من سحــارة ذكريــات البلــد (6) - مقيل مع حمد ود الشيخ
منتصف نهار قائظ، لا تكاد تحس فيه حركة الهواء. في راكوبة نُصبت تحت ظل نيمة وريفة في أحد أركان البيت العتيق يتعلّق سعن (1)، ممتلئ بالماء إلى النصف، على ثلاثة شِعَب مربوطة ببعضها من أحد أطرافها ومحرّرة من الطرف الآخر المركوز على الأرض على شكل أرجل مفترقات، تلك الشِعَب قد تكون من الحطب أو من السيخ وتسمّى "الكشمبير". يتعلّق وقد يبس نصفه الأعلى فصار أقرب إلى اللون البيج بينما ظلّ النصف الأسفل محتفظاً بلونه البنّي. وكّأنّي به يكابد نسمة هواء ترطّب ما بجوفه من ماء؛ لكنه أيضاً ظلّ متشبّثاً بإفراز قطرات متتاليات من الماء تخرج من أسفله الّذي تمّ ربطه بحبل من جلد قد تدلّى جزء منه ليقارب سطح الأرض فصار معبراً تنزلق عليه تلك القطرات فتبلّله قبل أن تستقر على الأرض حيث صنع تساقطها الرتيب ما هو أشبه بالحفرة التي لايزيد عمقها عن طول العُقلة الأولى من بنصر الكف.
عند سقوط تلك القطرات، لا تتطاير حبّات الرمل بل تتزحزح قليلاً كالنائم الذي أزعجته ذبابة ملحاحة. تتزحزح بكسل لتفسح مجالاً لزائرها الجديد الذي سرعان ما تتشرّبه الأرض الرملية العطشى.
الراكوبة التي نُصبت تحت النيمة الكبيرة، ظليلة لا تتسرّب من خلال جريد سقفها أشعة الشمس اللاذعة. إختار حاج أحمد موقعها في البيت بعناية تامّة، فهي تقع عند آخر الحوش أمام الطرف الشرقي من بيت الحمير وبيت البهائم وليست بعيدة من بيت الأدب، وفي وضعها هذا تكون مقابلة للباب الرئيسي للبيت. ذلك الباب الذي يُفتح مرة واحدة في اليوم بعد صلاة الفجر، كما يغلق مرة واحدة بعد صلاة العشاء. الباب مصنوع من لوح الزنك المثبت على إطار من خشب الحراز وعلى منتصف ضلع الإطار الطولي، يربض "الكبِد" وبداخله "الكُشر"، وهما كالون ومفتاح الباب المصنوعين من الخشب. ليس مجازاً مقولة أن "الباب يفوّت جمل" فباب الحوش كافٍ لدخول الجمل بما يحمل من شوّالات التمر.
أوّل ما يقع عليه نظر الداخل هو تلك الراكوبة الرملية أرضيتها، المتناثر عليها حبيبات النيم الصفراء وعويشه، والتي يسرح فيها نمل "أبو الحِصين" ذو اللون المائل إلى الحُمرة، وقد حفر بيوتأً في رملها بدأب ونشاط ليغدو طول النهار إليها ويروح.
بعد أن صلّى الظهر، حرّك حاج أحمد عنقريبه إلى الجانب الشرقي من الراكوبة ملتمساً ضل العصر بعد أن مالت الشمس قليلاً ناحية الغرب، وفتح صفحة المصحف التي توقّف عندها قبل الصلاة لمواصلة التلاوة. فعل ذلك وهو ممسكاً المصحف بيده اليسرى واضعاً سبابته على الصفحة المُراد مواصلة قراءتها، ومنشّة الذباب باليمنى. أمامه على التربيزة العتيقة كوز الماء الذي ما أن يفرغ محتواه، حتّى يجف و يدفأ سطحه، فالوقت بداية شهر يونيو، والقرية رغم أنّها تقع على ضفاف النيل، إلاّ أنّ المناخ الصحراوي لا يفرّق بين يابسة ونهر؛ وأمام العنقريب الآخر هناك تربيزة وضعت عليها صينية الغداء وقد غطّيت بطبق زاهية ألوان سعفه المضفور، وأخرى وضعت عليها صينية ألومونيوم بها ثيرمس ممتلئ بالشاي وثلاثة كبابي مكفية لتحتفظ بريحة المستكة أطول فترة ممكنة.
نادى حاج أحمد إبنه الصبي وأرسله إلى حمد ود الشيخ ليدعوه إلى الغداء، فلا يطيب الأكل بدونه.
ركض محمد بهمّة ونشاط ووقف عند الحائط القصير منادياً " يا جدي حمد، أبوي قالك أنا راجيك بالغدي"، ويأتيه الرد من داخل الغرفة الوحيدة "وحاة الله إن كان مو أنا، أبوك ده كان مات بالغلي (2)". يعقب ذلك بضحكة من الأعماق، ويتناول شعبته متوجّهاً مع محمد صوب البيت.
(1) السِعِن: جلد الماعز أو الشاه، يُدبغ ويُربط طرفه السفلي ليُستخدم كوعاء للماء أو اللبن.
(2) الغلي: الغلاء، والمقصود هنا الجوع.
يتبع ...
التعديل الأخير تم بواسطة عكــود ; 28-04-2014 الساعة 10:43 AM.
|