموز نعرفها تشمل الأيدي والأرجل والهيكا...
ولندع هذا الإيحاء في سمته الإيحائي لحين ميسرة في هذا الاتجاه.
من أكثر التقويمات دلالة على هذه الأحداث المرتبطة بقتل الأخ لأخيه موصولة بالزراعة والرعي وغيرها من التفاصيل هما التقويمان السوداني والقبطي الحالي.
قراءة الويحيد في التقويم السوداني وارتباط ذلك برموز الوَدَع والكرامة الأولى والثانية.. إلخ ليست موضوعتي الحاضرة، سأُرجئها لحينها، ولكن لنتأمَّل فقط في التقويمات البشرية هذه على ضوء التقويم السوداني المحلي، الذي أقترح إعادته للحياة من جديد فهو بادئة كل هذه التقويمات البشرية وسر رموزها.
التقويم السوداني القبطي العربي الروماني السرياني العبري
إلى حين أن نأتي لنبحث في المواسم الزراعية، وهل الويحيد هذا هو "قابيل" بعد أن قتل أخاه وأصبح وحيداً، ليكون في تَعْداد أبناء آدم هو ثالث أختيه إقليما ولوزا.
فـ((الويحيد يقال عن قصته إنَّه يقع بين الضحيتين والكرامات الثلاث ويُسمَّى بثالث أخواته، ممدوح أبَّارو، بتحرير))، حافظة المفهوم {تالِتِن الفي الدلكة مخالطهن}.
أم هو شيث "هبة الله" الذي عوّض الله به أبانا آدم ليكون هو ثالث أختيه بعد "الضحيتين" مصرع هابيل وهروب قابيل ليكون شريدا في الأرض ويؤسس وثنية النار {فَالآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ(11) مَتَى عَمِلْتَ الأَرْضَ لاَ تَعُودُ تُعْطِيكَ قُوَّتَهَا. تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ فِي الأَرْضِ(12)} سفر التكوين.
والروايات تقول إنّ الله سبحانه وتعالى عوّض أبانا آدم بشيث هبة الله بعد بكائه على هابيل "أربعين يوماً" وقيل "أربعين عاماً"، التَّعْدَاد الذي جاءت منه "أربعين الحِد" في الثقافة السودانية الحيّة لتاريخ اليوم، والتَّعْدَاد الذي قامت وثنيات الأسد والتماسيح بصنع المضادات له والتفاخر بها عبر القتال، الفروسية، الدماء (
مربعن دابي السار)
{غير خالد ما ليك تنين
ومقرقر دود
الأربعين
السار بوبا} ... إلخ فمن أهم الوجوه التي تُلتمس في ليركس الغناء السوداني أنَّه تدويرٌ للرمز الوثني، وكذلك في ليركس مجمل الثقافات البشرية، و"ربما" من هنا تدخل الحرمة على التبني لهذا الغناء بوصفه مختزنات الشيطان والوثن وأولى الجرائم البشرية.
وبعيداً عن خصوصية التقويم السوداني وحده، ما هو سرُّ المثنيّات-الثنائية في معظم هذه التقويمات البشرية؟
ونُرجئ هذه التساؤلات لحينها، فالتركيز منصبٌّ الآن على معرفة جذور الصولجانات والمحمولات من عصي وغير ذلك مما تشتمل عليه الرموز المُباشرة المتعلقة بالأخوين الراعي والمزارع، القاتل والمقتول، الشرير والطيب. وسنهتدي ببعض صولجانات هذه الصورة أدناه بلا ترتيب
في قراءاتٍ تقدّمت من هذه المادة أوضحت أنَّ الرموز تشي بأنَّه "ربما" بَرَكَ، وهي روح با + روح را + روح كا، الأنواع الأساسية للأرواح، بَرَكَ آدم لدى جبل البركل حين هبطوا من الجنّة جميعاً وقبل أن يتلقّى من ربه الكلمات لدى الكعبة فيتوب عليه ويتم رجم الشيطان هناك، فهذا المشهد لرجل بارك في الهيروغليف المروي شكّل رمزاً لمدخل الأبتية وهو حرف (ألف A).
ومن هنا أسميتُها بالأبتية فالصواب في رؤيتي أن تُسمّى جميع الأبجديات والألفابيت بالأبتيات، لأنها كانت تبدأ بالأب وتليه با الروح، وبما أنَّ هذه الأبتية على وجه التعيين تعود لحقبة وثنية فتنعدم بذلك الأيادي المرفوعة بالدعاء من الشخص البارك أعلاه، كما تُحال الأرواح الثلاث إلى حرف (ب B) كي ترمز للبقرة.
ثم تاء التأنيث القديمة التي كانت تسكن البعد قبل آدم من خلال الإنسان، التاء الأمية التي لم يعلّمها الله الأسماء كما علّم آدم.
ويُمثّل هذا الرمز العدد الأقيم على الإطلاق من تعداد الأقدمين وهو المليون، في الحالة بالضبط التي تكون فيها الأيادي مرفوعة بالدعاء ناحية السماء، وليس كما في صورة الأبتية المروية الوثنية أعلاه. وهذه مجرّد إشارات في طريقنا ليست موضوعتنا. انظر للمليون والثراء متى يكون! لا يكون، ولا يتحقّق، إلا بالتوجُّه إلى الله، وكل شيء عدا ذلك إن هو إلا وهم من الأوهام!
أيضاً طالعنا رموزاً تقود إلى أنَّ قابيل حينما قتل أخاه كان الأخ في وضعية دعاء لله عَزَّ وجل "ضراعة ترتفع فيها اليدان صوب السماء"، اللحظات التي كان يقول فيها (إنما يتقبّل الله من المتقين، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي إليك لأقتلك) كما يخبرنا القرآن.
فهاتان اليدان الممدودتان ناحية السماء في ضراعة شكّلتا أوائل المحمولات من صولجانات وعصي، قبل أن تحرِّفهما الوثنيات اللاحقة إلى قرون خرفان (كبش هابيل) وقرون تيران وإلى ساعدين أماميين من أبي الدرداق... إلخ
ويرتبط هذا الرمز أيضاً بالحروف التي عَبّرت عن أشكال حروف (المن) في حقب متأخّرة كما أوضحت ذلك في صيغ سالفة من رموز قصة الخلق.

وفي بعض الحِقَب كانت اليدان المرفوعتان بدون بقية جسد تدلان على الروح (كا)
ومما يجدر الإشارة إليه هنا أنَّ وجود الشمس بين قرنين، ما يملأ المئات من التماثيل القديمة ويشكل صورة شبه ثابتة –تقريباً- للإلهة حتور هو ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام من قوله الذي رواه البخاري {وَلاَ تَحَيَّنُوا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَىْ شَيْطَانٍ} وكذلك تدعّمه رواية مسلم في مؤدّاه العام لا الحرفي.
وفي تقديري أنّ هؤلاء القدماء امتلكوا معارف شاسعة استُخدمت في بناء علوم السحر والدجل وهذه الوثنيات التي وقف على تأسيسها الشيطان بنفسه ووفّر لها سبل الرعاية كلّها لا بُدَّ أن تحتوي على أشياء كهذه تتقاطع مع معارف الأنبياء، حتى لو بدت لنا جملة النبي عليه السلام غير مفهومة تماماً، في المعنى الظاهري للغروب والشروق كما تفهمه معارف اليوم الظاهرية، فالتسليم بكون هذه الجملة تحتوي معارف ما نجد له سنداً في هذه التماثيل الوثنية التي لم تصطنع من فراغ وإنّما من أفكار ومعلومات جلها قد غاب عنّا.
الرمز الثاني، صولجان واز، ظَلَّ محتفظاً بهيئته وبثبات كبير على مدى أكثر من ثلاثة آلاف سنة دون تغيير، فهو يتكرَّر ويُرى مع معظم الملوك وفي الحقب كلّها تقريباً، إنَّه صولجان واز Was-scepter نعم Was {الماضي لصيغة الغائب المفرد} كما يرد في القواميس، أي ما يدل على هابيل. ولكن الوثنية عكست معناه بالضبط ولنقرأ تعريف هذا الصولجان فنجد أنَّه يدل على قابيل {صولجان واز يُمثِّل السيطرة والقوَّة، كان شائعاً وسط الآلهة الملوك في العصور كلّها}.
هذا الصولجان في الثقافة السودانية الحية نجده شائعاً للغاية ويحمله رجال الدين مثل صولجان الضراعة والمن. الأمر اللافت أنّ هذه الصولجانات كلّها تتطابق في مُباددة غريبة مع ألواح خلاوي القرآن فهي واحدة من الموضوعات Objects التي تتجسّد فيها هذه الصولجانات مثل العصي تماماً، ولا أدري حتى الآن السر وراء هذا الترابط المُدهش والغريب في آن. الأدعى للتساؤل من ذلك هو أنّ الثقافة السودانية الحية تُسمّي العصا التي تحفظ لنا هذا الصولجان بـ(أم جبرين!؟) وكذلك تُسمّى الألواح التي تُبادد هذا الصولجان بالألواح الجبرينية، نسبةً إلى جبرين عليه السلام، ولا أدري لماذا أيضاً! ولا ماذا تعنى (أم جبرين)؟ وهل يمكن أن تفيدنا في فهم ذلك الألواح التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام، وربط تلك الألواح بجبريل أم ماذا! لا أدري إلى لحظتي الحاضرة هذه، وربما يتيسَّر سبيلٌ إلى فهم هذه المسألة مستقبلاً، والله أعلم!
بأي حال الحيوان الكلبي الذي يتجسّد في هذا الصولجان هو حيوان سيت إله الفوضى الأسود وعدو الآلهة المصرية، الذي قلتُ إنَّه إله بدئي ينتمي إلى آلهة جنوب السودان الحالي.
يمكن من نواحي ثانية النفاذ لعلاقة الكلب بالراعي وقراءة ذلك الحيوان من هذا المنطلق، وربطه بـ(كورية الروب) الموجودة في عشرات الأبتيات، وهي من أهم أدوات الراعي كما نعرف، وبالوسع مقارنتها مع حافظة المفهوم {قوول الروب} بمعنى اسْتَسْلِم، وكذلك بمعنى السخرية ممن يرفض القتال كما رفضه هابيل، فكأنَّما كورك فيه قابيل (قوول الروب).
والبدد الآخر لهذه الجزئية الذي يطابقها حرفياً، ويؤكّدها تماماً، هو حافظة المفهوم (قوول نِفَّة) المتحدّرة عن أصلها القديم، وهي أيضاً بمعنى اسْتَسْلِم، ويستخدمها الصبية بعد أن يصرع أحدُهُم الآخرَ، فيقول له لن أتركك ما لم تقل نِفّـة. أو (تبزق التوبة وتلحسها) بمعنى تبصق على الأرض وتلحس بصاقك بترابه، وأيضاً يعني هذا البدد الاستسلام. ونفّة تُستخدم بمعنى الرفض أيضاً (لا، بشكل مستهتر، رَفْضُ شخصٍ مستكبر)، وتكون في هذه الحالة النون مثل نون إسبانيا ذات المُعَلّقة Ń كما تستخدم للأكل Ńــا نـ Ńــا، وفعل الأكل نـــ Ńـمم.
من المهم أيضاً أن نشير لكون هذا الصولجان يمثّل رمز الثروة، وأنَّه يُمسك من المنتصف، ومقارنة ذلك بحافظة المفهوم التي تقول {فلان ماسك العصاية من النُّص} وتعني أنَّه مذبذب، لا ينتمي لشيعة القتال ولا شيعة السلم.
الرمز الثالث، يتمثّل في العنخ وهذا بيّنتُه جيداً فيما سبق من مواد وهو رمز الحياة، فالأخ الذي قتل بقي حياً، والذي عَفَّ عن الدم قد ذهب، وهو يبادد مقبض السيف والسوط وسيور مقلاع رمي الحجر، وكذلك شكل (العُقْدَة) والزرديبة، بمعنى المشاجرة والحرب بين الناس في الثقافة السودانية، وإلى آخره مما تقدَّم. يقول العبّادي في مسرحيته المك نمر على لسان ود النعيسان حينما ذهب لطرح المشكلة على محمّد ودكين
في عموم دار جعل ما خَلُّو بطناً باردة
عقدوا لهم عُقْدَة صعبة ما متجاردة
خَلُّو المك زِعِل حالف يعقر الواردة
خَلِّ الناقة ما بتشرب عنيزةً فاردة
وعلى لسان شمّه وهي تبكي فَرَقَاً من نُذر المعركة الوشيكة بين أهلها وأهل زوجها:
تاقت للمروق أنا روحي جات متطاردة
صِعِب الحال خلاص والعُقْدَة مِي متجاردة
الشُّكْرية أمس لحقوها حارَّة وباردة
خَلُّوا المَك زِعِل حالف يعقر الواردة
وهنا العنخ في هيئة (عُقْدَته) الشكلية، شكل مقبض السيف، المقلاع.. إلخ
الرمز الرابع، وهو الـcrook الكلمة التي تأتي بمعنى الصولجان وعصا الراعي كذلك في الإنجليزية، وهذا هو الصولجان الذي يدل على هابيل الراعي مباشرة، وتعريفه من حقب فرعونية متأخرة أنَّه {عصا الراعي، أو الصولجان، الخاص بالإله أنيدجتي Anedjti وهو الإله نصير الرعاة والحامي للحيوانات الأليفة}.
ولا أعتقد بأنَّ هذا الصولجان يحتاج إلى توضيح أكثر من ذلك كي يربطه بجذره هابيل السلام، الراعي، عليه السلام.
الملاحظة المهمة للغاية هي أنَّ هذا الصولجان لا ينتهي برجلين مثل باقي الصولجانات، والأرجل الهاربة هي حروف كما بيّنتُها سابقاً، مثل الأيدي المبسوطة بالعدوان، بينما الراعي ثوى في مكانه ولم يتحرّك بعدها والهرب كان من نصيب القاتل وحده.
الرمز الخامس، وهو الفليل الذي يقود إلى قابيل مباشرة فهو أداة زراعية، وحافظة المفهوم هنا هي صيحة {وا فليلي.. وا فليلي} التي تطلقها النساء عند الموت الفاجع، مثل صيحة سجمي سجمي، التي تعني نهايتي.. نهايتي مما أوضحتُه سابقاً.
الرمز السادس، هو عصا أو صولجان الزهرة، وهذه العصا نجدها حيّة في الثقافة السودانية ما تزال إذ تحملها مديرة الزار لتقول من خلالها الأوامر أو "الطلبات" المعروفة في الزار. وأيضاً يحملها كثيرون من رجال القبائل الجنوبية الأمومية، أي التي تنتمي في جذر ثقافتها إلى الأم لا إلى الأب، مثلما أوضحت من قبل أنَّ قبائل باري تنتمي للأب، آدم، لا إلى حواء. كما أوضحت هذا الصراع الذي تُرَدُّ إليه الثقافات الأمومية، فالقرآن حينما يتحدّث عن ملّة الأمّيين لا يعني عدم الكتابة والقراءة، بالصورة الحرفية المفهومة لنا اليوم، وإنَّما يعني أنَّ ثقافات المنطقة القديمة كانت أمومية بالتالي فهي كلّها جهالات وأوثان {إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطانا مريدا} فالأمّية تعود إلى الأم لكون آدم قد تَمَّ تعليمه بواسطة الله نفسه، وهذا لم يتم للأم حواء {وعلّم آدم الأسماء كلها}، ولذا تنسب لها الأمية وعدم التعليم في الإجمال.
الرمز السابع، هو عصا أو صولجان الهيكا، والإشارة هنا أنَّها تدل على الصحّة لا الثروة، وأيضاً تدل على فن الفم والسحر كما تقدّم. الهيكا دلالاتها وفيرة وغزيرة وهي تشكّل نسبة كبيرة من العصي السودانية.
الرمز الثامن، هو برج ديجد Djed ولكن نجده في شكل عصا أو صولجان ويدل على الاستقرار، تكثر مثل عصاه هذه وسط العسكريين وفي جنوب السودان وتنحت من الأبنوس غالباً.
مجموعة عصي سودانية، أو صولجانات
• ترجمة مُجْمَلة بعض الشيء لهذا الموضع من بحث المهندس Prof. Kazuaki SEKI
المُسمَّى A NOTE ON THE “HB-SD” AND SED-PAVILION
IN ANCIENT EGYPTIAN ARCHITECTURE